السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
لماذا غرقت كرة القدم السودانية في دوامة الشكاوى والطعون والمحاكم؟ ولماذا أصبحت النزاعات القانونية جزءًا من المشهد الرياضي أكثر من الإنجازات داخل المستطيل الأخضر؟
الإجابة، في تقديري، بسيطة بقدر ما هي مؤلمة: لأننا أفرغنا الساحة من أهل الخبرة، وملأناها بالصمت.
في الماضي، امتلك السودان مدرسة قانونية رياضية يُحسب لها ألف حساب. أسماء مثل الدكتور كمال شداد، ومولانا محمد الحسن الرضي، والأستاذ أحمد الطاهر النور، والأستاذ البلولة، والأستاذ محمد الشيخ مدني، والأستاذ مدثر خيري، وغيرهم من الكفاءات، كانوا يمثلون خط الدفاع الأول عن الكرة السودانية.
هؤلاء لم يكونوا مجرد مستشارين قانونيين، بل كانوا جهاز المناعة الحقيقي لكرة القدم السودانية. بخبرتهم كانوا يمنعون الأزمات قبل وقوعها، ويحسمون النزاعات وفق اللوائح والقوانين، ويحفظون للرياضة السودانية هيبتها ومكانتها.
أما اليوم، فقد خلت الساحة من تلك القامات، بعد أن تم إبعاد أصحاب الخبرة واستبدالهم بإداريين يفتقر كثير منهم إلى التأهيل القانوني والإداري، لتصبح ثقافة الطاعة مقدمة على الكفاءة، والولاء بديلاً للخبرة.
ولم يتوقف الأمر عند الاتحاد السوداني لكرة القدم، بل امتد إلى أكبر الأندية. فمن المؤسف أن الهلال والمريخ، وهما واجهة السودان في البطولات القارية، يفتقدان إلى منظومة قانونية احترافية قادرة على إدارة الملفات المعقدة والدفاع عن حقوق الناديين أمام الجهات العدلية والرياضية.
كيف لناديين يمتلكان جماهير بالملايين وإمكانات كبيرة أن يخوضا معارك قانونية على المستويين القاري والدولي دون مستشارين متخصصين؟ لذلك لم يعد مستغربًا أن نخسر القضايا خارج الملعب، قبل أن نخسر داخله.
إن غياب الرقابة وغياب الخبرة فتحا الباب أمام كثير من علامات الاستفهام؛ سنوات تمضي وسط جدل حول الميزانيات، وضعف في الشفافية، وتكرار للنزاعات القانونية، إلى جانب تراجع الصورة الإدارية لكرة القدم السودانية في المحافل الإقليمية والدولية.
ويبقى السؤال المشروع: أين دور الجمعيات العمومية؟ وأين المؤسسات الرياضية؟ وأين الشخصيات المؤثرة في الوسط الرياضي؟
إن الجمعيات العمومية هي السلطة العليا في أي مؤسسة رياضية، لكن دورها تراجع حتى أصبحت، في كثير من الأحيان، مجرد جهة تمنح الموافقات دون ممارسة حقيقية لدورها الرقابي. وعندما يغيب السؤال والمحاسبة، يصبح تمدد الفساد أمرًا متوقعًا.
كما يبرز تساؤل آخر حول دور الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) تجاه ما تشهده الساحة الرياضية السودانية من أزمات متكررة، خاصة مع تصاعد الاحتجاجات والشكاوى خلال السنوات الأخيرة.
في الختام، فإن كرة القدم لا تُدار بالعواطف ولا بالشعارات، وإنما تُدار بالقانون واللوائح والمؤسسات القوية. وما دامت الكفاءات مستبعدة، والجمعيات العمومية غائبة عن دورها، والشارع الرياضي يلتزم الصمت، فإن الأزمات ستتكرر، وستظل الشكاوى عنوانًا دائمًا لكرة القدم السودانية.
الحل ليس معقدًا؛ أعيدوا أصحاب الخبرة إلى مواقعهم، وفعّلوا دور الجمعيات العمومية، وأيقظوا الضمير الرياضي، قبل أن نجد أنفسنا نتحدث عن تاريخ كرة القدم السودانية بدلاً من حاضرها ومستقبلها.