صدى الحقيقة

أيام الله السبعة

حسين خوجلي
حسين خوجلي
✍️ ولألوان كلمة
08 Oct 2026 • 👁 9
شارك الخبر:

الخميس

هنالك نصائح تصلح لبعض القطاعات وليتها تُكتب بماء الذهب لتُعلق على مداخل الذين تجعلهم وظائفهم ومسؤولياتهم فوق عامة الناس خيراً أو شراً حسب التقيُد بالقانون والتقيُد بالأخلاق. فما قولكم أن تُكتب في مداخل أجهزة الشرطة والقضاء والمخابرات.

(إلى جميع الأخوة قبل أن تدخلوا إلى مكاتبكم الرجاء قراءة هذه النصيحة وتدبرها : لا تظلم شخصاً لتبرر أخطاءك ولا تقهر أحداً لتُسعد نفسك حاول دائماً بناء رضاك وسعادتك بعيداً عن آلام الناس). وأظن أن العبارة للمهجري جبران خليل جبران.

الجمعة

من النصائح التي أذكرها للناقد المصري الرشيق العبارة والفكرة رجاء النقاش، نصيحتي للمعجبين بالنجوم ألا يقتربوا كثيراً من الأدباء والفنانين وأساطين كرة القدم فالقمر الذي يلوح بعيداً قرصاً من الذهب إذا اقتربت منه وجدته نتوءات من الصخور والمهاوي. وفي كل يوم تزداد قناعتي بأن البشر من بعيد أجمل.

السبت

دائماً ما نجد في الأدب الاحتفال بالاثنين والثلاثة والسبعة لست أدري ماهو السر في هذه الأرقام في تقسيم الأدباء والحكماء للأشياء وما زالت تحضرني مقولة اثنان واثنتان ، إثنان لا يدومان في الإنسان شبابه وقوته، وإثنان ينفعان الإنسان حسن الخلق وسماحة النفس واثنان يرفعان من شأن الإنسان التواضع وقضاء حوائج الناس واثنان يدفعان البلاء عن الإنسان الصدقة وصلة الأرحام، واثنان يحرقان قلب الإنسان الحسد والحقد واثنان يحرمان السودانيين من التقدم والنهضة (علوق الشَده والمَحَقَه) واثنان يمنعان أهل السودان من تجاوز الأزمة الاستغراق في جلد الذات والعجز عن الإنجاز كأنما كتب فيهم المتنبي

الأحد

عزيزي مني أركو مناوي وانت مقبل على دارفور المُحررة التي ستجدها للأسف بلقعاً قد امتلأ بالأجداث والمظالم والغربان وظلم الإنسان لأخيه الإنسان فعليك بهذه النصيحة لتبدأ بزراعة الطبيعة والطبيعة تُنبت الجمال والجمال هو المدخل الأول للفضيلة وغسيل الأنفس من أحقاد الأضغان والثارات. يقول أحد الحكماء.

إذا أردت سماع أغاريد الطيور، لا تشتر أقفاصاً، بل اغرس أشجاراً.

الإثنين

دُعيتُ قبل سنوات لندوة متخصصة حول (القبِيلة والقبَلية جدلية السالب والموجب) فاستعرضت في معرض فرصتي في الحديث متوسلاً بحكاية لعروة بن الورد وزوجته وحبيبته وأم ولده التي خُيرت بينه وبين وأبنائها وما ينطوي عليه من قيم ومكارم وجود وبين قومها فاختارت قومها عليه وللقصة نهاية أليمة وعندما أكملتها صمتت المنصة لدقائق ثم بدأ الحوار . تقول الحكاية.

‏أغار عروة بن الورد على بعض أحياء العرب فأصاب منهم امرأة تدعى سلمى وتكنّى أم وهب، فعلِقَها فأعتقها وتزوّجها فمكثت عنده بضع عشرة سنة، وولدت له أولادا، ثم إن قومها افتدوها، فخيّرها عروة بعد ذلك بين المقام مع ولدها والرجوع إلى قومها، وكان يرى أنها لا تختار عليه فاختارت قومها. ثم أقبلت عليه وقالت: يا عروة، إني أقول فيك وإن فارقتك الحقّ، والله ما أعلم امرأة من العرب وضعت سترها على بعل خير منك أغضّ طرفا، وأقلّ فحشا، وأجود يدا، وأحمى لحقيقة، وما مرّ يوم مذ كنت عندك إلّا والموت فيه أحبّ إليّ من الحياة بين قومك، وذلك أنّي كنت أسمع المرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا، وقالت أمة عروة كذا، ووالله لا أنظر في وجه غطفانيّة أبدا، فارجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم.

‏ثم أتت نادي القوم، فقالت تثني على عروة: أما إنك والله ما علمت إلا ضحوك السن مقبلا، كسوبا مدبراً، خفيفا على متن الفرس، ثقيلا على قلب العدو، طويل العماد، كثير الرماد، راضي الأهل والجانب، ثم فارقته ورجعت إلى قومها. فتزوجها ابن عم لها، فقال لها يوما: يا سُليم، أثني علي كما أثنيت على عروة

‏فقالت: لا تكلّفني ذلك، فإنّي إن قلت الحق أغضبتك، ولا والله لا أكذب عليك!

‏قال: عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنينّ عليّ بما تعلمين! وخرج فجلس في نادي القوم. وأقبلت، فرماها الناس بأبصارهم، فوقفت عليهم وقالت: أنعموا صباحا، إنّ هذا عزم عليّ أن أثني عليه بما أعلم، فقالت: والله إن شملتك لالتحاف، وإن أكلك لاقتفاف وإن شربك لاشتفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجانب! ثم انصرفت.

‏فلامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها!

الثلاثاء

يقول أحد الشيوخ حدثني من أثق به أن رجلًا كان يمنع زوجته أن تتصدق على أي مسكين يطرق الباب،

‏فطرق الباب مسكين ذات يوم وقال: إنه عارٍ ليس عليه ثياب تقيه من البرد.

‏فرقت الزوجة لحاله وأعطته كساء وثلاث تمرات وكان زوجها نائما في المسجد

‏فرأى الزوج في المنام أن القيامة قد قامت، وأن الناس في موج عظيم، وحر شديد ، وشمس محرقة، وإذا بكساء يعلو رأسه، وفيه ثلاثة خروق، فرأى ثلاث تمرات جاءت وسدت هذه الخروق، فتعجب وانتبه من نومه مذعورا !، وقص على زوجته هذه الرؤيا

‏ففهمت الزوجة أن هذه الرؤيا سبب الكساء الذي تصدقت به والتمرات

‏فقالت له: حدث كذا وكذا

‏فقال لها: لا تردي مسكينا بعد اليوم

‏فهذا الرجل نبهه الله عز وجل ، وهذا مصداق لحديث

‏النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ:

‏(كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ النَّاسِ).

حاشية:

كان صديقنا المغربي وهو صاحب نزعة صوفية وشاعرية وسماحة رد الله غربته يقول: إن كل أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عظيمة ولكن هنالك بعض الدرر السنية المتعلقة العملية واحسان الإنسان لأخيه الإنسان (كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ النَّاسِ).

الأربعاء

من ذكرياتي مع الوالد في سوق أم درمان عليه الرحمة أن هنالك بائع براويز نصحته بأن يقيم تحالفاً مع صديق خطاط يكتبوا هو بخط الرقعة أبيات الحكمة وهذا يؤطرها الآخر في البراويز. وقد راجت تجارتهم بعد أن أهديتهم ديوان الشافعي والإمام علي وأبو العتاهية وكانت هديتهم لي هذه الأبيات في برواز مذهب أنيق لأبيات فخيمة للمحدث الإمام صاحب المذهب شاعر الحكمة الشافعي رحمه وظلت زماناً بمحلات الدوحة بأم درمان إلى أن فارقتها إلى الجامعة. وقد قيل في يوميات التحري في أزمنة النكبة أنها ذهبت مع المحلات ومخازن الأقمشة بل ذهب معها الشوق أما الرومانسيون المثاليون فقد قالوا والدمع سكوب بل (ذهب أم درمان)

يقول الشافعي:

المرء يُعرف في الأنام بفعله

وخصائل المرء الكريم كأصله

إصبر على حلو الزمان و مرّه

واعلم بأن الله بالغ أمره

لا تستغب فتستغاب، وربّما

من قال شيئاً، قيل فيه بمثله

وتجنب الفحشاء لا تنطق بها

ما دمت في جدّ الكلام و هزله

وإذا الصديق أسى عليك بجهله

فاصفح لأجل الود ليس لأجله

كم عالمٍ متفضل، قد سبّه

من لا يُساوي غرزةً في نعله

البحر تعلو فوقه جيف الفلا ..

والدرّ مطمورٌ بأسفل رمله،

وأعجب لعصفور يزاحم باشقا

إلاّ لطيشته .. وخفّة، عقله !

إيّاك تجني سكرًا من حنظل،

فالشيء يرجع بالمذاق لأصله

في الجو مكتوبٌ على صحف الهوى

من يعمل المعروف يُجزى بمثله.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.