الذين من جيلي يذكرون القصص الجميلة في كتاب المطالعة و صفحاته الملونة و حكاياته الحلوة الجذابة، (الفول فولي زرعته وحدي و حصدته وحدي و سآكله وحدي).
كان هذا رد الدجاجة الصغيرة الحمراء (و كان هذا عنوان الدرس) على الحيوانات التي طلبت شيئاً من الفول بعد حصاده.
لم ترفض الدجاجة طمعاً منها بل لأنها عندما عزمت على الزراعة ذهبت للأرنب تسأله المساعدة في عملها و الذي أجابها بالرفض ثم ذهبت للقط و الخروف و الفأر فلم يجبها أحدهم .
عندما تغير الموسم و شحت السلع أتت الحيوانات تسأل الدجاجة أن تجود عليهم بما يسد رمقهم من زرعها و كان جوابها (الفول فولي زرعته وحدي و حصدته وحدي و سآكله وحدي)
يبدو أن السيد وزير الزراعة لم يكن حاضراً في هذا الدرس عندما عمد إلي محاصرة أهم سلعة عند أهل السودان و أصدر قرارا بمنع إستيراده .
لا أعلم علاقة وزيز الزراعة بالإستيراد و التصدير و التي هي من إختصاص وزارة التجارة .
لم يتكرم الوزير ببيان مبررات القرار و لكنا نعلم أن الفول أهم محصول في المائدة السودانية و تجده في غالب الدول العربية، سبق أن كتبت مقالا عنه نشرته قناة العربية و عنونته (الفول يوحد الأمة العربية)
إنتاجنا من الفول لايكفي الحاجة إذ ينتج السودان حوالي 185 طناً سنوياً و يستهلك حوالي 400 ألف طن .
الفول هو الطعام الرئيس في وجبتي الفطور أو العشاء و غالباً ما يكون هو فقط على المائدة و قد تضاف له سلعاً أخري مثل الجبن و الزيت .
سماه السيد الوزير بالفول المصري و لا يسميه أهل مصر بهذا الإسم فهو عندهم ( الفول المدمس) و التدميس يشير إلي طريقة طهيه بنقعه في الماء لساعات طويلة ثم وضعة على القدر في النار لساعات طويلة أيضاً حتي يلين و يسهل أكله .
الفول في السودان هو طعام الفقراء لتكلفته القليلة و أصبح لكثرة محبيه من الموائد التي يجتمع عليها الناس في أنس جميل و ضحكات و (كسرا) لرتابة العمل أو الدراسة .
من محلاته المشهورة في الخرطوم فول (أبو العباس و العشرة الكرام) في شارع السيد عبد الرحمن قريباً من مستشفي الخرطوم و رواده خليط من الناس منهم رفقاء المرضى و الموظفين من حوله و أفراد القوات المسلحة و الطلاب .
أصبح (فريد) من الشخصيات السودانية المشهورة بسبب محله للفول في الخرطوم بحري الذي يجمع العديد من فئات المجتمع و قد تابعت الوسائط إنتقاله إلي عطبرة بسبب الحرب و عودته مؤخراً إلى بحري .
إشتهر عن الرئيس نميري حبه للفول و خروجه بلا حراسة لفول (أحمد سعد) القريب من مسكنه في ود نوباوي و كذلك الرئيس البشير و الفول من أهم طعام يحمله الأستاذ محي الدين طباخ الرئيس البشير.
حكي لي الأخ العزيز محجوب فضل أنه تناول وجبة منه مع الرئيس في الطابق الأربعين من الفندق الذي سكنوه في نيويورك و هم بهذا قد رفعوا (قدر) الفول الذي يجلس آكلوه في جوالات أو صناديق البيبسي كما في معظم محلاته بأمدرمان من الجان و أبو صليب كمثال .
رواده في مطعم الموناليزا الشهير في إمتداد ناصر من أحياء عديدة و عدد كبير من سائقي عربات الركاب من خطوط أحياء الخرطوم و بحري و أمدرمان .
إنتاجنا لا يكفي الإستهلاك و البدائل المتاحة لا تدوم العام كله مثل الفول الذي يمكن حفظه لفترات طويلة إذ أن حبته قوية كما أنه وحده فقط ما يكفي لوجبة كاملة و أقرب بديل له (سلطة الطماطم) و التي يلزمها دكوة ترفع من سعر الوجبة كما أن الطماطم لا يتوفر إلا في الشتاء و غيره من البدائل التي منها العدس أو الكسرة بملاح و هذه كلها يصعب توفرها في مناطق العمل و في الدكاكين .
قرار الوزير يمثل حرباً على طعام الفقراء و هو الفتة التي تعد من ماء الفول مع الرغيف و تكلفتها فقط قطعة الخبز .
قرار وزير الزراعة لم ينظر إلي التبعات التي يحدثها .
حكومتنا من نسج فريد في ابتداع المصائب و الأضرار من قراراتها و عشوائيتها نسال الله السلامة .