عاش كفاح الطبقة العاملة
أثبت الواقع العربي الراهن بكل هزائمه وانكساراته بأن الذين يقودونه من الملوك والرؤساء والأمراء والنخب الحاكمة المتنفذة وعلماء السلطان من الفقهاء والمستشارين، قد سقطوا سقوطاً مزلزلاً في إدارة المعركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فأوردونا موارد الهلاك موثقة بالصوت والصورة والقلم و(على الهواء مباشرة).
ويبدو أننا في حاجة ملحة لاكتشاف مثقفين جدد مبدئيين وأصحاب علم ومعرفة وتجربة واستشراف ودراية ببواطن الأمور حتى وإن قادهم فقرهم لتقديم بعض التنازلات ومنها التطفل الاضطراري على موائد الكبار دون أن تصلهم بطاقات دعوة للمجالس والمآدب والمؤتمرات وهم لها مستحقون أكثر من هذه البطانة العاطلة و(الكومبارس) الرخيص وأدعياء النصيحة الكذوب.
وتحضرني هنا حكاية المؤانس المثقف الظريف الذي أخطأته عيون الحُكام رغم علمه وحكمته وخفة روحه وجرأته في الدفاع عن حقوقه جهراً بعلم مستفيض ومرافعة دامغة. عزيزي القارئ الرجاء قراءة هذه الأقصوصة ذات المغزي بعناية وتبصر ومن ثم وتوزيعها على العامة والخاصة ففي تدبرها تَطِل مَسالكٌ للحلول وطرق للرشد وتقديم برنامج يصلح للناس والحياة والدين والدنيا قبل فوات الأوان.
يروي نصر بن علي الجهضمي وهو إمام وعالم ومحدث ومن المقربين لأمير البصرة وقد عرف بالصراحة وفن الاعتراف. يقول:
كان لي جار مؤانس وظريف ولا يخلو من تطفل وكان من أحسن الناس منظراً وأعذبهم منطقاً وأطيبهم رائحة وأجملهم ملبساً، وكان من شأنه أني إذا دعيت إلى مدعاة تبعني فيكرمه الناس من أجلي ويظنون أنه صاحب لي. فاتفق يوماً أن جعفر بن القاسم الهاشمي أمير البصرة أراد أن يختن بعض أولاده فقلت في نفسي كأني برسول الأمير قد جاء وكأني بهذا الرجل قد تبعني ووالله لئن اتبعني لأفضحنه.
فأنا على ذلك إذ جاء رسوله يدعوني فما زدت على ان لبست ثيابي وخرجت فإذا أنا بالطفيلي واقف على باب داره قد سبقني بالتأهب فتقدمت وتبعني فلما دخلنا دار الأمير جلسنا ساعة ودعي بالطعام وحضرت الموائد وكان كل جماعة على مائدة لكثرة الناس فقدمت إلى مائدة والطفيلي معي فلما مد يده ليتناول الطعام قلت حدثنا درست بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال: رسول الله صلى الله عليه و سلم من دخل دار قوم بغير إذنهم فأكل طعامهم دخل سارقا وخرج مغيرا.
فلما سمع ذلك قال: لقد أستحيت لك والله أبا عمرو من هذا الكلام:
1_ فإنه ما من أحد من الجماعة إلا وهو يظن أنك تعرض به دون صاحبه، أولا تستحي أن تتكلم بهذا الكلام على مائدة سيد من أطعم الطعام.
2_ وتبخل بطعام غيرك على سواك.
3_ ثم لا تستحي أن تحدث عن درست بن زياد وهو ضعيف عن أبان بن طارق وهو متروك الحديث بحكمٍ ترفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على خلافه لأن حكم السارق القطع وحكم المغير أن يعزر على ما يراه الامام.
4_ وأين أنت عن حديث حُدِثناه عن أبي عاصم النبيل عن بن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال: رسول الله صلى الله عليه و سلم (طعام الواحد يكفي الإثنين وطعام الإثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية) وهو إسناد صحيح ومتن صحيح .
قال نصر بن علي معترفاً :لقد أفحمني فلم يحضرني له جواب فلما خرجنا من الموضع للانصراف فارقني من جانب الطريق إلى الجانب الآخر بعد أن كان يمشي ورائي وتقدمني والتفت نحوي ساخراً وهو يقول:
وَمَن ظَنَّ مِمَّن يُلاقي الحُروبَ
بِأَن لا يُصابَ فَقَد ظَنَّ عَجزا
نَعِفُّ وَنَعرِفُ حَقَّ القِرى
وَنَتَّخِذُ الحَمدَ ذُخراً وَكَنزا
وَنَلبَسُ في الحَربِ نَسجَ الحَديدِ
وَنَسحَبُ في السِلمِ خَزّاً وَقَزّا
حاشية:
وعندما أكملتُ قراءتها تذكرتُ عنفوان الصِبا وحرارة الشارع السوداني القديم (وشالتني الهاشمية) فصحتُ هاتفاً رغم سقوط الاتحاد السوڤيتي العظيم: (عاش كفاح الطبقة العاملة).
الفكرة عطاء التغيير
من نصائح أهل الجديد الذين يضعون أقداماً راسخة على واقعهم ويتطلعون، ترتفع أنفسهم بشعارٍ ثائر يكتبه الناس بلغات عِدة لكنه يتفق في المضمون:
يراودني الأمل بأننا نُقاتل لكي نبتكر نظاماً جديداً لا لنحافظ على نظام نعرف جميعاً أنه تداعى وانهار.
إن النساء في الشرق حزن طويل
دائماً ما أظن وهو ظن في أغلبه صحيح، أن النساء أكثر من الرجال مغالبة لأمور الحياة واصطباراً على الزوج والأولاد ونوائب الدهر، لكنها دائماً ما تصمت وتعف عن الكتابة والاعتراف. والحياة لديها مراحل مثلما بحثت عنها هذه المقولة التي توقفت عندها للطافتها لا لصدقها في حمالة معاني. يقول أحدهم لا أذكر اسمه ولكن بقيت مفرداته في الذاكرة:
الحياة في نظر الطفلة الصغيرة صياح وبكاء وفي نظر الفتاة اعتناء بالمظهر وفي نظر المرأة زواج وفي نظر الزوجة تجربة قاسية.
رحيل الأوفياء
وأنا عائدٌ بحزن لا يُحتمل إلا بالصبر الجميل بعد أن وارينا الثرى للجثمان الطاهر للأخ الراحل العفيف السمح كالأنسائم روحاً وسجايا عبدالرحمن دياب، وبعد أن غادر الجميع نظرت ملياً لذلك التراب الذي حول ذلك البدر الإنسان فأسعفتني أبيات العارف الشاعر أبو العتاهية حين قال في أمر الرحيل أبياتاً صُنعت خصيصاً للسلوى والتأسي والعزاء.
يقول أبو العتاهية
أَلا نَحنُ في دارٍ قَليلٍ بَقائُها
سَريعٍ تَدانيها وَشيكٍ فَنائُها
تَزَوَّد مِنَ الدُنيا التُقى وَالنُهى فَقَد
تَنَكَّرَتِ الدُنيا وَحانَ انقِضاؤُها
غَداً تَخرَبُ الدُنيا وَيَذهَبُ أَهلُها
جَميعاً وَتُطوى أَرضُها وَسَماؤُها
وَمَن كَلَّفَتهُ النَفسُ فَوقَ كَفافِها
فَما يَنقَضي حَتّى المَماتِ عَناؤُها
تَرَقَّ مِنَ الدُنيا إِلى أَيِّ غايَةٍ
سَمَوتَ إِلَيها فَالمَنايا وَراؤُها
رحم الله الأخ عبدالرحمن دياب فقد كان صرحاً من ضياء فهوى، نسأل الله أن ينزله فسيح جناته ويفيض عليه بعفوه ورحمته ويكرمه بشفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم ورفقته في أعالي الجنان.
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}.