يشغل الحديث عن وجود "حركة إسلامية" داخل صفوف الجيش السوداني ومؤسسات الدولة الرأي العام المحلي والعالمي، في محاولة لسبر أغوار القيادة الفعلية للدولة في هذه المرحلة المفصلية. والواقع أن هذا التساؤل يعكس التباساً عميقاً في المفاهيم السياسية؛ فالحزب أو التنظيم السياسي في العرف الديمقراطي والمؤسسي له واجهات رسمية وهياكل معلنة لا تخفى على أحد، وإعلان وجوده على رأس السلطة أمر تقتضيه طبيعة الإدارة الرشيدة. غير أن المشهد السوداني عانى طويلاً من سوء فهم جوهري لطبيعة إدارة الدولة، تفرّعت عنه أفكار مشوهة مثل "الفرد الحزب"، و"الشخص الحزب"، أو "القبيلة الحزب". وهذا انحراف خطير عن المفهوم السليم للحكم؛ فالدولة تُبنى على أساس مؤسسات تضم كافة المواطنين، بينما تشكّل الحكومة من حزب أو ائتلاف حزبي يدير الدولة وفق رؤية برامجية واضحة لصالح الوطن أجمع.
وفي المقابل، فإن العمل المعارض السليم يرتكز على معارضة سياسات الحزب الحاكم وبرامجه، لا هدم مؤسسات الدولة نفسها. ومؤسف حقاً أن ما جرى ويجري في السودان هو العكس تماماً؛ إذ تصب المعارضة جُلّ جهدها في تقويض مؤسسات الدولة، لا في نقد سياسات الأحزاب المنافسة.
الحزب والوجود الفردي: قراءة في الواقع الراهن
على أرض الواقع اليوم، لا يوجد حزب سياسي فاعل تحت اسم "الحركة الإسلامية" على رأس السلطة، فحزب المؤتمر الوطني أعلن منذ قيام ثورة ديسمبر تجميد نشاطه والابتعاد عن المشاركة الحزبية الرسمية. لكن النقطة الأهم التي غابت عن الكثيرين هي أن كوادر المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية يتواجدون اليوم في مفاصل الدولة بصفتهم مواطنين سودانيين يتمتعون بالمؤهلات والكفاءات المهنية والإدارية، ولم يتم تعيينهم لتمثيل أجندة تنظيمية حزبية. وهنا تكمن المفارقة الواجب الانتباه لها: هل تكمن المشاركة في تمثيل حزبي مفروض، أم في كفاءة فردية ومقدرة وطنية استوحت شروط الوظيفة العامة؟
إن ما تروجه بعض القوى السياسية من اتهامات حول سيطرة "الإسلاميين" على الجيش والدولة يحمل في ظاهره شعاراً، ولكنه في باطنه باطل؛ فالمسلم وغيره من أبناء الوطن مواطن سوداني التحق بمؤسسات الدولة عبر مسارات وإجراءات نظامية معتمدة. وإن وُجد خلل في تلك الإجراءات فيجب تصحيحه عبر القانون ومعالجة الفساد إن وجد، لا عبر الإقصاء الجماعي.
فقه المجتمع والتحول الذاتي
إن وجود أفراد ذوي خلفيات إسلامية داخل مؤسسات الدولة يعود إلى كون الحركة الإسلامية -عبر مسيرتها الطويلة- قد تغلغلت في نسيج المجتمع السوداني بكافة مكوناته الاجتماعية والقبلية. ومحاولة فصل هذا التيار الواسع عن حركة المجتمع أصبحت درباً من المستحيل ولن تُجدِي نفعاً.
وهذا عينُ ما سعى إليه مفكر الحركة الإسلامية، الدكتور حسن الترابي رحمه الله، حين أراد لحركة التدين المجتمعي أن تنبع وتتحرك ذاتياً من صميم وجدان المجتمع، دون حاجة إلى تنظيم فوقي يوجهها، لتتحول إلى طاقات فردية منتجة في كل مؤسسات الدولة، لا يحركها سوى الضمير الوطني وحب الوطن. وحين تقتضي الضرورة السياسية التنظيم، يتداعى هؤلاء الأفراد لخدمة الناس وصيانة مصالحهم بكل تجرد.