لم يعد كأس العالم كما عرفناه في النسخ السابقة. لم تعد تلك البطولة التي ننتظرها بشغف، ونعيش تفاصيلها لحظة بلحظة، ونشعر بأنها تجمع العالم في مكان واحد. فقد تراجعت المتعة، وخفت بريق المنافسة، وتبددت كثير من التفاصيل التي كانت تمنح المونديال نكهته الخاصة.
ولعل إقامة البطولة في ثلاث دول للمرة الأولى شكّلت تحدياً كبيراً للمنتخبات والجماهير على حد سواء. فالتنقل المستمر بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، واختلاف المناخ، وتباين البيئات والثقافات، كلها عوامل أثرت على إيقاع البطولة وأفقدتها جزءاً من خصوصيتها.
ويبقى مونديال قطر 2022، في تقديري، آخر نسخة احتفظت بسحر كأس العالم الحقيقي. فقد كانت الملاعب متقاربة، والتنظيم استثنائياً، والبرامج المصاحبة ثرية، كما وفرت الدولة المنظمة كل مقومات النجاح، حتى شعر المتابع، أينما كان، وكأنه يعيش الحدث من قلب الدوحة.
أما مونديال 2026، فقد افتقدنا فيه كثيراً من ملامح الكرة التي أحببناها. غابت متعة السامبا البرازيلية، ولم يعد المنتخب البرازيلي يقدم ذلك الأداء الذي طالما أمتع عشاق كرة القدم. ويبدو فينيسيوس جونيور الاستثناء الوحيد الذي ما زال يحمل شيئاً من عبق البرازيل الجميل، ويذكرنا بإبداعات الظاهرة رونالدو، ورونالدينيو، وكاكا، وريفالدو، وكافو.
ولم يكن المنتخب الألماني أفضل حالاً؛ فقد غابت هيبة “الماكينات الألمانية”، وتراجع حضورها المعتاد، لتغادر المنافسة مبكراً، في مشهد لم يكن مألوفاً لعشاق الكرة العالمية.
كما افتقدنا سحر المنتخب النيجيري، وقوة أسود الكاميرون، وروح المنافسة التي كانت تميز منتخبات أفريقيا، إلى جانب غياب روسيا، وتراجع الحضور الإيطالي الذي طالما أضفى على البطولة نكهة خاصة.
ولا تزال الحسرة تلازم عشاق الكرة الأفريقية بعد خروج منتخبات كوت ديفوار، وجنوب أفريقيا، والسنغال في لحظات قاتلة، رغم المستويات الجيدة التي قدمتها خلال البطولة.
واليوم تتجه الأنظار إلى منتخبات مصر والجزائر والمغرب، باعتبارها الأمل المتبقي للعرب والأفارقة في مواصلة المشوار وتحقيق حضور مشرّف.
لقد أثبتت هذه النسخة أن كرة القدم أصبحت أكثر قسوة من أي وقت مضى؛ فخطأ واحد، أو هفوة عابرة، قد تكون كافية لإنهاء الحلم، وحزم الحقائب، والعودة إلى الديار بخيبة أمل.
أما نحن في السودان، فمعاناتنا مع المونديال كانت مختلفة. فظروف الحرب، وما خلفته من ضغوط نفسية ومعيشية، إلى جانب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، حرمت كثيرين من الاستمتاع بمشاهدة المباريات كما ينبغي.
ومع ذلك، يبقى الفضل بعد الله لوسائل التواصل الاجتماعي وخدمات الإنترنت، التي مكنتنا من متابعة الأخبار والنتائج أولاً بأول، رغم كل الظروف.
ولعل أكثر ما يحسب للمونديال أنه، ولو مؤقتاً، شغلنا عن متابعة أخبار اتحاد كرة القدم السوداني.