بينما تتوالى بورصة الترشيحات للوزارات والمؤسسات السيادية في بلادنا، مرتديةً ذات الصبغة السياسية المعتادة، لم يعد المشهد يثير الدهشة أو الاستياء بقدر ما بات يثير التساؤل حول قدرة النخبة السودانية على مغادرة المربع الأول. الطريقة التي يتم بها الترشيح والاختيار ليست غريبة في تاريخنا الإداري والسياسي، لكنها اليوم تزحف نحو مجموعات أخرى؛ مجموعات ظلت لعهود طويلة ترى أنها لم تنل نصيبها العادل من "كعكة السلطة" والاستوزار، ولعلها كانت محقة تماماً في تمردها على دولة سودانية أدمنت الفشل منذ فجر الاستقلال في عام 1956.
إن هذا الفشل المؤسسي المتراكم، والمتمثل في عجز الدولة عن إدارة التنوع وتحقيق التنمية العادلة، هو تحديداً ما أغرى حتى "الجنجويد" ليرفعوا عقيرتهم بالمناداة بتغيير "دولة 56". لكنها هنا لم تكن إلا "كلمة حق أُريد بها باطل" فالجنجويد لا يحملون هدفاً سامياً، ولا يملكون مشروعاً أخلاقياً أو فكرياً لبناء دولة تختلف عن دولة 56 او تشبهها ، بل كانت شعاراتهم مجرد غطاء لتدمير بنية الدولة ومؤسساتها ونشر الفوضى.
في المقابل، كنا نتمنى ولا نزال، أن تمتلك المكونات الأخرى وحركات الكفاح المسلح رؤيةً وطنيةً ناضجة لإقامة مشروع حكومة يختلف عن نموذج 56 في الشكل والمضمون. لقد سئم الشعب السوداني كل أشكال التميز والامتيازات، سواء كانت قبلية، أو مهنية، أو مناطقية، والتي أقعدت بالبلاد طويلاً.
ومن هذا المنطلق، لم نجد مبرراً موضوعياً لإزاحة بعض الرموز مثل د. جبريل إبراهيم من وزارة المالية، أو مني أركو مناوي من وزارة المعادن؛ ليس تمسكاً بأشخاصهم، بل لأن الطريقة التي كانت ستبعدهم هي ذاتها الطريقة التي ستأتي بآخرين: آلية تفتقر للمعايير العادلة والكفاءة المجردة في تولي المنصب القيادي.
حينما تمردت هذه الحركات في إقليمها ضد المركز، لم تفعل ذلك من فراغ، بل تفجرت طاقاتها نتيجة إحساس عميق بالظلم والغبن من إجراءات ووسائل حكم غير عادلة. ورغم مشروعية القضية، إلا أن هذه النفسية المثقلة بالمرارات ظلت معشعشة في أذهان الكثيرين حتى بعد الوصل إلى السلطة. وما يعيب هذه الحركات اليوم، أنها بالرغم من حملها لافتات وشعارات براقة مثل "العدل والمساواة"، إلا أنها تسير في ذات الطريق الذي سلكه السابقون؛ حيث يُنظر إلى العدالة من منظور مكاسب الجماعة والمحاصصة، بدلاً من تقديم نموذج يحتذى به في إرساء العدالة الشاملة لكل السودانيين.
إن الفرصة ما زالت قائمة ومتاحة للحكومة والسياسيين، بل هي الواجب الأخلاقي الأخير المفروض عليهم وسط هذه المنعطفات التاريخية. نحتاج إلى الخروج من عباءة الكيانات الجهوية والمحاصصات الضيقة نحو أحزاب سياسية حقيقية ومحترمة؛ أحزاب تنظر للمجتمع السوداني كله بمنظار "الابن" الذي يستحق رعايةً وحكومةً عادلة، وتحمل في جعبتها رؤى ومشروعات حقيقية لخدمة الناس والنهوض بالبلاد.
إن تجديد شرعية الحكم في السودان لن يمر عبر استبدال ممتصي الامتيازات القدامى بجدد، بل يمر عبر هدم ثقافة "الغنيمة" وبناء دولة المواطنة والكفاءة وسيادة القانون.