صدى الحقيقة

في الشاطئ طاب لينا السمر

حسين خوجلي
حسين خوجلي
✍️ ولألوان كلمة
11 Oct 2026 • 👁 6
شارك الخبر:

ملتزمون خارج السياق

يُعد الإسلاميون السودانيون المهتمون بحركة الفكر والسياسة والتغييرهم الأكثر انفتاحاً على التيارات التجديدية في الوطن العربي والإسلامي، فقد اهتموا منذ زمان بعيد رغم اختلافهم مع بعض هؤلاء في بعض كتاباتهم أمثال الدكتور زكي نجيب محمود والدكتور محمد عمارة والدكتور طه عبد الرحمن والدكتور علي شريعتي المفكر الإيراني المرموق والذي نرجو أن تهتم دور النشر العربية بإعادة نشر مؤلفاته ومن أشهرها:

(الإنسان والتاريخ) (النباهة والاستحمار) (الحج) (الإسلام ومدارس الغرب) (مسؤولية المثقف) وله مجموعة مقالات ومذكرات تستحق القراءة والمراجعة والتدبر. ولعلي شريعتي عبارة شهيرة يقول فيها عليه الرحمة: أنا عند الإسلاميين شيوعي وعند الشيوعيين إسلامي لأن المفكر الحر يستحيل تصنيفه.

To the Islamists, I am a communist, and to the communists, I am an Islamist; for a free thinker defies categorization

الذوق في تقدير المواقف

من لطائف اللغة وتقدير المواقف وتحري نفسيات البشر يأتي السياق القرآني المعجز والمُبهر، يقول أحد الأذكياء من أهل التفسير:

تأملوا معي هذه الآية في سورة يوسف

{وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ}

فقد كان الموقف الأقسى في حياة سيدنا يوسف عليه السلام إسقاطه في البئر، وكانت حياته معرضة للخطر والموت، وسِيق بعدها عبداً يُباع ويشترى، وكان أَولى أن يقول أخرجني من (البئر) لكنه اختار أن يقول: (أخرجني من السجن) مع أنه أيسر مراعاة لمشاعر إخوته وقد ندموا واستكملوا صدق الرؤيا ساجدين .

عزيزي القارئ أرجو أن نتعلم من هذه الآية تأثير وخطورة المفردات، فعلينا بهذا التوجيه أن نُدقق في اختيارها حتى لا نجرح مشاعر الناس، فالكلمات معان والمعاني قد تجرح النفس وقد تُفرحها، ولذلك فإن التعبير يقف ما بين الجِراح والأفراح فاختاروا الأخيرة تكسبوا الناس وتؤلفوا بين قلوبهم.

جمال المباني في جلال المعاني

وما دمنا في محطة الهدى القرآني الموفورة الظلال والينابيع والإشراق المادي والمعنوى لاحظوا معي أنه على قدر الهدف تكون سرعة الانطلاق

1_ ففي طلب الرزق قال: (فَامْشُوا)

2_ وللصلاة قال :(فاسعَوا)

3_ وللجنة قال:( سارعوا)4

4_ أما إليه فقال: ( ففروا إلى الله)

وحُق للعارف أن يُعلق قائلاً: إنه كلام فوق الابداع والوصف. سبحان الله الخالق والرازق.

الحُب والخير يحتاجون إلى تمارين

على الأفندية الذين يقفون على حقوق الناس والجماهير أن يتعلموا بأن هذا الذي يقومون بعمله من غير الراتب هو خيرٌ مطلق، وليبارك الله فيهم وفي أبنائهم وفي عافيتهم. فعليهم أن يتعلموا بأن خدمة الناس مبدأها الحب المُطلق ومثل هذا الحب يحتاجون لتمارين حتى تستقيم النفوس عليه،فحب الخير للغير جهاد لا تقدر عليه كل النفوس. رحم الله الكاتب الراحل نجيب محفوظ فقد كان يُصدِّر بها الكثير من أُنسه.

حين تخرج المفردات من قلب الحارات

ولنجيب محفوظ حزمة من الحكم والمآثر لا تقِل عدداً عن شخوص وأبطال رواياته عن الحارة المصرية. ومن نصائح الرجل لصغار الكُتاب وللإعلاميين والصحفيين قوله: لا تهتم لكلام الناس لأن الناس يتكلمون حتى على الميت في قبره.

أبيات للسلوى والتعزية

هنالك بعض الأشعار التي يتداولها الصحفيون ويصوغون منها برنامج عمل في التعامل مع الناس والقضايا والمسؤولية ومن المواقف التي يتعرض لها الصحفي صاحب القلم والتجربة والشهرة أن بعض خامدي الذكر والساقطين يشتمونه ويؤذونه بلا سبب، ويسلقونه بألسنة حِداد، وبذكائه يستدرك أنهم يستدرجونه ليهجوهم ويرد عليهم بأبيات المتنبي الشهيرة التي تقول:

وَتَأْبَى النَّفْسُ أَنْ تَهْجُو لَئِيمَاً

فَبَعْضُ النَّاسِ يَرْفَعُهَا الهِجَاءُ

تَجَاهَلْ مَـا اسْتَطَعْتَ تَحَلُّمَاً

فَبَعْضُ النَّاسِ يَذْرُوهَا الهَوَاءُ

مرافعة الدقائق الأخيرة

رُوي عن أحمد بن أبي دؤاد القاضي إنه قال: جيء بتميم بن جميل إلى المعتصم أسيراً، وكان قد خرج عليه فما رأيت رجلاً عرض عليه الموت فلم يكترث به سواه، ثم دعا بالسيف والنطع، فلما مثل بين يديه نظر إليه، فأعجبه حسنه وقده ومشيه إلى الموت غير مكترث، فأطال الفكر فيه ثم كلمه لينظر أين عقله ولسانه من جماله، فقال: يا تميم! إن كان لك عذر فائت به.

فقال: أما إذ أذن أمير المؤمنين في الكلام فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه. وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. يا أمير المؤمنين! جبر الله بك صدع الدين ولم بك شعث المسلمين، وأخمد بك نار الباطل وأنار بك سبل الحق، إن الذنوب تخرس الألسنة وتصدع القلوب، وآيم الله لقد عظمت الجريمة، وانقطعت الحجة وساء الظن إلا فيك، وهو أشبه بك وأليق ثم أنشد يقول::

أرى الموت بين السيف والنطع كامناً

يلاحظني من حيث ما أتلفت

وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي

وأي امرئٍ مما قضى الله يفلت

ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة

وسيف المنايا بين عينيه مصلت

يعز على الأوس بن تغلب موقف

يسيل عليه السيف فيه ويسكت

وما جزعي من أن أموت وإنني

لأعلم أن الموت شيء مؤقت

ولكن خلفي صبيةً قد تركتها

وأكبادهم من حسرةٍ تتفتت

كأني أراهم حين أنعى إليهم

وقد لطموا حمر الوجوه وصوتوا

فإن عشت عاشوا في سرور ونعمةٍ

أذود الردى عنهم، وإن مت موتوا

قال: فبكى المعتصم ثم قال: إن من البيان لسحراً، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا تميم، كاد والله أن يسبق السيف العذل. قد غفرت لك الهفوة ووهبتك للصبية.

ثم عقد له ولاية على عمله، وأعطاه خمسين ألف دينار.

حاشية:

كان المذنبون الكِبار والخارجون على أمر الدولة خاصة أصحاب النفوس والقيادة والقوة يمتازون بالفصاحة والأدب وملاحة الحديث ومثل هذه المرافعات (في الدقائق الأخيرة) أنجت الكثير منهم، لكن المُعول عليه أن الذي يسمع أمير المؤمنين كان يعلم وقعَ الكلمة وتأثيرها، وكانت تستطيع أن تحول العدو إلى صديق والصديق لوزير أو لقائد ما أضاعوه بل احتفظوا به ليوم كريهة وسداد ثغر.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.