كنت أستحي عندما أقرأ الإحصائيات عن عدد الكتب التي يقرأها اليابانيون والبريطانيون والأمريكيون والفرنسيون ودُولٌ عِدة من دول العالم الأول. هل تصدقوا أن الفرد يقرأ في هذه الدول أكثر من مئة كتاب في العام! ونحن للأسف بالعالم العربي والإفريقي لا نقرأ كتابا واحداً في العام! بل إن البعض لا يقرأ كتاباً واحداً في عمره!
فهل علمتم أسباب هذا التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي؟ وهل أدركتم الآن لماذا يقتل بعضنا بعضاً في لا شئ ! إن المدخل المركزي للأخلاق والتقدم يبدأ بالكتاب وينتهي به.
ولأن القراءة والمطالعة ليست غريزة وإنما هي اكتساب فإنها تبدأ بمكتبة وأب قارئ وأم قارئة وجلسة مع الأطفال أوالأولاد بساعة واحدة في اليوم يتدارسون فيها كل كتاب قرؤوه مهما كانت بساطته وضعفه فالعقول تتنامى بالكتاب البسيط حتى تألف المراجع والأسفار.
ومن النصائح الصغيرة التي تُنمى هذه الموهبة أن تجعل أي فرد من أفراد أسرتك يختار فكرة أو حكاية أو معلومة يقتنصها من إحدى الكتب ويبدأ الجميع في تدارسها ويأمرهم الأب باختيار عنوان لهذه الاختيارات.
وعبر هذه العناوين التي تلخص الفكرة يبدأ العقل بالابتكار، وأجمل تعليق في الجلسة على الأب أن يهدي لابنه أو لابنته كتاباً، ومن هنا تبدأ المعارف ومن هنا تبدأ المجتمعات المنتجة ومن هنا نبدأ.
وكان أساتذتنا يطبقون هذه النظرية معنا في حصص اللغة العربية وكنا نختار العناوين مع الحكايات ومن هنا بدأ حُبنا للكتب وتأسيسنا للمكتبات.
واستعادة لتلك الأيام الطيبة نُهديكم هذه الحكايات وعناوينها فما رأيكم دام فضلكم بأن تبدؤوا هذا المشوارالنبيل وسط عوائلكم الكريمة.
وبهذا دخل المنصور التاريخ
بينما المنصور جالس ذات يوم في مجلسه إذ جاءه سهم عائر حتى سقط بين يديه، فذعر منه ذعرا شديدا ثم أخذه فجعل يقلّبه فإذا هو مكتوب عليه بين الريشتين:
أتطمع في الحياة إلى التناد
وتحسب أن مالك من معاد
ستسأل عن ذنوبك والخطايا
وتسأل بعد ذاك عن العباد
ثم قرأ عند الريشة الأخرى:
أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت
ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك اليالي فاغتررت بها
وعند صفو الليالي يحدث الكدر
ثم قرأ عند الريشة الأخرى:
هي المقادير تجري في أعنّتها
فاصبر فليس لها صبر على حال
يوما تريك خسيس القوم ترفعه
إلى السّماء، ويوما تخفض العالي
وإذا على جانب السهم مكتوب: همدان منها رجل مظلوم في حبسك.
فبعث من فوره بجماعة من خاصّته، ففتّشوا السّجون والمطابق، فوجدوا شيخا في بنية من الحبس فيه سراج يسرج وعلى بابه بارية مسبلة، وإذا الشّيخ موثق بالحديد متوجه نحو القبلة يردّد هذه الآية (و سيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون)
فسألوه عن بلده، فقال: هَمَدان، فحُمل، ووضع بين يدي المنصور، فسأله عن حاله فأخبره أنه رجل من أبناء مدينة همدان، وأرباب نعمها، وأن واليك علينا دخل بلدنا، ولي ضيعة في بلدنا تساوي ألف ألف درهم، فأراد أخذها مني، فامتنعت فكبّلني في الحديد، وحملني وكتب إليك أنّي عاص، فطرحت في هذا المكان
فقال المنصور: منذ كم وأنت في الحبس؟
قال: منذ أربعة أعوام
فأمر بفكّ الحديد عنه، والإحسان إليه وإطلاق سراحه، وأنزله أحسن منزل، وردّه إليه، فقال له: يا شيخ قد رددنا عليك ضيعتك بخراجها ما عشت وعشنا، وأما مدينتك همدان فقد ولّيناك عليها، وأما الوالي فقد حكّمناك فيه، وجعلنا أمره إليك.
فجزى الرجل المنصور خيرا، ودعا له بالبقاء، وقال: يا أمير المؤمنين أما الضّيعة فقد قبلتها، وأما الولاية فلا أصلح لها، وأمّا واليك فقد عفوت عنه.
فأمر له المنصور بمال جزيل، وبرّ واسع، واستحلّه وحمله إلى بلده مكرما، بعد أن صرف الوالي وعاقبه على ما جنى من انحرافه عن سنّة العدل وواضحة الحق، وسأل الشيخ مكاتبته في مهمّاته وأخبار بلده، وإعلامه بما يكون من ولاته على الحرب والخراج، ثم أنشأ المنصور يقول:
من يصحب الدهر لا يأمن تصرّفه
يوما، وللدهر إحلاء وإمرار
لكل شيء وإن دامت سلامته
إذا انتهى فله لا بد إقصار
حاشية:
والسودانيون قوم لهم ولعٌ وتقدير للسرديات، خاصة حين تقترن بالقادة والأمراء وولاة الأمر. وإني لأذكر أنني قد رشحت مجموعة من الحكايات العربية والأجنبية ذات الدلالات والمغازي لتصبح في المقرر الدراسي ، وإن في أكثرها لغة وتعبيراً ونصحية نحتاجها، وفوق ذلك فيها إمتاع ومؤانسة وإذا كان لي تعليق على حكاية المنصور مع سجين همدان فهو :
(ما أبلغ الشعر وما أصدق الأمير وما أشجع الرجل! الذي استطاع التعبير عن مظلمته وليس بينه وبين الحاكم هاتف ولا مراسلات ولا فيسبوك، لكن الصدق يبلغ ولو على سهم طائش ترسله العناية الإلهية إلى مبتغاه).
قريباً المجموعة الكاملة للإمام علي السيرة والمسيرة
يقول الإمام علي كرم الله وجهه: ثلاث منجيات:
1_خشية الله في السر والعلانية
2_ القصد في الفقر والغنى.
3_ العدل في الغضب والرضى.
حاشية:
ليت أحد الكرام من المؤرخين والمحققين يجمعون لنا في مجموعة كاملة سيرة الإمام علي كرم الله وجهه شجاعته ومواقفه وفتاويه وأقواله وحكمه وأشعاره وحكاياته مع الدين والدنيا بعيداً عن المرويات المشبوهة والغيبيات الشاطحة التي يقول بها بعض غلاة المحبين وبعض غلاة المبغضين فإن في سيرة أبو الحسين برنامج عمل وهداية ومواعظاً تصلح للأفراد والمجتمعات لأن فيها ربط وثيق ما بين الفكرة والسلوك والاجتهاد والواقعية.
وكان مالك على عادته مستعداً للرجال والامتحان
وقف سائل مرة على باب مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى فخرج إليه برغيف فأعطاه له ، فقال له:
زدني ، فأعطاه آخر ، فلم يزل يسأل ويستزيد ومالك يعطيه حتى أخرج إليه جميع ما عنده في البيت حتى الأواني والفرش وغير ذلك فقال له:
زدني.
فقال مالك : واللّه يا أخي لم يبق عندي شيء إلا أن تأخذني وتبيعني وتقبض ثمني.
فتركه السائل وذهب ، ولم يأخذ شيئاً مما أعطاه له!
قال بعضهم : ويقال إنه كان رجلاً جاء ليختبره.
حاشية:
تُرى أين ذهب هؤلاء الذين ينفقون حتى لا يتبقى منهم إلا بَيَع أنفسهم في سوق النخاسة ومتاجر العبيد.
دعوة لإعادة كتابة السادة البرامكة
من أقوال البرامكة
من قول يحيى بن خالد لابنه جعفر: يا بني، ما دام قلمك يرعف فامطره معروفاً.
ومن كلام جعفر: إذا أحببت إنساناً من غير سبب فارج خيره، وإذا أبغضت إنساناً من غير سبب فتوق شره.
حاشية:
كانوا عليهم الرحمة كواكباً في السيادة والعلم والكرم، وكانوا أصحاب همة وحكمة وأدب، وأمثال هؤلاء يظلون أبداً عرضة للابتلاء، ولكن كان الابتلاء في حقهم عظيماً حتى أن نكبتهم نافست كل نكبات الرجال العلامات في تاريخ البشرية. ويكفيهم عزاً سيرتهم في الكرم دخلت أغاني أهل السودان وميراثهم في المدح
يا الأحييت سنن البراكمة
عاجبني طول ايدو سامكة
يا بابا قول النعيم دراج المتابكة
توكلت في رزقي على الله خالقي
وأيقنت أن الله لا شك رازقي
جلس رجلان ضريران على طريق زوجة أحد الملوك لمعرفتهما بكرمها
فكان أحدهما يقول :ـ ” اللهم أرزقني من فضلك.
وكان الآخر يقول :ـ ” اللهم أرزقني من فضل زوجة الملك
وكانت زوجة الملك تعلم ذلك منهما وتسمع
فكانت ترسل لمن طلب ( فضل الله) درهمين
وترسل لمن طلب ( فضلها) دجاجة مشوية في جوفها ( عشرة دنانير )
فكان صاحب الدجاجة
يبيع دجاجته لصاحب الدرهمين بدرهمين كل يوم
وهو لا يعلم مافي جوفها من دنانير.. وأقام على ذلك عشرة أيام متتالية
ثم أقبلت زوجة الملك عليهما وسألت طالب فضلها:
اما اغناك فضلنا ؟
قال :ـ وما هو؟ ؟
قالت :ـ مئة دينار في عشرة أيام
قال :ـ لا؛ بل الدجاجة كنت ابيعها لصاحبي بدرهمين
فضحكت
وقالت :ـ طلبت من فضلنا فحرمك الله ، وذاك طلب من فضل الله فأعطاه الله واغناه
حاشية:
وعندما تكون اللقطة معبرة والكاركاتير فإن أبلغ ما يكتب تحته عبارة( بدون تعليق).
حين تكون الفضيلة موهبة
يقول حاتم الطائى لابنته:
أَيا اِبنَةَ عَبدِ اللَهِ وَاِبنَةَ مالِكٍ
وَيا اِبنَةَ ذي البُردَينِ وَالفَرَسِ الوَردِ
إِذا ما صَنَعتِ الزادِ فَاِلتَمِسي لَهُ
أَكيلاً فَإِنّي لَستُ آكِلَهُ وَحدي
أَخاً طارِقاً أَو جارَ بَيتٍ فَإِنَّني
أَخافُ مَذَمّاتِ الأَحاديثِ مِن بَعدي
وَإِنّي لَعَبدُ الضَيفِ ما دامَ ثاوِياً
وَما فيَّ إِلّا تِلكَ مِن شيمَةِ العَبدِ
حاشية:
كان أستاذنا في دروس الأدب يُعلق على عبارات حاتم الطائي أن الجود والأدب عند غالب كرام العرب طبعٌ أو تطبع أو اقتداء لكنه كان عند حاتم الطائي (موهبة).
معذرة بالمكشوف لشاعر النيل
يقول حافظ إبراهيم:
لَم يَبقَ شَيءٌ مِنَ الدُنيا بِأَيدينا
إِلّا بَقِيَّةُ دَمعٍ في مَآقينا
كُنّا قِلادَةَ جيدِ الدَهرِ فَاِنفَرَطَت
وَفي يَمينِ العُلا كُنا رَياحينا
كانَت مَنازِلُنا في العِزِّ شامِخَةً
لا تُشرِقُ الشَمسَ إِلّا في مَغانينا
وَكانَ أَقصى مُنى نَهرِ المَجَرَّةِ لَو
مِن مائِهِ مُزِجَت أَقداحُ ساقينا
وَالشُهبُ لَو أَنَّها كانَت مُسَخَّرَةً
لِرَجمِ مَن كانَ يَبدو مِن أَعادينا
فَلَم نَزَل وَصُروفُ الدَهرِ تَرمُقُنا
شَزراً وَتَخدَعُنا الدُنيا وَتُلهينا
حَتّى غَدَونا وَلا جاهٌ وَلا نَشَبٌ
وَلا صَديقٌ وَلا خِلُّ يُواسينا
حاشية:
كانت أشعار الشكوى والبكاء على المآثر لكثيرمن الأجيال دفعٌ للمعالي،وتجاوز للواقع المُر، أما في زماننا هذا فأصبحت سرادق عزاء نندب فيها حظنا العاثر، وتفيض الدمعات ونعود للأقبية من جديد. ولا نملك غير أن نقول لشاعر النيل حافظ:
شكراً على الذكرى والعبرة ولكن للأسف ما عادت هناك جدوى النصيحة، فقد فارق المعاني المباني من يوم تقرير المصير إلى يوم الناس هذا.