عزيزي القارئ يؤسفني أن أنعي لكم فنّ المدح في باب الشعر العربي، ليس لأنه فنياً قد مات، ولكن ماتت البواعث فلا الرفعة العربية والإسلامية سيف الدولة حاضراً وليس هنالك وعد قريب بالمهدي أو صلاح الدين!
وكلما إلتفتَّ يمنةًً أو يسرة حاصرتك الهزائم وبؤس المواقف.. أنعي لكم أشرف ما عندنا في شعرنا حيث لا مساحة له إلا من باب زيارة المتحفيات والاحتفاء والسرديات من شاكلة:
حقرت الردينيات حتى طرحتها
وحتى كأن السيف للرمح شاتِمُ
ومَنْ طلب الفتْحَ الجليلَ فإنما
مفاتيحُهُ البِيضُ الخِفافُ الصوارِمُ
نثرتهم فوق الأحيدب كله
كما نُثِرَت فوق العروسِ الدراهِمُ
تدوس بك الخيلُ الوكورَ على الذرى
وقد كثُرت حول الوكورِ المطاعِمُ
تظنُّ فراخ الفتخِ أنّك زرتَها
بأمّاتها وهي العِتاق الصلادِمُ
إذا زلقت مشيتها ببطونها
كما تتمشّى في الصعيد الأراقِمُ
بالله عليكم أهناك صورة أبدع من صورة (صغار الفتخ) صغار الطير التي تستودعها أمهاتها أعالي الجبال والقناني وتبارحها من أجل الرزق، فلما جاءتها خيول سيف الدولة في تلك الأعالي الوعرة زقزقت وصوّتت وقد حسبت أن أماتها قد جاءتها بالرزق فهذا مكان لا تبلغه الدواب، هذا مكان حِكر على الطيور فقد خدعت بأماتها (ولكن الحقيقة أن الزائرات هن العتاق الصلادم) وتلك أمكنة من الوعورة والعلو بمكان بحيث لا تبلغها أبداً (خيول) إلا إذا كانت خيولاً على رفعة وتحدي سيف الدولة، ذلك علوٌ لن تمشي فيه إلا الثعابين وإن أرادته اختارت صعيده السهل، فانظر معي ماذا فعلت خيول سيف الدولة المقاتلة:
إذا زلقت مشيتها ببطونها
كما تتمشّى في الصعيد الأراقم
والقصيدة من شعر المتنبئ المجاهد وقد حارب مع سيف الدولة الروم في (الحدث الحمراء) وسُمِّيت كذلك لكثرة ما أريق فيها من دماء.. ولذا فإن أهل الإستشراق من المتأدبين الفرنجة كانوا يكرهون وضوح المتنبئ العربي المسلم المجاهد ويحبّون غموض أبي العلاء وتجاوزاته ولذا احتفوا به وبكل الرماديين العرب..
وأهل المعرفة بالعزة دائماً ما يتعزّون بتلك المعركة..
وهل الحدثُ الحمراءُ تعرف لونَها
وتعلم أيَّ الساقِيين الغمائِمُ
(طريدةُ دهر)ٍ ساقَها فرددتها
على الدين بالخطي والدهرُ راغِمُ
تفيت الليالي كل شيء أخذته
وهن لما يأخُذْنَ منك غوارِمُ
إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً
مضى قبل أن تُلقَى عليه الجوازِمُ
ودائماً ما كان الجميع يتوافقون ويتواثقون على العالم الاسلامي وقد عرَّى أبو الطيب المؤامرة، أليس هو القائل:
وكيف ترجى الرومُ والروسُ هدمها
وذا الطعنُ أساسٌ لها ودعائِمُ
خميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُهُ
وفي أذنِ الجوزاءِ منه زمازِمُ
تجمع فيه كلَّ لسنٍ وأمة
فما تفهمُ الحداث إلا التراجمُ
فلِلّهِ وقتٌ ذوّبَ الغشُّ ناَره
فلم يبقَ إلا صارِمٌ أو ضبارم
تقطع ما لا يقطع الدرع والقنا
وفَرَّ من الأبطالِ من لا يصادِمُ
تذكرت هذه القصيدة لأنها ذكّرتني أياماً من المعرفة والأساتذة والأصدقاء، فقد كنت آنذاك بالجامعة وقد أغراني أحد الشعراء الشباب أن أرتاد معه ندوة الأصالة التي كان يديرها الأستاذ الشاعر اللُّغَوي الراحل فراج الطيب السراج بمنزله بأبي روف، فقد كانت الدار بموقعها وآثارها وعراقتها ترفرف عليها روح الشاعر الراحل القتيل الشيخ الطيب السراج أحد أئمة اللغة في زماننا والشعر وأيام العرب، ومن غير ما تعلمناه فيها من فكر ولغة وقضايا فقد عرّفتنا بالكثير من الشعراء المعاصرين وأساتذة النقد وأهل المنهج وطرائق التفكير.. وهي ثلة من أهل العلم لو لم يجمعنا بهم هذا البيت الكبير الخطير، لفاتنا من دنيانا هذه الفانية خيرٌ كثير..
وأذكر أن أستاذنا العالم الشاعر الحافظ عبد الله الشيخ البشير كان يقول لنا أنه من محنة العربية في السودان أنها قد أهملت اللغة الفصيحة المقالة، وبذهاب هذا الفن فات على الناس ضربٌ من المتعة لن يجدوه أبداً في ارتياد النصوص بالنظر وسرية الهمس في الإطلاع المعاصر، ولذلك كان الرجل يصرّ علينا، خاصة نحن الطلاب، أن نقرأ عليهم نصاً يختاروه وكانوا يتحملون منّا اللَّحْن وضعف الأداء والخوف من السخرية، فأنت تقرأ أمام أساتذة قضوا عمرهم النضر في التعليم والتعلّم وعرفوا خبايا اللغة وأسرارها وآدابها.
وأذكر تماماً ذلك الفزع الذي ألمّ بي وأنا جديد على هؤلاء العمالقة والأستاذ فراج عليه الرحمة يُلقي بين يدي (ديوان المتنبئ) وكان أبو الروس يسميه هو و(نهج البلاغة) للإمام علي بالدكشنري.. ومن حسن حظي أنه اختار لي النص الشهير:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظُم في عين الصغير صغارُها
وتصغُر في عين العظيم العظائم
يكلف سيف الدولة الجيش همّه
وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
ولكن هناك فرق كبير بين قراءتنا وقراءة أستاذ فراج، فالقراءة الصحيحة مع التدبّر والإعجاب والتمكّن، تجعل النص يتنزّل عليك كما يتنزل الغيث.. وللشعر الصحيح القراءة القوي العارضة والممزوج بزهو المتمكن، طرب أشهى من مؤانسة الأحبّة وأحلى من وصال المعازف والغناء.
وكان السياسي اليمني الوزير الطبيب محمد يحيى الشرفي يبكي حين تصل القصيدة إلى مداها بأبيات المتنبئ الذي لا يجد تفسيراً فيزيائياً لبقاء سيف الدولة حياً وقد أحاطت به الروم إحاطة الخاتم بالأصبع والإسورة بالمعصم، وفي صرخة صوفية واثقة يقول:
وقفت وما في الموت شكٌّ لواقِفٍ
كأنك في جفن الرَّدَى وهو نائم!!
تمرُّ بك الأبطالُ كلْمَى هزيمةً
ووجهك وضاح وثغرُكَ باسِمُ
ويزهو المتنبئ ويزدهي حتى تشرق الألفاظ بلا لبس ولا مداراة ولا غموض:
ولستَ مليكاً هازماً لنظيره
ولكنك (التوحيد للشرك هازم)
تشرف عدنان به لا ربيعة
وتتفاخر الدنيا به لا العواصمُ
لك الحمد في الدُرِّ الذي لي لفظه
فإنك معطيه وإنّي ناظِمُ
وإنّي لتعدو بي عطاياك في الوغى
فلا أنا مذموم ولا أنت نادم
وتمتلئ مخازن الأسلحة العربية بأسلحة العدو وطائراته وقاذفاته في مستودعاتنا حتى يحاربنا بها حين تصدأ بأخرى بمقدار البلايين من الدولارات كانت تكفي لإقامة مشروع مارشال عربي إقتصادي وعلمي سيجعل الخواجات عندنا مهاجرين بعد عدة سنوات يطلبون منّا العلم والمعرفة والأخلاق والتوحيد، وكل ذلك ممكن ومتاح.. ولكنها قلّة الحيلة وقيد الجهالة والتحالف الأبدي مع التراب ودنايا الدنيا وذلل الأنفس وشُحّها وندرة الدين وجفاف ثقافة الانتصار، قادنا إلى هذا الزمان العربي البئيس الذي ليس فيه سيف يستحق الإقتناء رمزاً والاقتناء حديداً.. وإن وُجد فإنه زمان (السيف المُغمَد)، وما أجمل خواتيم أبي الطيب مثلما أصدق ابتداراته:
ألا أيها السيفُ الذي ليس مغمداً
ولا فيه مرتابٌ ولا منه عاصِمُ
هنيئاً لضرب الهام والمجد والعُلَى
وراجيك والإسلام إنك سالم
ولِمَ لا يقِي الرحمنُ حدَّيكَ ما وقَى
وتفليقة هام العِدا بك دائِمُ
عزيزي القارئ، إنها زيارة قصيرة لمتحف الشعر العربي أتوسل به لأغلق ما بدأت به المقال.. إني أنعي لكم للأسف باب المدح في ديوان الشعر العربي.. وباب النقائض أيضاً لأن اسمه الجديد على الألسن والضمائر صار باب الشتائم العربية!!
آخر دمعة سُكِبت على كتف الزمان وعلاقة المبدع بالأمير إن المؤامرة حين أحاطت بالمتنبي قرر الرحيل ليلاً وفي المآقي دموع وفي القلب أسى وأسف وفي الصدر موجدة؛ خاصة بعد أن تعرض لعملية اغتيال كادت أن تؤدي به من أبي العشائر وهو خال سيف الدولة. ترك حلب وترك وراءه أبياتاً كانت أصدق مرافعة في أدب الفراق. وكان أبو الطيب ابن فراق؛ ما وجد بعد ذلك الرحيل المر لا نفحة سعادة ولا هداة روح حتى قُتِل بعد مفارقته للأخشيدي في إحدى صحارى العرب القاحلات، وظل القوم في حلب يرددون مرافعته واستقالته منذ تلك الحادثة إلى يوم الناس هذا.
وَمُنتَسِبٍ عِندي إِلى مَن أُحِبُّهُ
وَلِلنُبلِ حَولي مِن يَدَيهِ حَفيفُ
فَهَيَّجَ مِن شَوقي وَما مِن مَذَلَّةٍ
حَنَنتُ وَلَكِنَّ الكَريمَ أَلوفُ
وَكُلُّ وِدادٍ لا يَدومُ عَلى الأَذى
دَوامَ وِدادي لِلحُسَينِ ضَعيفُ
فَإِن يَكُنِ الفِعلُ الَّذي ساءَ واحِداً
فَأَفعالُهُ اللائي سَرَرنَ أُلوفُ
وَنَفسي لَهُ نَفسي الفِداءُ لِنَفسِهِ
وَلَكِنَّ بَعضَ المالِكينَ عَنيفُ
فإنْ كانَ يَبغي قَتْلَها يَكُ قاتِلاً
بكَفّيهِ فالقَتْلُ الشّريفُ شريفُ