صدى الحقيقة

وَمَيِّزْ كَلاَمَكَ قَبْلَ الكَلاَمِ فَإِنَّ لِكُلِّ كَلاَمٍ جَوَابُ

حسين خوجلي
حسين خوجلي
✍️ ولألوان كلمة
26 Sep 2026 • 👁 18
شارك الخبر:

1

حكايتان حول مداخل الفساد في الخدمة العامة والإدارة المالية ليس في بلادنا فقط ولكن في كل العالم العربي والإفريقي، ليس هنالك قطر فقير كما يقول المصلحون الكبار ، ولكن هنالك إدارة اقتصادية فاشلة.

الحكاية الأولى أرسلها لنا الصديق جمال عبد المنعم وهي تعبر عن أن الأواصر الشخصية الفاسدة يمكن أن ترفع المتسفلين إلى المراقي، وتهبط نتيجة لذلك كل القيم والأخلاقيات ونحصد للأسف جيالاً كمالاً من الجهلاء نتيجة لنزوة وسقوط وشح نفس. والحكاية الثانية أرسل لي الأخ المستشار إبراهيم مهدي عن الموظف المبعد المفصول نتيجة لطهارته.

إن الأمم لا تنهار بصدمة واحدة، ولكن تسوى على الأرض بتوالي الصدمات، تقول الحكاية الأولى:

ﻣﺪﻳﺮ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﺗﺰﻭﺝ أﺧﺖ حارس المدرسة الذي يعمل معه، ﻭﺑﺤﻜﻢ ﺍﻟﻨﺴﺐ ﺃﺻﺒﺢ يهتم به ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎﺏ ﺍﻟﻤﺼﻠﺤﺔ العامة ﻓﻜﻠﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻐﻴﺐ ﻣﻌﻠﻢ. ﻳﻘﻮﻝ المدير ﻟﻨﺴﻴﺒﻪ الحارس: ﺍﺫﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻄﻼﺏ ﻭأﻋﻄﻬﻢ ﺣﺼﺔ ﺑﺪﻻ ﻋﻨﻪ،ﻭﺷيئا فشيئا ﻭﺑﻐﻴﺎﺏ الرقابة ﻭﺍﻟﺤﺴﻴﺐ ثبّت المدير نسيبه الحارس ﻣﻌﻠما بالمدرسة.

ﻣﺮﺕ ﺍﻷﻳﺎﻡ ﻭﺩﺍﺭﺕ ﺍلأﻳﺎﻡ ﻭﺍﺭﺗﻘﻰ ﻣﺪﻳﺮ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﻭأﺻﺒﺢ ﻣﺪﻳﺮ للتربية، ﻓﺮﻗّﻰ ﻧﺴﻴﺒﻪ الحارس ﺇﻟﻰ ﻣﺪﻳﺮ للمدرسة.

ﺛﻢ ﺩﺍﺭﺕ ﺍلأﻳﺎﻡ ﻭﺃﺻﺒﺢ ﻧﺴﻴﺐ الحارس ﻭﺯﻳﺮا للتربية ﻓﺮﻗّﻰ ﻧﺴﻴﺒﻪ الحارس ﺇﻟﻰ ﻣﺪﻳﺮ ﺗربية (ﻣﻜﺘﺐ ﻓﺨﻢ ﺳﻴﺎﺭﺍﺕ ﻭﺧﺪﻡ ﻭﺣﺸﻢ ﻭﻣﻔﺘﺸﻴﻦ ﻭﻣﺪﺭﺳﻴﻦ ﺣﻮﻟﻪ ﻳﺘﻤﻠﻘﻮن له، ﻭﺍﻟﻘﻬﻮﺓ. ﻭجهاز الموبايل لايفارق.

ﻭذات يوم وﺃﺛﻨﺎﺀ ﺗﺼﻔﺤﻪ بالموبايل، ﻭﻗﻊ ﻧﻈﺮﻩ ﻋﻠﻰ أحد العناوين ﻳﻘﻮل (ﻭﺯﻳﺮ ﺍﻟﺘربية يقرر ﺗﺸﻜﻞ ﻟﺠﺎﻥ ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﺷﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠـﻴﻦ، وﺍﻻﻃﻼﻉ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻳﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﻌﻠﻤـﻴﺔ).

ﺍﺭﺗﺒﻚ الحارس ﻭﺃﺻﺎﺑﻪ ﺍﻟﺬﻋﺮ، ﻭﺧﺸﻲ أن يُفتضح أمره، ﻓﻬﻮ حارس، ﻭﻻ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﻟﺪﻳﻪ ﺗﺆﻫﻠﻪ ﻟﻠﻤﻨﺼﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻓﻴﻪ، ﻓاﺗﺼﻞ ﺑﻨﺴﻴﺒﻪ ﻭﺯﻳﺮ ﺍﻟﺘربية ﻭﻗﺎﻝ له:

يابو النسب أﻧﺖ ﺗﻌﻠﻢ أﻥ ﻻ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﻟﺪﻱ وأن قرار إعادة تقييم الشهادات سيفضحني.

ﻀﺤﻚ ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻪ:

ﻻ ﺗﺨﻒ ولاتقلق ياسيادة المدير، فهذه اللجان رئيسها أنت.

وتقول الحكاية الثانية:

أخطر قرار إداري ليس العقوبة ولا النقل ولا الخصم، إنه أن تقرر الإدارة أن الموظف الكفء أصبح خطراً عليها.

من هنا تبدأ الحكاية: تُسحب منه كل الصلاحيات، تُحجب عنه المعلومات، تُدفن مبادراته، تُراقب خطواته، ثم يتركُ وحيداً حتى يبدو فشله وكأنه نتيجة طبيعية.

وفي النهاية يُقال: (الموظف لم يعد مناسباً) والحقيقة أن المشكلة لم تكن في الموظف، بل في إدارة لا تريد الكفاءة إلا ما دامت مطيعة ولا تريد الصراحة إلا ما دامت لا تقترب من الغرف المغلقة.

2

درجت صحيفة ألوان منذ صدورها عام 1984 إلى اليوم ورقياً وإلكترونياً أن تحتفي في أخيرتها باللقطات النادرة، ودائماً ما كنت أُكلف من قسم الأرشيف بأن أكتب لها تعليقاً يناسب اللقطة. وفي لقطة شهيرة بدا فيها مجموعة من السياسيين من طلاب الاستوزار يحنون ظهورهم أمام أحد القيادات الطائفية (العندها القلم) فكان هذا التعليق، وهي عبارة شهيرة لصاحب (نظرية النسبية) ألبرت أنشتاين وكان الرجل بجانب تعمقه بالعلوم له نظرات ثاقبة في السياسة والناس والحياة وكان تعليقنا الذين اقتبسناه بلا تصرف (كل شخص له الحق في أن يُحتَرم لا أن يُقدّس).

3

أثناء القراءة والاطلاع في أنابيش الكتب والمواقع دائماً ما تلاقينا بعض الأفكار التي نحب أن نشارك فيها الآخرين، فلعلها تزيدد المعاني ألقاً والمباني صدقاً والقلوب طمأنينة . ومما روائع ما قرأت في حق (بسم الله الرحمن الرحيم) استهلالا:

لماذا لم يكتف بكلمة الرحمن فقط؟ وتبعها بالرحيم؟

في لقاء تلفزيوني مع لغوي لبناني قال: إن مستشرقاً إنجليزياً سأله، أتعرف لماذا يوجب الله أن تبدأ تلاوتك

ببسم الله الرحمن الرحيم لماذا لم يكتفِ بكلمة الرحمن فقط؟ يقول اللغوي لم أستطع أن أجيبه فأجاب هو المستشرق الإنجليزي.

فقال إن كلمة الرحمن على وزن فعلان. وكل كلمة في اللغة العربية على هذا الوزن تزول بزوال أسبابها .. فمثلا. جوعان يزول الجوع بتناول الطعام، تعبان يزول التعب بالراحة، عطشان يزول العطش بشرب الماء، ومثلها نعسان. زعلان إلخ.

ولذلك يرتعب العربي عندما يقرأ الرحمن فقط لأنها قد تنتهي لزوال أسبابها. فيسرع الله عز وجل ليزرع الطمأنينة في قلب المؤمنين بكلمة الرحيم، فتنتقل نفس المؤمن من الخوف الى الإحساس بالأمان والطمأنينة والثقة برحمة الله سبحانه. الحقيقة كان أروع ماسمعته من تفسير للجملة التي نرددها قبل ان نبدأ أي عمل

(ببسم الله الرحمن الرحيم)

حاشية:

لاحظوا أن الإجابة كانت من مستشرق إنجليزي فكيف إذا كانت من عالم مسلم!.

4

إن تعلم القراءة والاطلاع يبدأ بجملة ثم فكرة ثم صفحة ثم كتاب ثم عادة ثم موهبة، ولذا فإني أقترح على الأساتذة في كل المراحل التعليمية أن يأمروا طلابهم بأن يختار كل واحد منهم جملة في الأسبوع يعلقونها في البورد المختص بذلك والمعلق في الفصل ويسئل لماذا اختارها وماذا تعني عنده. ودعوني أقترح العبارة الأولى: إن التلميذ ليس كوباً زجاجياً فارغاً نملأه، بل هو شُعلة علينا ان نوقدها.

5

يقول الشاعر:

كم من فتىً تُحمَدُ أخلاقُهُ

وتسكنُ الأحرارُ في ذمّتهْ

قد كثَّرَ الحاجبُ أعداءَهُ

وأحقدَ الناسَ على نعمتهْ

‏وسبب هذا الشعر أنَّ أعرابياً دخل البصرة، فسأل عن دار عبد الله بن عامر بن كريز، وكان عبد الله من فتيان قريش جوداً وسخاء، وكرماً وحياء، فدل على الدار، فأناخ راحلته بالباب. فاشتغل عنه الحاجب والعبيد وبات طاويا. فلما أصبح ركب راحلته ووقف على الحاجب فأنشأ يقول:

كَأَنِّي وَنِضْوِي عِنْدَ بَابِ ابْنِ عَامِرٍ

مِنَ الْجُودِ ذِئْبَا قَفْرَةٍ هَلِعَانِ

وَقَفْتُ وَصُنْبُورُ الشِّتَاءِ يَلُفُّنِي

وَقَدْ مَسَّ بَرْدٌ سَاعِدِي وَبَنَانِي

فَمَا أَوْقَدُوا نَاراً وَلَا بَذَلُوا قِرَىً

وَلَا اعْتَذَرُوا عَنْ عُسْرَةٍ بِلِسَانِ

‏فقال بعض شعراء البصرة ما تقدم. فلما بلغ ابن عامر، عاقب الحاجب وأمر أنَّ لا يغلق بابه ليلا ولا نهاراً.

حاشية:

ولا أعلم هل أخذها زعماء السودان وكرماءه من عبدالله بن عمار أم أخذها هو عنهم.

ومن البيوت التي كانت لا تُغلق في تاريخ السودان بيت السيد عبدالرحمن المهدي، السيد علي الميرغني، الشيخ قريب الله أبو صالح، الشريف يوسف الهندي، الشريف بركات خليفة والده الشهيد أحمد ود طه، الناظر إبراهيم بك فرح، الشيخ بيتاي، الناظر محمد الأمين ترك، الشيخ يوسف العجب، الأمير بحر الدين فارس المساليت، الأمير موسى مادبو، المك الزبير حمد الملك، الأمير عبد الرحمن علي دينار، الناظر علي التوم، الناظر منعم منصور، الناظر محمد آدم الزين ناظر اللحويين، الشيخ عبد الله ود جاد الله (كسار قلم ماك مايكل)، ود شِقِدِّي (هو نايم وإيدو تدي)، الشيخ عجيب المانجُلك، ناظر رفاعة يوسف أحمد يوسف أبو روف (الطيار)، شيخ الوالي، الشيخ البرعي، الشيخ عوض الكريم أبو سن، الناظر بابو نمر، الأمير نقد الله، الشيخ الترابي، الراحل رجل البر والإحسان إبراهيم طلب، الشيخ أزرق طيبة، علي إبراهيم دقلل، الخليفة يحى الكوراتي، والخليفة كمبال والراحل عمر علي عوض الكريم( البردعي). والقائمة تطول وسنورد صفحة كاملة في أعدادنا القادمة بأهل الكرم والجود وبذل النفس من زعامات بلادنا وأشهر البيوت المشرعة تكايا لضيوف الهجوع وأصحاب العثرات فانتظرونا.

6

والشعر عند سيدنا علي غير إحكامه في الروي والقافية، إلا أنه يضج بالحق والنصحية ولذلك خلُدت أبياته عند الاستدلال يقول كرم الله وجهه في ذم الرزيلة:

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها

من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء في حقيبتها

لا خير في لذة من بعدها نار.

7

ويأبي الشافعي إلا أن يختم مقالتنا بجميل شعره ولطيف نصائحه، يقول صاحب المذهب في إحدى شعاراته الشعرية:

يقول الإمام الشافعي:

سَيُفْتَحُ بَابٌ إِذَا سُدَّ بَابُ

نَعَمْ، وَتهُونُ الأُمُورُ الصِّعَابُ

وَيتَّسِعُ الحَالُ مِنْ بَعْدِ مَا

تَضِيقُ المَذَاهِبُ فِيهَا الرِّحَابُ

مَعَ الهَمِّ يُسْرَانِ هَوِّنْ عَلَيْكَ

فَلاَ الْهَمُّ يُجْدِي، وَلاَ الاكْتِئَابُ

فَكَمْ ضِقْتَ ذَرْعاً بِمَا هِبْتَهُ

فَلَمْ يُرَ مِنْ ذَاكَ قَدْرٌ يُهَابُ

وَكَمْ بَرَدٍ خِفْتَهُ مِنْ سَحَابٍ

فَعُوفِيت، وَانْجَابَ عَنْكَ السَّحَابُ

وَرِزْقٍ أَتَاكَ وَلَمْ تَأْتِهِ

وَلاَ أَرَّقَ العَيْنَ مِنْهُ الطِّلابُ

وَنَاءٍ عَنٍ الأَهْلِ مِنْ بَعْدِ مَا

عَلاهُ مِنَ المَوْجِ طَامٍ عُبَابُ

إِذَا احْتَجَبَ النَّاسُ عَنْ سَائِلٍ

فَمَا دُونَ سَائِلِ رَبِّي حِجَابُ

يَعُودُ بِفَضْلٍ عَلَى مَنْ رَجَاهُ

وَرَاجِيهِ فِي كُلِّ حِينٍ يُجَابُ

فَلاَ تَأْسَ يَوْماً عَلَى فَائِتٍ

وَعِنْدَكَ مِنْهُ رِضَىّ وَاحْتِسَابُ

فَلاَ بُدَّ مِنْ كَوْنِ مَا خُطَّ فِي

كِتَابِكَ، تُحْبَى بِهِ أَوْ تُصَابُ

فَمَنْ حَائِلٌ دُونَ مَا فِي الكِتَابِ

وَمَنْ مُرْسِلٌ مَا أَبَاهُ الكِتَابُ؟

إِذَا لَمْ تَكُنْ تَارِكَاً زِينَةٌ

إِذَا الْمَرْءُ جَاءَ بِهَا يُسْتَرابُ

تَقَعْ فِي مَوَاقِع تردى بِهَا

وَتَهْوَى إِلَيْكَ السِّهَامُ الصّيَابُ

تَبَيَّنْ زَمَانَكَ ذَا واقْتَصِدْ

فَإِنَّ زَمَانَكَ هَذَا عَذَابُ

وَأَقْلِلْ عِتَابَاً فَمَا فِيهِ مَنْ

يُعَاتِبُ حِينَ يَحِقُّ العِتَابُ

مَضَى النَّاسُ طُرّاً وَبَادُوا سِوَى

أَرَاذِل عَنْهُمْ تُجَلُّ الكِلاَبُ

يُلاَقِيكَ بِالبِشْرِ دَهْمَاؤُهُمْ

وَتَسْلِيمُ مَنْ رَقَّ مِنْهُمْ سِبَابُ

فَأَحْسِنْ، وَمَا الحُرُّ مُسْتَحْسِنٌ

صِيَانٌ لَهُمْ عَنْهُمُ وَاجْتِنَابُ

فَإِنْ يُغْنِهِ اللّه عَنْهُمْ يَفرْ

وَإِلاَّ فَذَاكَ فِيْمَا الخَطَا وَالصَّوابُ

فَدَعْ مَا هَوَيتَ، فَإِنَّ الهَوَى

يَقُودُ النُّفَوسَ إِلَى مَا يُعَابُ

وَمَيِّزْ كَلاَمَكَ قَبْلَ الكَلاَمِ

فَإِنَّ لِكُلِّ كَلاَمٍ جَوَابُ

فَرُبَّ كَلامٍ يَمُضُّ الحَشَا

وَفِيهِ مِنَ المَزْحِ مَا يُسُتَطَابُ

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.