صدى الحقيقة

في حديقة الإمتاع والمؤانسة

حسين خوجلي
حسين خوجلي
✍️ ولألوان كلمة
01 Oct 2026 • 👁 9
شارك الخبر:

في حديقة علم الجمال

كان والدها عاملاً بسيطاً لكنه كان مثقفاً كبيراً وقارئاً نهماً في كل المعارف والتخصصات. قالت له ابنته الصغرى وكانت دارسة فلسفة: لقد استعصت علي يا والدي نظريات علم الجمال فأرجو أن تدلني على مدخل يعينني على الفهم. فقال لها يا بنيتي: أعلمي أن الله سبحانه وتعالى أمر الناس بالتأمل واستخراج قِيم الجمال الذي يروي النفس قبل مواد المنفعة التي تروي الجسد، فقد قال تعالى قارناً بين المنفعة والقيم بأن نتأملها وهي تضج بالحياة وأصواتها تملأ الوادي الأخضر حين تريح وحين تسرح والآية في حق الأنعام {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}

وبعدها شاعت قيم الجمال عند الحكماء والأدباء والفلاسفة والمفكرين، فقد أجمعوا بأن جمال العقل في الفكر،وجمال الحال في الاستقامة وجمال الفؤاد بالنقاء وجمال الكلام بالصدق وجمال اللسان بالصمت وجمال الوجه بالابتسامة.

لافتة على الطريق

أحد التلاميذ وضع في لوحة الإرشادات المدرسية بخط واضح هذه الحكمة وقد فُرضت عليه في ذلك اليوم ثَبَّتَها في رِضا وكانت في قلة كلماتها موفية ومحرضة على التدبر:

إن إرضاء الناس أشبه بطريق طويل بلوحة إرشادية مكتوب عليها بالخط العريض الطريق مسدود.

حينما تصبح الرواية فلسفة

لم يكن صاحب (مئة عام من العزلة) غابرييل غارسيا ماركيز روائياً فقط بل كان مفكراً وفيلسوفاً تخرج الحكمة من أفواه أبطاله واستنطاقه لمواقفهم ومنها:

لا تتوقع ان الجميع نفس أخلاقك وردود أفعالك، نعم إن طين البشرية واحد، ولكن أرواح البناء تختلف.

يكفي العقاد سيادةً أن تلميذه سيد

في إحدى المقالات التي كان يدافع فيها سيد قطب عن أستاذه العقاد استدل بمقولة دوستويفسكي (الصادق يخسر دائماً في صراع الكلمات لأنه مقيد بالحقيقة بينما الشخص الكاذب يمكنه أن يقول أي شيء).

برقية للحارث الحارس

عزيزي الحارث إدريس تقول الحكمة: لا داعي لسماع أعذارهم وتبريراتهم، لأن أفعالهم قالت كل الحقيقة.

الحكمة من أفواه المجانين

أرجو أن تكتب في مدخل الإذاعة والتلفزيون ووزارة الثقافة والإعلام مقولة بيل غيتس هذا الناجح الكبير حتى وإن اختلفنا معه فالحكمة للعقلاء تؤخذ حتى من أفواه المجانين.

مصطفى يا مصطفى

من النظرات الثاقبة التي يجب اصطحابها ونحن نشتغل بأمور الحاضر والمستقبل، ألا نغرق في الماضي وتفاصيل التاريخ بلا تدبر فالدكتور مصطفى محمود الطبيب والكاتب والمفكر المؤمن له مقولات وكتب أرجو أن تُعاد طباعتها وتوزع مجاناً على تلاميذ اليوم يقول عليه الرحمة: شيئان لا يُفيدان الإنسان الإنشغال بالماضي والإنشغال بالآخرين، فمن طرق باب الماضي بلا تدبر أضاع المستقبل ومن راقب الآخرين دون تدبر أيضاً أضاع نصف راحته أو قٌل كلها.

روشتة الأصدقاء

هذه روشتة في معرفة الأصدقاء والإخوان فالأصحاب في زماننا كثر وقد لا تعتمد عليهم إلا في الهم العام، أما الأصدقاء والإخوان فإنك إن اختبرتهم وسقطوا في الإختبار فإن خسارتك وخسارتهم ستكون فادحة. ومما وجدته في هذا الباب قول أحدهم ولعله يفسر ما قاله ابن الخطاب يوماً في معرفة الناس حين أجابوه بأنهم يصلون معه فقال لهم: إنكم لا تعرفونه إن المعرفة الحق في امور المال وأحوال السفر والحكاية مشهورة في كتب السير والمأثورات.

(إنك لن تعرف أخاك حق المعرفة، ولن تخبره حق المخبرة، ولن تجربه حق التجربة وإن كنتما في دارٍ واحدة حتى تسافر معه أو تعامله بالدينار والدرهم أو تقع شدة أو تحتاج اليه. في مهمة فإذا بلوته في هذه الأشياء فرضيته فانظر فإن كان أكبر منك فاتخذه أبًا وإن كان أصغر منك فاتخذه ابنًا، وإن كان مثلك فاتخذه أخًا، كن به أوثق منك بنفسك في بعض المواطن).

يسمونها أهل الرياضة بالهجمة مرتدة

‏قال أبو حنيفة ‏كنَّا نأتي حمادَ بن أبي سليمان، فلا ننصرف من عنده إلا بفائدة، فجئناه يومًا، فلم نستفد منه شيئًا إلا أنه قال:

‏إذا وردت عليك مسألةٌ معضِلة، فاجعلها سُؤالًا علىٰ صاحبها، واجعل جوابها مِنها.

فحفظتُ ذلك، وأنا لا أرىٰ أنّه شيء، فلمّا كان بعده بدهر، صِرتُ إلىٰ دارِ المنصور، فخرجَ إليَّ الربيع الحاجِب، فقال لي ممتحِنًا، وأراد إيقاعي في محذور:

‏يا أبا حنيفة، إنّ أمير المؤمنين يدعو بالرجل منّا، فيأمره بضربِ عنق رجلٍ آخر، ما يَدري ما هو اسمه، أيجُوز له أن يُطيعه ويَضِرب عُنُق ذلِك الرجل؟ أفتِنا فِي أمير المؤمنين.

‏فتذكرتُ قول حمّاد، فقلتُ.

‏أمير المؤمنين يأمر بالحقّ أو بالباطِل؟

‏فقال: بالحقّ.

‏قلتُ: إذا أمرك بالحق فأطعه، ولا تسأل عنه.

‏ثمّ قال أبو حنيفة لِمن قرب منه: إنّ هذا أراد أن يُوقِعني، فربطتُّه.

حاشية:

حين قرأت هذه الحكاية عجبت لمن أصفق وأهتف إعجاباً لحماد الرواية أم لأبي حنيفة النعمان صاحب المذهب أم للإثنين معاً.

في أدب الاستدلال

نصيحة للشباب الذين يرون في أنفسهم استعداد للخطابة والوعظ ووالإرشاد وصلاة الجمعة أن يحفظوا قصيدة العارف الشاعر أبو فتح البستي فله نونية شهيرة في فضائل الأخلاق تتجاوز الخمسين بيتاً وقد اخترنا منها هذه الأبيات وكلها رائعة ومفيدة وراشدة يقول قدس الله سره:

زيادةُ المرءِ في دُنياه نُقصانُ

ورِبْحُه غيرَ مَحْضِ الخير خُسْرانُ

وكل وجدانِ حظٍّ لا ثباتَ له

فإنَّ معناه في التحقيق فِقْدانُ

يا عامراً لخرابِ الدَّارِ مجتهداً

بالله هل لخراب العمر عُمرانُ

وياحريصاً على الأموالِ تجمعُها

أُنْسيتَ أنَّ سرورَ المالِ أحزانُ

زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها

فَصَفْوُها كدرٌ والوصلُ هِجْرانُ

وأَرْعِ سَمْعَك أمثالاً أُفصِّلُها

كما يُفَصَّل ياقوتٌ ومَرْجانُ

أحْسِنْ إلى الناسِ تَسْتعبِدْ قلوبَهُمُ

فطالما استَعْبَدَ الإنسانَ إحسانُ

يا خادمَ الجسم كم تشقى بِخِدمتِه

أتَطلُبُ الرِّبْحَ فيما فيه خُسْرانُ

أقبل على النفس واستكمل فضائلها

فأنتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.