الخسارة نتيجة طبيعية وعادية في كرة القدم، ولا يمكن أن يخلو منها مشوار أي فريق، مهما بلغت قوته أو ارتفعت طموحاته. لكن عندنا في السودان، يبدو أن الخسارة ليست موجودة في قاموس كرة القدم!
حقق الهلال الفوز في مباراتين ضمن بطولة سيكافا، ففرح الجمهور، وارتفعت التوقعات، ووصف البعض اللاعبين بأنهم «أبطال» وبأن بينهم «ميسي»، خصوصًا اللاعب قدوين. لكن ما إن جاءت أول خسارة حتى انقلب المشهد رأسًا على عقب!
خسر الهلال أمام سوبر سبورت، فقامت الدنيا ولم تقعد. طالب البعض بإبعاد المدرب الكونغولي غاي بوكاس، وطالب آخرون بشطب والاستغناء عن عدد من اللاعبين، بينما ذهب البعض إلى أبعد من ذلك، معترضين أصلًا على مشاركة الهلال في البطولة.
عقب نهاية المباراة، أصيبت الساحة الكروية بحالة من الهيجان، وتوالت ردود الأفعال والهجوم الكاسح من بعض جماهير الهلال.
نعم، جمهور الهلال يحب فريقه حتى الثمالة، وهو جمهور شديد الارتباط بناديه، لكنه في الوقت ذاته جمهور صعب المراس، لا يحتمل الخسارة أو التعادل، ويعيش على أعصابه مع كل مباراة.
وهذا الحب الكبير للهلال مطلوب، بل هو سر من أسرار قوة النادي وجماهيريته، لكن الحب أيضًا يحتاج إلى عقل، لا إلى انفعال.
تعالوا ننظر إلى الآخرين.
هناك أندية كبيرة خرجت وودعت البطولة مبكرًا، من بينها توسكر الكيني، وسيمبا التنزاني، وكي سي الجيش الرواندي، ومع ذلك تعاملت جماهيرها مع الأمر بصورة طبيعية، دون مطالبات بالشطب والإقالة، ودون هذا الهيجان.
لماذا؟
لأنهم يعرفون ويقتنعون بأن البطولة في هذه المرحلة إعدادية، وأن الخسارة جزء طبيعي من الطريق، وأن الهدف الأساسي منها هو تجهيز الفريق، واختبار اللاعبين، ومعالجة الأخطاء، والوصول إلى أفضل توليفة ممكنة قبل الاستحقاقات الأهم.
وهنا الرسالة التي تحتاج إلى أن تصل إلى جمهور الهلال:
لا تحكموا على اللاعبين في هذا التوقيت.
الصبر على اللاعبين واجب، ومنح الجهاز الفني الفرصة أمر ضروري، خصوصًا أن مدرب الهلال يعمل على تنفيذ برنامج إعدادي وتجهيز فريق للموسم والاستحقاقات المقبلة.
الفريق لا يُبنى في مباراة، والمدرب لا يصنع فريقًا مكتملًا في أيام، واللاعب الذي يتألق اليوم قد يتراجع غدًا، والعكس صحيح.
لذلك، فإن المرحلة تحتاج إلى الصبر والهدوء، وليس إلى السكاكين.
وما يُكتب في وسائل التواصل الاجتماعي قد لا يكون مجرد كلام عابر؛ فقد يتحول إلى ضغط نفسي على اللاعبين والجهاز الفني، وربما يصبح سببًا مباشرًا في نسف مشوار الفريق بدلًا من مساعدته على النجاح.
والأغرب أن هناك صفحات ومجموعات على «واتساب» وغيرها يبدو أنها تنتظر أي تعثر للهلال، وما إن تأتي الخسارة حتى تنفجر موجة من الانتقادات والاتهامات وكأن الفريق خسر بطولة قارية أو خرج من موسم كامل!
يا ناس..
هذه مباراة ودية إعدادية عادية.
هدفها الوقوف على الأخطاء، وتجريب العناصر، وتصحيح السلبيات، ورفع الجاهزية، وليس حصد البطولات.
الفريق يحتاج إلى جمهور يسانده وهو في القمة، ويقف إلى جواره عندما يتعثر.
ادعموا الهلال في الفوز والخسارة.. لا تهدموه عند أول عثرة.
الصبر مفتاح البطولات، أما الانفعال، فقد يكون بداية الانهيار.