لم تكن كرة القدم في الكيان المحتل بمنأى عن الصراع السياسي في الشرق الأوسط؛ فمنذ عقود، تحولت مشاركات منتخبه الوطني إلى قضية تتجاوز المستطيل الأخضر، وسط مقاطعات عربية وآسيوية انتهت بإقصائه من الاتحاد القاري، قبل أن يبدأ رحلة طويلة بحثاً عن موطئ قدم في المنافسات الدولية، وصولاً إلى عضويته الكاملة في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عام 1994.
وتعود جذور هذه العزلة إلى سبعينيات القرن الماضي، حين تصاعدت الاعتراضات على مشاركة الكيان المحتل في البطولات الآسيوية، في ظل تداعيات الحروب والصراع العربي الإسرائيلي، لتصبح القضية واحدة من أبرز الحالات التي تداخلت فيها السياسة مع إدارة كرة القدم الدولية.
طهران 1974.. بداية الإقصاء من آسيا
تعود إحدى المحطات الحاسمة إلى دورة الألعاب الآسيوية التي استضافتها طهران عام 1974، عندما بلغ منتخب الكيان المحتل نهائي مسابقة كرة القدم، قبل أن يخسر أمام إيران بهدف دون مقابل.
لكن الحدث الأهم لم يكن نتيجة المباراة؛ إذ نجحت تحركات قادتها الكويت في حشد التأييد لقرار يمنع الكيان المحتل من استضافة مسابقات الاتحاد الآسيوي أو المشاركة فيها مستقبلاً. وحصل المقترح، وفق الرواية التاريخية التي أوردتها الجزيرة، على 17 صوتاً مؤيداً مقابل 13 معارضاً وستة امتناعات.
ومع أن القرار لم ينهِ العضوية رسمياً في ذلك الوقت، فإنه حرم منتخب الكيان المحتل من المشاركة في مسابقات الاتحاد القاري، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العزلة الكروية داخل آسيا.
1976.. الطرد الرسمي من الاتحاد الآسيوي
بعد عامين من الإقصاء الفعلي، جاءت الخطوة الأكثر حسماً في أغسطس/آب 1976، عندما صوّت الاتحاد الآسيوي لكرة القدم في كوالالمبور على إنهاء عضوية الاتحاد الإسرائيلي، ممثل الكيان المحتل.
وبذلك انتقلت القضية من منع المشاركة في البطولات إلى الطرد الرسمي من المنظمة القارية، في تطور عكس التغيرات السياسية وموازين القوى داخل الاتحاد الآسيوي آنذاك.
ولم يجد الكيان المحتل طريقاً سريعاً إلى الاتحاد الأوروبي؛ إذ واجهت محاولات الانضمام عقبات واعتراضات مرتبطة بالجغرافيا والسياسة والتوازنات داخل كرة القدم الأوروبية، ما أبقى اتحاده خارج منظومة قارية مستقرة لسنوات.
من آسيا إلى أوروبا.. رحلة البحث عن الانتماء
بعد إقصائه من آسيا، تنقل اتحاد كرة القدم التابع للكيان المحتل بين مسارات مختلفة في المنافسات الدولية، بينما ظلت عضويته في الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» قائمة.
وفي عام 1992، بدأت الأندية التابعة للكيان المحتل المشاركة في مسابقات الاتحاد الأوروبي بصفة مرتبطة بالعضوية، قبل أن يحصل الاتحاد الإسرائيلي على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عام 1994.
ومنذ ذلك الحين، أصبح منتخب الكيان المحتل يخوض التصفيات الأوروبية المؤهلة إلى كأس العالم وبطولة أمم أوروبا، فيما تشارك أنديته في مسابقات الأندية الأوروبية.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية؛ إذ لم يُمنع الكيان المحتل من كرة القدم الدولية بصورة مطلقة، لكنه فقد انتماءه القاري الآسيوي، ثم احتاج إلى سنوات طويلة قبل الاستقرار داخل المنظومة الأوروبية.
تصفيات مونديال 1958.. تأهل بلا مباريات
لم تبدأ أزمة المقاطعة في سبعينيات القرن الماضي؛ فقد ظهرت آثارها قبل ذلك بسنوات، خلال التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 1958.
فقد انسحبت منتخبات من مواجهة منتخب الكيان المحتل لأسباب سياسية، ما سمح له بتجاوز مراحل من التصفيات دون خوض مباريات. وتدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم في نهاية المطاف، رافضاً تأهل منتخب إلى النهائيات دون خوض مباراة، باستثناء الحالات المعتمدة، ففرض عليه خوض ملحق أمام ويلز.
وخسر منتخب الكيان المحتل مباراتي الملحق بنتيجة 2-0 ذهاباً وإياباً، لتذهب بطاقة التأهل إلى المنتخب الويلزي. وأصبحت الواقعة مثالاً مبكراً على الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها المقاطعة السياسية في مسار المنافسات الرياضية.
هل انتهت العزلة بعد الانضمام إلى أوروبا؟
رغم حصول اتحاد كرة القدم التابع للكيان المحتل على عضوية أوروبية كاملة، فإن الجدل حول مشاركته الرياضية لم ينتهِ. فقد عادت الدعوات إلى المقاطعة والاعتراضات على استمرار مشاركته في المنافسات إلى الواجهة في ظل الحرب على قطاع غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية.
وأعادت هذه التطورات النقاش حول حدود الفصل بين الرياضة والسياسة، وحول مدى قدرة المؤسسات الرياضية الدولية على التعامل مع النزاعات التي تتجاوز حدود الملاعب.
غير أن الوضع التنظيمي يظل واضحاً: فالكيان المحتل ممثل في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والاتحاد الدولي «فيفا»، ويشارك في المنافسات الدولية ضمن الأطر التنظيمية المعمول بها، رغم استمرار الاعتراضات السياسية والشعبية على مشاركته.
كرة القدم مرآة للصراع السياسي
تكشف تجربة منتخب الكيان المحتل أن العضوية في المؤسسات الرياضية لا تعني بالضرورة قبولاً سياسياً أو اجتماعياً واسعاً، كما أن الانتقال من اتحاد قاري إلى آخر لا يمحو الخلفيات التاريخية التي صنعت الأزمة.
فمن مقاطعات الخمسينيات، إلى الإقصاء من المنافسات الآسيوية عام 1974، وإنهاء العضوية عام 1976، ثم العضوية الأوروبية الكاملة عام 1994، ظلت مسيرة كرة القدم التابعة للكيان المحتل مرتبطة بتوازنات السياسة الدولية بقدر ارتباطها بنتائج المباريات.
وبعد أكثر من نصف قرن على بداية الإقصاء من آسيا، يبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع الرياضة فصل المنافسة عن الصراعات السياسية، أم أن الملاعب ستظل ساحة أخرى تتجلى فيها خلافات العالم؟