صدى الحقيقة

في باب النساء والنسوان والآنسات والسيدات

حسين خوجلي
حسين خوجلي
✍️ ولألوان كلمة
06 Oct 2026 • 👁 6
شارك الخبر:

وهل تفتقر نساء أبي طالب؟

حدثني عبد الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنه سمع شيخاً لهم يقول قدم إبراهيم بن محمد المدينة فأتته عجوز من ولد الحارث بن عبد المطلب فشكت إليه ضنك المعيشة قال ما يحضرني الكثير ولا أرضى لك بالقليل وأنا على ظهر سفر فاقبلي ما حضر وتفضلي بالعذر ثم دعا مولى له فقال ادفع إليها ما بقي من نفقتنا وخذي هذا الغلام والبعير فقالت بأبي أنت وأمي أجزل الله في الآخرة أجرك وأعلى في الدنيا كعبك ورفع فيهما ذكرك وغفر لك يوم الحساب ذنبك فأنت والله كما قالت أم جميل بنت حرب بن أمية:

زين العشيرة كلها

في البدو منها والحضر

ورئيسها في النائبات

وفي الرحال وفي السفر

ورث المكارم كلها

وعلا على كل البشر

ضخم الدسيعة ماجد

يعطي الجزيل بلا كدر

حاشية:

إن الكرم يستدعي الشعر والمديح، ومثل ما أحزنني أن السائلة من مُسنات الحارث بن عبد المطلب، إلا أن ما أفرحني أن المُجزل كان إبراهيم بن محمد فالكِرام يعرفون قدر الكِرام.

الغزالي كعهدنا به كان رقيقاً وعميقاً

يقول الإمام الغزالي في مذكراته:

‏لقد عِشت مع زوجتي ثلاثين سنة كأسعد زوجين في الدنيا، وكافأتها على رضاها بفقري، فأسكنتها الغرف، وأذقتها الترف، وجعلتها تدوس الحرير والذهب.

‏وأنجبت منها تسعًا من الولد، استودعت ربي اثنين، وبقي لي سبع من الإناث والذكور، ثم فارَقتْ الدنيا على غير انتظار، فبكيتها من أعماقي، وتمثلت بما قيل:

‏أما والذي أبكى وأضحك والذي

‏أمات وأحيا والذي أمره الأمر

‏لقد تركتني أحسد الطير أن أرى

‏أليفين منها لا يروعهما الذُّعر

حاشية:

كان الإمام الغزالي الكبير صاحب إحياء علوم الدين والأخريات المهيبات من الكتب والأسفار على علمه وتقواه ووقوفه لصالح الحق والحقيقة، كان عفيفاً ورقيقاً. وحكايته مع زوجته الراحلة من الاستدلالات والشهادات. عزيزي الغزالي يكفيها من الفخر أنها كانت لك زوجة، ويكفيك من الفخر أنها تركت لك سبعة ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس.

فن الاعتراف وفن الامتناع

‏خطب خالد بن صفوان امرأة فقال: أنا خالد بن صفوان؛ والحسب على ما قد علمته، وكثرة المال على ما قد بلغك، وفيّ خصال سأبيّنها لك فتقدمين عليّ أو تدعين؛ قالت: وما هي؟ قال: إن الحرّة إذا دنت منّي أملّتني، وإذا تباعدت عني أعلّتني، ولا سبيل إلى درهمي وديناري، ويأتي عليّ ساعة من الملال لو أنّ رأسي في يدي نبذته؛ فقالت: قد فهمنا مقالتك ووعينا ما ذكرت، وفيك بحمد الله خصال لا نرضاها لبنات إبليس، فانصرف رحمك الله.

حاشية:

أجمل ما في الرجل على شهرته شجاعته في الاعتراف، وأصدق ما في هذه المرأة من خصال رفضها للقبيح وأبواب الله مفتوحة أمام الجميلات وبنات القبائل (ولو بعد حين).

حين يكون الجود طبعاً تسقط الحِيل

‏عُرِفت عُتبة بنتُ عفيفٍ (أمُّ حاتِم الطَّائي) قبل زواجها من أبي حاتم بأنّها كريمة إلى حد الإسراف ،ولهذا السبب يتكرر عند الرواة أن حاتم الطائي ورث الكرم عن أمه.

‏فقيل إن عُتبة كانت ذات “يسر وسخاء”، لا ترد سائلاً أبدًا ، وحين طلب منها إخوتها أن تمسكَ وتقتصِد، كي لا تُتلف كل ما تملكُ، أبَتْ وأصَرّت على كرمِها. ولمّا حارُوا بأمرهَا حبسوهَا في بيتٍ، يُطعمونها قُوتَهَا، لعلها تكُف عن صنيعِها، وأخرجوها بعد سنةٍ، وقد ظَنوا أنها تركَت ذلك الخُلُق، ودفعوا لها صِرمةً (مجموعة صغيرة) من الإبل، من مالهَا، وقالوا لها: ٱستمتعي بها، وبعد فترة قصيرة جاءتها ٱمرأة من هَوازن ٱعتادت المجِيءَ إليها كل عامٍ، وشكَتْ لها سوءَ حالهَا، وطَلبت منها عطاءً، فقالت لها عُتبة:

‏دونكِ هذه الصرمة، خُذيها كلَّها، فقد مَسّني من الجوعِ ما آليت ألا أَمنعَ سَائلاً، ثُم أنْشدتْ تقُولُ:

‏لَعمرُك لقدماً عضّنِي الجوعُ عضّةً

فَآلَيتُ أن لا أمنعَ الدَهر جائِعًا

‏فَقُولَا لِهذا اللّائمِي اليومَ أَعفنِي

‏وَإِن أَنتَ لَم تَفعلْ فعُضّ الأصَابعَا

‏فَمَاذا عَساكُم أَن تَقولَا لأُختكُم

‏سِوى عَذلكُم أَو عذلِ مَن كانَ مانعَا

‏وَلا ما تَرونَ الخُلقَ إلّا طبيعةً

فَكَيفَ بِتركِي يا ٱبْنَ أمَّ الطَّبائعَا

حاشية:

الذي لم يعرفه إخوة عتبة بنت عفيف أن الكرم فيها طبعٌ وإن الطبع الخَيّر النضير لا يوقف غيثه لا قيد ولا سجن ولا خوف من الفقر ولا يأس من الزمان. فابحثوا لكم عن طريقة أخرى، حتى إن وجدتموها فإن ظني أنها لا تُجدي مع عتبه.

حبٌ حتى الموت

‏كان جميل بن عبدالله بن معمر العذري والملقب باسم (جميل بثينة)؛ لأنه اشتهر بحبِّها يسكن مع بثينة في وادي القُرى في الحجاز بالقرب من المدينة.

‏ وسبب حبه لبثينة أنه أقبل يوماً بإبله وأوردها وادياً يقال له العيص، وجاءت بثينة واردة الماء وكانت فتاة صغيرة، فمرت على فصال (أولاد الناقة) لجميل كانت باركة فَنَفَّرتها بثينة فسبَّها جميل فردت عليه السباب، فأحب جميل سبابها فقال في ذلك:

‏وَأَوَّلُ ما قَادَ المَوَدَّةَ بيننا

‏بوادي العيص يا بُثَيْنَ سِبابُ

‏وقلنا لها قَولاً فجاءَتْ بِمِثْلِهِ

‏لكلِّ كَلامٍ يا بُثَيْنَ جَوابُ

‏فلما اشتهر حب جميل لبثينة هدده قومها بالقتل فاستخفى، ثم هجا قومها، فاستعدوا عليه مروان بن الحكم، وكان على المدينة المنورة من قبل معاوية، فأهدر مروان دمه، فهرب جميل إلى اليمن، إلى أن عُزل مروان.

‏ومن قصائده الرائعة التي قالها جميل وهو يصف حبه ووجده ببثينة هذه القصيدة التي منها:

‏أَلا لَيتَ أَيَّامَ الصَّفَا جَديدُ

‏ودَهراً تَوَلَّى يا بُثَيْنَ يَعودُ

‏فَنَغْنَى كما كنَّا نكونُ وأَنتمو

‏صديقٌ، وإذْ ما تَبذلين زَهيدُ

‏خَليليَّ ما أُخفي من الوَجدِ ظاهِرٌ

‏فَدَمعي بما أُخفي الغَداةَ شَهيدُ

‏إذا قلتُ ما بين يا بُثَيْنَةُ قاتلي

‏من الوَجدِ قالَتْ ثابتٌ ويَزيدُ

‏وإن قلتُ رُدِّي بعضَ عَقلي أَعِشْ بِهِ

‏مع الناسِ قالت ذاكَ منكَ بَعيدُ

‏فما ذكر الخَّلانُ إلاَّ ذكرتها

‏ولا البخل إلاَّ قلتُ سوفَ تَجودُ

‏فلا أَنا مَردودٌ بما جِئتُ طالباً

‏ولا حُبُّها فيما يَبيدُ يَبيدُ

‏جَزَتكِ الجَوَازي يا بُثَيْنُ مَلامَةً

‏إذا ما خَليلٌ بانَ وهو حَميدُ

‏فَأَفْنَيْتُ عَيشي بانتظاري نَوالَها

‏وأَبْلَتْ بذاكَ الدَّهرَ وهو جَديدُ

‏ومما يروى أنه لما حضرت جميل بثينة الوفاة دعا برجُل وقال له: هل لك أن أُعطيك كل ما أُخَلِّفُه على أن تفعل شيئاً أعهد به إليك؟

‏فقال الرجل:

نعم.

‏فقال له جميل:

‏إذا مِتُّ فخذ حُلَّتي هذه واعزلها جانباً وارحل إلى رهط بثينة على ناقتي هذه، والبس حلتي هذه، فإذا وصلت اشققها ثم صح بهذه الأبيات:

‏صَدَع النَّعِيّ وما كَنَى بجميلِ

‏وثَوَى بمصرَ ثَواءَ غير قَفُولِ

‏ولقد أَجُّرُ الذيلَ في وادي القُرى

‏نَشوانَ بين مَزارِعٍ ونَخَيل

‏قُومي بُثَيْنَةُ فانْدبي بعويل

‏وابكي خليلكِ دون كُلِّ خَليلِ

‏فلما سمعت بثينة هذه الأبيات خرجت من خبائها وقالت:

‏يا هذا إن كنت صادقاً فقد قتلتني، وإن كنت كاذباً فقد فضحتني.

‏فقال الرجل: ‏ما أنا إلا صادق، وأراها الحُلَّة فعرفت أن جميلاً قد مات.

حاشية:

عندما كانت أم درمان هانئة مطمئنة، كانت لنا جلسات في استدعاء الشعر والشعراء قديماً وحديثاً مع الأخ الشاعر والعالم والمحدث التيجاني سعيد. وكان رد الله غربته كلِفاً بأبيات جميل في حق بثينة وهو يباعد بينها وبين أحاديث العاذلين والحُساد.

وَإِنّي لَأَرضى مِن بُثَينَةَ بِالَّذي

لَوَ اَبصَرَهُ الواشي لَقَرَّت بَلابِلُه

بِلا وَبِأَلّا أَستَطيعَ وَبِالمُنى

وَبِالوَعدِ حَتّى يَسأَمَ الوَعدَ آمِلُه

وَبِالنَظرَةِ العَجلى وَبِالحَولِ تَنقَضي

أَواخِرُهُ لا نَلتَقي وَأَوائِلُه

وكنت أقول للتيجاني بعد نهاية البيت الأخير: (يعني يا تيجاني زولنا ده رغم الدعاية ما لاقي التكتح!!)

يا حسرة الشعر والمقال

عائشة بنت أحمد القرطبية (شاعرة الأندلس)

عاشت في القرن الرابع الهجري، وكانت من أذكى نساء زمانها وأكثرهن ثقافة وعزة نفس، ولم تتزوج قط ترفعاً. دخلت يوماً على المظفر بن أبي عامر، فمدحها الحاضرون، فارتجلت أبياتاً تفخر فيها بنفسها وذكائها قائلة.

أَرَاكَ لَنَا بَحْراً وَنَحْنُ لَكَ الشِّعْبُ

وَأَنْتَ لَنَا شَمْسٌ وَنَحْنُ لَكَ الشُّهْبُ

وَلَوْ أَنَّنِي مِنْ صُلْبِ حَوَّاءَ لَمْ يَكُنْ

يَفُوتُ مَقَامِي أَنْ يَكُونَ لِيَ الْعُقْبُ

وَلَكِنَّنِي فَرْدٌ كَمَا شِئْتُ نَادِراً

فَلَا أَرْتَضِي خِدْناً يَكُونُ لِيَ التِّرْبُ

حاشية:

لهف نفسي على عائشة القرطبية فقد كانت أجمل نساء عصرها وأجَلَّهن أرومة وثقافة وشعراً ، ولكنها لِرِفْعَةٍ فيها تأبّت على الرجال وامتنعت عن الزواج، ولو فعلت لما انقطع الإبداع في العالم العربي شرقاً وغرباً حتى يوم الناس هذا.

الخنساء تلك الشاعرة التي أغلقت الباب أمام القادمات

تقول الخنساء:

تبكي خناسٌ فما تنفكُّ مَا عمرتْ

لها علَيْهِ رَنينٌ وهيَ مِفْتارُ

تبكي خناسٌ علَى صخرٍ وحقَّ لهَا

إذْ رابهَا الدَّهرُ انَّ الدَّهرَ ضرَّارُ

لاَ بدَّ منْ ميتة في صرفهَا عبرٌ

وَالدَّهرُ في صرفهِ حولٌ وَأطوارُ

قدْ كانَ فيكمْ ابو عمرٍو يسودكمُ

نِعْمَ المُعَمَّمُ للدّاعينَ نَصّارُ

صلبُ النَّحيزة وَهَّابٌ إذَا منعُوا

وفي الحروبِ جريء الصّدْرِ مِهصَارُ

وإنّ صَخراً لَوالِينا وسيّدُنا

وإنّ صَخْراً إذا نَشْتو لَنَحّارُ

وإنّ صَخْراً لمِقْدامٌ إذا رَكِبوا

وإنّ صَخْراً إذا جاعوا لَعَقّارُ

وإنّ صَخراً لَتَأتَمّ الهُداة بِهِ

كَأنّهُ عَلَمٌ في رأسِهِ نارُ

حاشية:

ظلت تماضر تبكي أخاها طول عمرها فلم تبك أبناءها الأربعة الذين استُشْهِدوا في سبيل الله، وقالت كلمتها المؤمنة المُجلجلة عندما سئلت لم تبكين صخراً ولم تذرفي دمعة واحدة على أبنائك الأربعة الشهداء؟ فقالت في حكمة وحزم وشمم: والله لو مات صخر في الذي مات فيه أبنائي لما بكيته( وكان جاهلياً).

أما أصدق ما سمعته عن شعرها وشاعريتها ما قاله النابغة الذبياني حين أنشدته بعكاظ: لولا أن أبا بصير يقصد (الأعشى) أنشدني آنفاً لقلت: إنك أشعر الجن والإنس.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.