لا سلام مع تدفق السلاح والتدخلات.. والحوار السوداني الطريق إلى إنهاء الحرب
وضع السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين جملة من الملفات السياسية والقانونية والدولية، في خطاب اتسع من قضية عدم تمكين رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان من حضور اجتماعات الشق رفيع المستوى، إلى الحرب وتدفق السلاح والمرتزقة، ومسار السلام والحوار السوداني–السوداني، وصولاً إلى إصلاح النظام الدولي ومواقف الخرطوم من قضايا المنطقة.
وقال وزير الخارجية والتعاون الدولي، السفير محيي الدين سالم، في كلمة السودان أمام الجمعية العامة، إن البرهان كان مقرراً أن يخاطب الدورة الحالية باسم الشعب والحكومة السودانيين، إلا أن الدولة المضيفة حالت دون مشاركته بعدم إصدار تأشيرة الدخول اللازمة، مشيراً إلى أن ذلك استمر رغم المساعي التي بذلتها الأمانة العامة للأمم المتحدة ودعوة الأمين العام للدولة المضيفة إلى إصدار التأشيرة وفق الالتزامات المترتبة عليها بموجب اتفاق المقر لعام 1947.
وطالب السودان الأمين العام للأمم المتحدة والجمعية العامة ولجنة العلاقات مع الدولة المضيفة باتخاذ التدابير اللازمة لصون حرمة اتفاقية المقر، وتوثيق الواقعة رسمياً والنظر فيها عبر الآليات المختصة المعنية بتنفيذ الاتفاقية، مؤكداً أن احترام مبدأ المساواة في السيادة بين الدول والقانون الدولي وضمان المشاركة المتكافئة لأعضاء المنظمة يمثل أساساً لعمل الأمم المتحدة.
وفي محور الحرب، أكد وزير الخارجية أن تحقيق سلام شامل ودائم وعادل في السودان يتطلب وقف التدخلات الخارجية وتدفقات الأسلحة والذخائر والمرتزقة إلى البلاد، إلى جانب نزع سلاح المليشيا وحصر السلاح في يد الدولة ومؤسساتها الوطنية الشرعية.
وقال سالم إن استمرار الحرب، يرتبط بتدفقات خارجية تغذي الصراع، منتقداً ما وصفه بصمت المجتمع الدولي وعدم اتخاذ إجراءات رادعة حيال الانتهاكات التي قال إن مليشيا الدعم السريع ارتكبتها بحق المدنيين والأعيان المدنية والبنية التحتية والمرافق الصحية والسدود، فضلاً عن استمرار تدفق السلاح والعتاد والمرتزقة.
ودعا الوزير إلى اتخاذ خطوات للحد من هذه التدفقات، والاستجابة لمطالب الحكومة المتعلقة بتصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية، مشدداً على أن وقف الحرب وحماية المدنيين لا يمكن أن يتحققا، مع استمرار نقل الأسلحة إلى أطراف النزاع.
وانتقد سالم ما وصفه بازدواجية المعايير في التعامل مع مسألة السلاح في السودان، معتبراً أن المساواة بين القوات المسلحة السودانية والمليشيا الخارجة على سلطة الدولة تؤدي إلى تعقيد الصراع، كما دعا إلى محاسبة مرتكبي الانتهاكات، ولا سيما في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
وأشار إلى أن توفر الأدلة والشهادات المتعلقة بالانتهاكات في دارفور يتيح، دفع المسارات القانونية لمحاسبة المسؤولين عنها، داعياً المجتمع الدولي إلى ممارسة الضغط على الرعاة الإقليميين والخارجيين لوقف إمداد مليشيا الدعم السريع بالسلاح والعتاد والمؤن والمرتزقة.
وفي المقابل، أكد وزير الخارجية التزام القوات المسلحة، وفق الخطة الوطنية التي قدمها السودان إلى مجلس الأمن، بمبادئ حماية المدنيين والتمييز بين المقاتلين والمدنيين والأعيان المدنية والأهداف العسكرية، واحترام حرية تنقل المدنيين والقوافل الإنسانية، وحماية المرافق والضروريات اللازمة لبقاء السكان، والامتناع عن تجنيد الأطفال والإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي، إلى جانب الالتزام بالهدن الإنسانية.
الحوار السوداني ومسار السلام
وفي أبرز ما طرحه السودان بشأن إنهاء الحرب، أكد سالم أن الحوار السوداني–السوداني الشامل القائم على الملكية الوطنية يمثل الطريق الأمثل لمعالجة الأزمة، داعياً إلى تهيئة البيئة اللازمة لنجاحه عبر إجراءات متزامنة وقابلة للقياس لحماية المدنيين وخفض الاستقطاب ووقف التصعيد.
وشدد على ضرورة اتخاذ تدابير لبناء الثقة تمنح الحوار المصداقية والمشروعية، وأن يتم بإرادة سودانية خالصة بعيداً عن التدخلات الخارجية والمساومات والضغوط، مؤكداً أهمية تنفيذ بنود إعلان جدة بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، ولا سيما ما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني وتيسير وصول المساعدات وتلبية احتياجات المدنيين وضمان المرور الآمن والطوعي للمغادرين لمناطق الأعمال العدائية.
وقال وزير الخارجية إن تجارب السودان السابقة أثبتت أن السلام لا يختزل في توقيع اتفاقيات، وإنما يتطلب معالجة جذور الأزمات وإزالة عوامل عدم الاستقرار ونزع السلاح وحصره في يد الدولة، مشيراً إلى أن الحكومة بدأت ترتيبات وتهيئة المناخ للحوار بهدف التوصل إلى أرضية مشتركة تقود إلى انتقال سياسي شامل وانتخابات حرة ونزيهة يشارك فيها السودانيون، مع مراقبة دولية وإقليمية.
السودان يدعو إلى إصلاح النظام الدولي
ووسّع خطاب السودان نطاقه إلى النظام الدولي، حيث دعا سالم إلى إصلاح شامل وعاجل ومنصف للنظام الدولي، قائلاً إن المتغيرات والتحديات الراهنة تستدعي إدارة سياسية تقوم على الحوار واحترام القانون الدولي وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها.
وانتقد الوزير استمرار العقوبات المفروضة على السودان بموجب الفصل السابع منذ أكثر من عقدين، قائلاً إنها أضرت بالاقتصاد والأمن وسلامة الأراضي والسيادة السودانية، وأسهمت في تعقيد جهود المصالحة الوطنية، كما دعا إلى عدم استخدام العقوبات القسرية كأداة لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية.
وطالب بإصلاح الأمم المتحدة، خصوصاً مجلس الأمن، بما في ذلك تمثيل أفريقيا بمقعدين دائمين وتحسين أساليب عمل المجلس بما يتلاءم مع التطورات الدولية الراهنة، إلى جانب إصلاح النظام المالي الدولي بما يحقق تكافؤ الفرص في الحصول على التمويل ويساعد على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة ومواجهة تغير المناخ.
إشادة بالداعمين ومواقف إقليمية
وفي الجانب الدبلوماسي، ثمّن السودان مواقف الدول الشقيقة والصديقة التي قال إنها دعمت سيادته ووحدته ومؤسساته الوطنية، وأيدت خارطة الطريق ومبادرة سلام السودان وقدمت مساعدات إنسانية للشعب السوداني.
وخص وزير الخارجية بالذكر المملكة العربية السعودية ومصر وقطر وتركيا والكويت وسلطنة عمان والعراق واليابان وباكستان وروسيا والصين وإندونيسيا وماليزيا والمغرب والجزائر، معرباً عن تقدير السودان لمواقفها ومساندتها.
وفي الشأن الإقليمي، أكد سالم أن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية في الشرق الأوسط، مجدداً دعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين، وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما شدد على أهمية استقرار البحر الأحمر وباب المندب ومنطقة الخليج، داعياً إلى إنهاء التوترات بما يجنب شعوب المنطقة تداعيات الحروب، ومؤكداً دعم السودان للدول المعنية في الحفاظ على سيادتها وأمنها واستقرارها، واحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
واختتم خطاب السودان أمام الجمعية العامة بتثبيت مجموعة من الرسائل التي وضعتها الخرطوم في صلب حضورها الأممي: حماية سيادة الدولة ومؤسساتها، وقف التدخلات الخارجية وتدفق السلاح والمرتزقة، الدفع نحو مسار سوداني للسلام، ومراجعة النظام الدولي بما يضمن تطبيق قواعده على نحو أكثر اتساقاً وعدالة.