مقدمة
في صباح الثلاثاء 11 سبتمبر 2001، استيقظ العالم على واحدة من أكثر الهجمات دموية وتأثيراً في التاريخ الحديث. أربع طائرات ركاب مدنية اختُطفت في وقت متقارب، وتحولت ثلاث منها إلى أسلحة استهدفت رموزاً رئيسية للقوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية في الولايات المتحدة، بينما تحطمت الرابعة في ولاية بنسلفانيا بعد مقاومة ركابها للخاطفين.
نفذ الهجمات 19 شخصاً، خلصت التحقيقات الرسمية الأميركية إلى ارتباطهم بتنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن. وأسفرت الهجمات عن مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص، وإصابة آلاف آخرين، وأحدثت صدمة غير مسبوقة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
لكن أهمية 11 سبتمبر لا تتوقف عند الحدث نفسه.
فالهجمات شكلت نقطة تحول كبرى في السياسة الأميركية والدولية، وأطلقت ما عرف لاحقاً باسم «الحرب على الإرهاب»، وهي حرب بدأت في أفغانستان، ثم توسعت إلى عمليات عسكرية واستخباراتية وأمنية في مناطق مختلفة من العالم، وأصبحت الجماعات التي صنفتها واشنطن إرهابية أو مرتبطة بالقاعدة وطالبان هدفاً للملاحقة والاستهداف.
وبعد أقل من عامين، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة في العراق، مستندة إلى اتهامات بامتلاك أسلحة دمار شامل وصلات بالإرهاب، رغم أن لجنة 11 سبتمبر لم تجد دليلاً يثبت أن الحكومة العراقية شاركت في التخطيط لهجمات سبتمبر.
وهكذا أصبح "11 سبتمبر" أكثر من مجرد هجوم إرهابي؛ فقد تحول إلى "الحدث الذي أعاد رسم أولويات القوة الأميركية والسياسة الدولية خلال العقود التالية"، كما أنه أصبح الحدث الذي حل وثاق القيود الدولية من الأيادي الأمريكية فأصبح لا رادع لها.
العالم قبل 11 سبتمبر

لم تبدأ المواجهة الأميركية مع الجماعات الإسلامية المسلحة في 11 سبتمبر.
فخلال عقد التسعينيات كان تنظيم القاعدة قد تحول إلى شبكة جهادية عابرة للحدود، ونفذ أو تبنى عمليات ضد أهداف أميركية في عدة دول.
ففي عام 1998 تعرضت سفارتا الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا لتفجيرات أوقعت مئات القتلى وآلاف الجرحى، ثم تعرضت المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» لهجوم في ميناء عدن عام 2000.
وكانت أجهزة الأمن الأميركية تملك معلومات متزايدة عن خطورة القاعدة وأسامة بن لادن، لكن تقرير لجنة 11 سبتمبر خلص لاحقاً إلى وجود إخفاقات في جمع المعلومات وتبادلها وتحويلها إلى إجراءات قادرة على منع الهجوم.
تنظيم القاعدة وأفغانستان
كانت أفغانستان أحد أهم المراكز التي تحركت فيها شبكة القاعدة خلال تلك المرحلة.
وبعد سيطرة طالبان على العاصمة كابول عام 1996، وجد بن لادن وقيادات القاعدة بيئة مناسبة للعمل والتدريب، بينما رفضت طالبان المطالب الأميركية المتكررة بتسليم بن لادن.
وبعد هجمات سبتمبر، أصبح وجود القاعدة في أفغانستان وعلاقة طالبان بها محوراً أساسياً في القرار الأميركي بالتحرك العسكري.
وهنا بدأت عملية الانتقال من "ملاحقة تنظيم إرهابي" إلى "حرب على دولة تؤويه وتوفر له الملاذ".
التخطيط للهجمات
بحسب تقرير لجنة 11 سبتمبر، استغرق التخطيط للهجمات سنوات، واعتمد على شبكة معقدة من الأفراد والاتصالات والتمويل والسفر.
وتولى محمد عطا وعدد من العناصر الأساسية أدواراً في تنفيذ الخطة، بينما دخل منفذون آخرون إلى الولايات المتحدة وتلقوا تدريبات على قيادة الطائرات.
واستفاد المخططون من نقاط ضعف كانت موجودة آنذاك في منظومة أمن الطيران المدني، حيث لم تكن الإجراءات الأمنية مصممة للتعامل مع احتمال اختطاف طائرة بهدف استخدامها كسلاح انتحاري.
ولم تكن المشكلة في غياب المعلومات بالكامل، وإنما في عدم قدرة المؤسسات المختلفة على جمع المعلومات المتفرقة وربطها في صورة واحدة تكشف المخطط قبل وقوعه.
صباح الثلاثاء 11 سبتمبر

لم تبدأ المواجهة الأميركية مع الجماعات الإسلامية المسلحة في 11 سبتمبر.
فخلال عقد التسعينيات كان تنظيم القاعدة قد تحول إلى شبكة جهادية عابرة للحدود، ونفذ أو تبنى عمليات ضد أهداف أميركية في عدة دول.
ففي عام 1998 تعرضت سفارتا الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا لتفجيرات أوقعت مئات القتلى وآلاف الجرحى، ثم تعرضت المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» لهجوم في ميناء عدن عام 2000.
وكانت أجهزة الأمن الأميركية تملك معلومات متزايدة عن خطورة القاعدة وأسامة بن لادن، لكن تقرير لجنة 11 سبتمبر خلص لاحقاً إلى وجود إخفاقات في جمع المعلومات وتبادلها وتحويلها إلى إجراءات قادرة على منع الهجوم.
تنظيم القاعدة وأفغانستان
كانت أفغانستان أحد أهم المراكز التي تحركت فيها شبكة القاعدة خلال تلك المرحلة.
وبعد سيطرة طالبان على العاصمة كابول عام 1996، وجد بن لادن وقيادات القاعدة بيئة مناسبة للعمل والتدريب، بينما رفضت طالبان المطالب الأميركية المتكررة بتسليم بن لادن.
وبعد هجمات سبتمبر، أصبح وجود القاعدة في أفغانستان وعلاقة طالبان بها محوراً أساسياً في القرار الأميركي بالتحرك العسكري.
وهنا بدأت عملية الانتقال من "ملاحقة تنظيم إرهابي" إلى "حرب على دولة تؤويه وتوفر له الملاذ".
التخطيط للهجمات
بحسب تقرير لجنة 11 سبتمبر، استغرق التخطيط للهجمات سنوات، واعتمد على شبكة معقدة من الأفراد والاتصالات والتمويل والسفر.
وتولى محمد عطا وعدد من العناصر الأساسية أدواراً في تنفيذ الخطة، بينما دخل منفذون آخرون إلى الولايات المتحدة وتلقوا تدريبات على قيادة الطائرات.
واستفاد المخططون من نقاط ضعف كانت موجودة آنذاك في منظومة أمن الطيران المدني، حيث لم تكن الإجراءات الأمنية مصممة للتعامل مع احتمال اختطاف طائرة بهدف استخدامها كسلاح انتحاري.
ولم تكن المشكلة في غياب المعلومات بالكامل، وإنما في عدم قدرة المؤسسات المختلفة على جمع المعلومات المتفرقة وربطها في صورة واحدة تكشف المخطط قبل وقوعه.
صباح الثلاثاء 11 سبتمبر
أقلعت الطائرات الأربع من مطارات على الساحل الشرقي للولايات المتحدة في رحلات داخلية.
وكانت الرحلات هي:
* رحلة الخطوط الجوية الأميركية رقم 11.
* رحلة الخطوط الجوية المتحدة رقم 175.
* رحلة الخطوط الجوية الأميركية رقم 77.
* رحلة الخطوط الجوية المتحدة رقم 93.
وخلال أقل من ساعتين تحولت الرحلات المدنية الأربع إلى واحدة من أخطر الهجمات التي شهدها العالم.
الضربة الأولى
في الساعة 8:46 صباحاً اصطدمت الرحلة رقم 11 بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك.
في الدقائق الأولى لم يكن واضحاً أن الولايات المتحدة تتعرض لهجوم منظم، وظهرت احتمالات وقوع حادث طيران.
لكن حجم الحريق والدخان سرعان ما كشف أن الكارثة أكبر من مجرد حادث جوي.
هرعت فرق الإطفاء والشرطة والإسعاف إلى المنطقة، وبدأت عمليات إخلاء واسعة داخل البرج ومحيطه.
الضربة الثانية
في الساعة 9:03 صباحاً اصطدمت الرحلة رقم 175 بالبرج الجنوبي.
وكان الاصطدام الثاني مختلفاً تماماً؛ إذ شاهده العالم مباشرة عبر شاشات التلفزيون.
عندها أصبح واضحاً أن ما يحدث ليس حادثاً، وإنما هجوم إرهابي منسق.
وفي الوقت الذي كانت فيه فرق الإنقاذ تعمل داخل مركز التجارة العالمي، كانت طائرات أخرى لا تزال تحت سيطرة الخاطفين.
الهجوم على البنتاغون
في الساعة 9:37 صباحاً اصطدمت الرحلة رقم 77 بمبنى وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» في ولاية فرجينيا.
وكان اختيار البنتاغون ذا دلالة رمزية واضحة، باعتباره مركز القوة العسكرية الأميركية.
وبذلك استهدف الهجوم في نيويورك قلب القوة الاقتصادية والمالية، بينما استهدف في واشنطن المؤسسة العسكرية الأميركية.
الطائرة الرابعة
كانت الرحلة رقم 93 متجهة نحو واشنطن، لكن ركابها علموا بما حدث للطائرات الأخرى عبر اتصالات هاتفية.
وأدرك الركاب أن الطائرة قد تستخدم كسلاح ضد هدف آخر.
فبدأ عدد منهم في مقاومة الخاطفين ومحاولة استعادة السيطرة على الطائرة.
وفي الساعة 10:03 صباحًا تحطمت الطائرة في منطقة ريفية بولاية بنسلفانيا.
وخلص تقرير لجنة 11 سبتمبر إلى أن مقاومة الركاب حالت على الأرجح دون وصول الطائرة إلى هدفها، ورجحت اللجنة أن الهدف كان مبنى الكابيتول أو البيت الأبيض.
انهيار برجي مركز التجارة العالمي

بعد اصطدام الطائرتين اندلعت حرائق هائلة داخل البرجين.
ومع استمرار الحرائق وارتفاع درجات الحرارة وتضرر العناصر الإنشائية، انهار البرج الجنوبي في الساعة 9:59 صباحاً.
وبعد نحو نصف ساعة، انهار البرج الشمالي في الساعة 10:28 صباحاً.
وأدى الانهياران إلى سقوط آلاف الضحايا، بينهم مدنيون ورجال إطفاء وشرطة ومسعفون وأفراد إنقاذ كانوا يعملون في الموقع.
وأصبح انهيار البرجين واحداً من أكثر المشاهد رسوخاً في الذاكرة العالمية، بعدما شاهد ملايين الناس الكارثة مباشرة على شاشات التلفزيون.
الولايات المتحدة تحت الهجوم
للمرة الأولى منذ عقود شعرت الولايات المتحدة أن أراضيها نفسها أصبحت ساحة حرب واسعة.
أُغلقت الأجواء الأميركية، وأُمرت الطائرات المدنية بالهبوط، وأغلقت المؤسسات والمباني الحكومية في واشنطن، وبدأت أجهزة الأمن والاستخبارات عملية واسعة لتحديد هوية المنفذين وشبكاتهم.
وفي ذلك اليوم تحولت الولايات المتحدة من دولة تتعامل مع تهديد إرهابي خارجي إلى دولة تستعد لحرب مفتوحة ضد شبكة اعتبرتها واشنطن تهديداً عالمياً.
التحقيقات
بدأت السلطات الأميركية واحدة من أكبر عمليات التحقيق في تاريخها.
وشارك آلاف المحققين وعناصر الاستخبارات والأمن في تحديد هوية الخاطفين، وتتبع تحركاتهم داخل الولايات المتحدة، ودراسة مصادر تمويلهم واتصالاتهم وسفرهم وتدريبهم.
وأظهرت التحقيقات أن بعض المعلومات المتعلقة بعناصر من القاعدة كانت موجودة لدى أجهزة مختلفة قبل الهجمات، إلا أن المشكلة تمثلت في عدم جمع تلك المعلومات وتحليلها بصورة فعالة.
وهذه النقطة أصبحت من أهم النتائج التي ركز عليها تقرير لجنة 11 سبتمبر.
لجنة 11 سبتمبر

في عام 2002 أُنشئت اللجنة الوطنية للتحقيق في الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة، المعروفة باسم "لجنة 11 سبتمبر'.
وضمت اللجنة أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وعملت لنحو عشرين شهراً، واستمعت إلى أكثر من ألف ومئتي شاهد، وراجعت ملايين الصفحات من الوثائق الحكومية والاستخباراتية والعسكرية.
وفي يوليو 2004 أصدرت تقريرها النهائي.
وخلص التقرير إلى أن تنظيم القاعدة هو المسؤول عن التخطيط للهجمات وتنفيذها، لكنه كشف في الوقت نفسه إخفاقات واسعة داخل أجهزة الدولة الأميركية، خصوصاً في تبادل المعلومات والتنسيق بين المؤسسات.
ماذا قالت لجنة 11 سبتمبر عن العراق؟
من أهم النقاط التي ينبغي تثبيتها عند دراسة الحدث أن "لجنة 11 سبتمبر لم تجد دليلاً يثبت أن الحكومة العراقية شاركت في التخطيط للهجمات".
وهذه الحقيقة مهمة لأن السنوات التي تلت الهجمات شهدت توسعاً كبيراً في الخطاب السياسي الأميركي حول الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل والعراق.
"أفغانستان كانت مرتبطة مباشرة بسياق القاعدة وطالبان بعد 11 سبتمبر، بينما كان العراق ملفاً مختلفاً دخل لاحقاً في إطار أوسع من استراتيجية إدارة جورج بوش".
الحرب على الإرهاب
بعد أيام قليلة من الهجمات، بدأ الرئيس جورج بوش في وضع إطار سياسي جديد للمواجهة.
وفي 18 سبتمبر 2001 أقر الكونغرس الأميركي تفويض استخدام القوة العسكرية ضد المسؤولين عن الهجمات ومن ساعدهم أو آواهم.
وأصبح هذا التفويض أحد أهم الأسس القانونية للحرب الأميركية الجديدة.
وفي الخطاب السياسي الأميركي ظهرت عبارة «الحرب على الإرهاب» باعتبارها مواجهة طويلة مع تنظيمات وشبكات اعتبرتها واشنطن تهديداً للأمن الأميركي والعالمي.
وهنا حدث التحول الأكبر. فلم تعد المواجهة محصورة في مطاردة منفذي هجوم محدد، وإنما أصبحت استراتيجية مفتوحة لملاحقة التنظيمات والجماعات المسلحة التي صنفتها الولايات المتحدة ضمن دائرة الإرهاب أو ربطتها بالقاعدة أو طالبان.
أفغانستان.. البداية العسكرية
في 7 أكتوبر 2001 بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها العمليات العسكرية ضد أهداف في أفغانستان.
وكان الهدف المعلن ضرب تنظيم القاعدة وإسقاط قدرة طالبان على توفير الملاذ له.
وسقطت كابول في نوفمبر 2001، وانتهت سيطرة طالبان على معظم مؤسسات الحكم آنذاك.
لكن سقوط كابول لم يكن نهاية الحرب. فقد تحولت المواجهة إلى حرب طويلة استمرت قرابة عقدين، وعادت طالبان إلى بناء قوتها، وانتهى الأمر بانسحاب القوات الأميركية عام 2021 وعودة طالبان إلى السلطة.
من أفغانستان إلى حرب عالمية

أصبحت أفغانستان النموذج الأول لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر.
لكن النموذج لم يتوقف هناك، فقد توسعت عمليات الملاحقة العسكرية والاستخباراتية إلى مناطق أخرى، واستُهدفت جماعات مسلحة مختلفة اعتبرتها واشنطن إرهابية أو مرتبطة بالقاعدة.
وشملت الحرب عمليات في مناطق من الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، وأصبحت الطائرات من دون طيار والعمليات الخاصة والتعاون الاستخباراتي أدوات رئيسية في هذه المواجهة.
وهكذا تحول 11 سبتمبر من هجوم وقع في الولايات المتحدة إلى "إطار عالمي للحرب الأميركية على الإرهاب".
هل استُخدم 11 سبتمبر ذريعة للحروب؟
هذه واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في قراءة الحدث.
من الناحية التاريخية، لا يمكن القول إن هجمات سبتمبر كانت مجرد حادثة عابرة؛ فقد استخدمتها إدارة بوش لإعادة تعريف الأمن القومي الأميركي، وتبرير تحركات عسكرية واسعة.
وظهر ذلك في أكبر حربين شنتها أمريكا بعد 11 سبتمبر، لكن كل حرب منهما كان لها سياقها.
ففي الحالة الأفغانية كانت العلاقة مع القاعدة وطالبان هي الأساس المباشر للعمل العسكري.
أما العراق، فقد جاء بعد ذلك في سياق سياسي مختلف، تداخل فيه ملف أسلحة الدمار الشامل مع الإرهاب والأمن القومي الأميركي.
وبالتالي فإن وصف 11 سبتمبر بأنه «ذريعة لضرب أفغانستان» يحتاج إلى دقة؛ فقد كانت واشنطن تستند إلى وجود قيادة القاعدة في أفغانستان ورفض طالبان تسليمها.
أما القول إن 11 سبتمبر كان "المدخل السياسي الذي وسّع من خلاله البيت الأبيض مفهوم الحرب إلى ملفات ودول أخرى" فهو أقرب إلى توصيف مسار الأحداث.
العراق.. الحرب الثانية
في مارس 2003 بدأت الولايات المتحدة غزو العراق.
وبررت إدارة جورج بوش الحرب بمجموعة من الاتهامات، أبرزها امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل، ووجود تهديد محتمل للأمن الأميركي، إلى جانب اتهامات تتعلق بالإرهاب.
لكن عمليات التفتيش اللاحقة لم تعثر على مخزون أسلحة الدمار الشامل الذي بُني عليه جانب مهم من مبررات الحرب.
كما لم تثبت التحقيقات أن نظام صدام حسين كان مسؤولاً عن هجمات 11 سبتمبر.
وهنا ظهرت واحدة من أكبر المفارقات في مرحلة ما بعد الهجمات:
"الحدث الذي بدأ بملاحقة تنظيم القاعدة في أفغانستان أصبح جزءاً من بيئة سياسية أوسع قادت الولايات المتحدة إلى حرب جديدة في العراق".
كولن باول وملف أسلحة الدمار الشامل

في فبراير 2003 قدم وزير الخارجية الأميركي كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي عرضاً استخباراتياً لدعم الاتهامات الأميركية ضد العراق.
وكان ملف أسلحة الدمار الشامل أحد أهم المبررات التي استخدمتها الإدارة الأميركية لتأييد الحرب.
لكن المعلومات التي استند إليها العرض تعرضت لاحقاً لانتقادات شديدة، وأقرت الولايات المتحدة بأن أجزاء من المعلومات الاستخباراتية كانت خاطئة.
وأصبح ملف العراق لاحقاً مثالاً بارزاً على "خطورة تحويل المعلومات الاستخباراتية غير المؤكدة إلى أساس لاتخاذ قرار عسكري مصيري".
الجماعات الإسلامية المسلحة في مرمى واشنطن
بعد 11 سبتمبر أصبحت الولايات المتحدة أكثر تشدداً في التعامل مع الجماعات المسلحة التي صنفتها إرهابية.
لكن من المهم عدم الخلط بين الإسلام كدين، والتيارات الإسلامية السياسية، والتنظيمات الجهادية المسلحة.
فالحرب الأميركية لم تكن موجهة إلى «كل المسلمين» أو «كل الإسلاميين»، وإنما إلى تنظيمات صنفتها واشنطن إرهابية، وعلى رأسها القاعدة، ثم جماعات أخرى اعتبرتها مرتبطة بها أو ضمن البيئة الجهادية المسلحة.
ومع مرور الوقت اتسعت دائرة المواجهة لتشمل تنظيمات مثل القاعدة في جزيرة العرب، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة الشباب، وتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» وغيرها.
وهكذا أصبح مفهوم الإرهاب العابر للحدود جزءاً ثابتاً في الاستراتيجية الأمنية الأميركية.
إنشاء منظومة أمنية جديدة
لم تتوقف آثار 11 سبتمبر عند الحروب الخارجية.
فقد أنشأت الولايات المتحدة وزارة الأمن الداخلي، وأعيد تنظيم المؤسسات الاستخباراتية، واستُحدث منصب مدير الاستخبارات الوطنية، وشُددت إجراءات أمن المطارات والسفر.
كما صدرت قوانين وسعت صلاحيات المراقبة والتحقيق وملاحقة تمويل الإرهاب.
لكن هذه الإجراءات أثارت جدلاً واسعاً حول الخصوصية والحريات المدنية، خصوصاً بشأن المراقبة الجماعية واحتجاز المشتبه بهم وأساليب الاستجواب.
العالم بعد 11 سبتمبر
أعاد الحدث تشكيل العلاقات الدولية.
أصبح الأمن ومكافحة الإرهاب في مقدمة أولويات الحكومات، وتشددت الرقابة على الحدود وحركة الأموال والسفر الدولي.
وأصبحت أجهزة الاستخبارات والتعاون الأمني بين الدول أكثر أهمية.
كما تأثرت الجاليات المسلمة في دول غربية بارتفاع مظاهر الاشتباه والتمييز في بعض المجتمعات، بينما شهدت دول أخرى تغييرات تشريعية وأمنية واسعة تحت عنوان مكافحة الإرهاب.
وبذلك لم يعد 11 سبتمبر حدثاً أميركياً فقط، وإنما تحول إلى نقطة مرجعية في السياسة الدولية.
الشرق الأوسط في ظل الحرب على الإرهاب

جاءت مرحلة ما بعد 11 سبتمبر في منطقة تعيش أصلاً صراعات سياسية وعسكرية عميقة.
فقد تزامنت الحرب على الإرهاب مع استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتوتر الأميركي مع إيران، والحرب في العراق، والتحولات السياسية في عدد من الدول العربية.
وبالنسبة للولايات المتحدة، أصبحت مكافحة الإرهاب جزءاً من رؤيتها الأمنية للشرق الأوسط.
أما منتقدو السياسة الأميركية فرأوا أن تحويل العديد من أزمات المنطقة إلى قضايا أمنية وإرهابية أدى إلى إهمال جذورها السياسية والتاريخية.
ومع فرضية أن هجمات 11 سبتمبر نُفذت لحماية إسرائيل أو لخدمة أهداف بعينها، إلا أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط كانت بلا شك جزءاً من البيئة السياسية التي سبقت الهجمات، وهو ما استند إليه تنظيم القاعدة في خطابه الدعائي.
السياسة الأميركية والحرب على الإرهاب
كان من أبرز نتائج 11 سبتمبر أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر استعداداً لاستخدام القوة خارج حدودها دون مراعاة للمواثيق الدولية.
وبدأت مرحلة جديدة من العمليات العسكرية والضربات الجوية والعمليات الخاصة وملاحقة القيادات المسلحة في دول لا توجد فيها بالضرورة حرب تقليدية معلنة.
وأصبح السؤال القانوني والسياسي حول حدود الحرب على الإرهاب حاضراً بقوة:
هل تستطيع دولة أن تلاحق جماعة مسلحة في أي مكان من العالم؟
ومتى يصبح استهداف تنظيم مسلح تدخلاً عسكرياً في دولة أخرى؟
وما الحدود التي تفصل بين حماية الأمن القومي وانتهاك سيادة الدول؟
هذه الأسئلة أصبحت جزءاً من إرث 11 سبتمبر.
الخسائر التي تجاوزت يوم الهجمات
كان عدد قتلى الهجمات نفسها نحو ثلاثة آلاف شخص، لكن عدد ضحايا الحروب التي بدأت أو توسعت في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر تجاوز ذلك العدد بكثير.
ففي أفغانستان استمرت الحرب سنوات طويلة، وسقط خلالها عدد كبير من المدنيين والمقاتلين.
وفي العراق أدى الغزو إلى سقوط النظام، لكنه فتح كذلك الباب أمام انهيار أمني وصراعات طائفية وظهور جماعات مسلحة جديدة.
وفي البيئة التي تشكلت بعد الغزو العراقي والحرب السورية لاحقاً، تمكن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا.
وهنا ظهرت مفارقة تاريخية تستحق الدراسة:
"الحرب التي بدأت تحت شعار مواجهة الإرهاب أسهمت، في بعض البيئات التي تدخلت فيها، في خلق ظروف سياسية وأمنية استفادت منها تنظيمات مسلحة جديدة".
هل انتهت الحرب على الإرهاب؟
لم تنتهِ الحرب على الإرهاب بانتهاء العمليات العسكرية الكبرى في أفغانستان.
فالقاعدة استمرت بأشكال مختلفة، وظهرت تنظيمات جديدة، ثم برز تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» باعتباره أحد أخطر التنظيمات المسلحة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
وهكذا انتقلت الحرب من مرحلة الحرب التقليدية إلى عمليات أمنية واستخباراتية أكثر تعقيداً.
وأثبتت التجربة أن القضاء على تنظيم مسلح لا يعني بالضرورة القضاء على البيئة التي تسمح بإعادة إنتاجه.
الإرث السياسي
بعد ربع قرن من 11 سبتمبر، أصبح من الممكن النظر إلى الحدث من زاوية أوسع.
لقد نجحت الولايات المتحدة في إسقاط طالبان مؤقتاً، وقتل عدد من كبار قادة القاعدة، ومن بينهم أسامة بن لادن في عملية أبوت آباد عام 2011.
لكنها لم تستطع إنهاء الفكر الجهادي المسلح، ولم تمنع ظهور تنظيمات أكثر تطرفاً في مناطق مختلفة.
وفي المقابل، تركت الحروب التي أعقبت 11 سبتمبر آثاراً سياسية وإنسانية واقتصادية عميقة.
وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً:
هل يمكن هزيمة الإرهاب بالقوة العسكرية وحدها؟
التجربة التاريخية حتى الآن تشير إلى أن القوة العسكرية يمكن أن تضرب التنظيمات وتفكك قدراتها، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تسمح لبعض الجماعات بإعادة إنتاج نفسها.
11 سبتمبر والسودان

كان السودان من الدول التي تأثرت بصورة مباشرة بمرحلة ما قبل وما بعد 11 سبتمبر.
فخلال تسعينيات القرن الماضي أصبحت الخرطوم موضع اهتمام أميركي بسبب وجود أسامة بن لادن في السودان بين عامي 1991 و1996، قبل مغادرته إلى أفغانستان.
وبعد ذلك فرضت الولايات المتحدة عقوبات على السودان، ثم تصاعدت الضغوط بعد هجمات 1998 على السفارتين الأميركيتين في شرق أفريقيا.
وبعد 11 سبتمبر دخلت العلاقات السودانية الأميركية مرحلة جديدة، شهدت تعاوناً أمنياً واستخباراتياً في بعض الملفات، رغم استمرار الخلافات والعقوبات.
وتكشف التجربة السودانية أن تأثير الأحداث العالمية الكبرى لا يتوقف عند الدول التي تقع فيها الأحداث، بل يمكن أن يمتد إلى دول بعيدة جغرافياً بسبب شبكة العلاقات السياسية والأمنية الدولية.
قراءة في دلالات الحدث
لم يكن 11 سبتمبر مجرد هجوم إرهابي دموي؛ بل كان نقطة تحول أعادت تعريف شكل الحرب والسياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين.
لقد أثبتت التحقيقات مسؤولية تنظيم القاعدة عن الهجمات، وكشفت في الوقت نفسه عن إخفاقات أمنية واستخباراتية داخل الولايات المتحدة كان يمكن أن تساعد على اكتشاف المخطط في وقت مبكر.
لكن التأثير الأكبر جاء بعد ذلك.
فالهجمات أصبحت الأساس السياسي لإطلاق الحرب على الإرهاب، وبدأت بأفغانستان باعتبارها الساحة المباشرة لمواجهة القاعدة وطالبان، ثم توسعت المواجهة إلى جماعات مسلحة أخرى صنفتها واشنطن إرهابية أو مرتبطة بالقاعدة.
أما العراق، فلم يكن رداً مباشراً على 11 سبتمبر، لكنه دخل في البيئة السياسية والاستراتيجية التي أعقبت الهجمات، وأصبحت أسلحة الدمار الشامل والإرهاب جزءاً من مبررات الحرب.
وهنا تكمن إحدى أهم دروس التاريخ:
حين تقع كارثة كبرى، فإن طريقة تعامل الدول معها قد تكون أحيانًا أكثر تأثيراً من الحدث نفسه.
فالجريمة الإرهابية قتلت آلاف الأشخاص في يوم واحد، لكن الحروب التي أعقبتها غيرت حياة ملايين البشر على مدى سنوات طويلة.
ولهذا فإن دراسة 11 سبتمبر لا ينبغي أن تقتصر على صور الطائرات والبرجين المنهارين، بل يجب أن تشمل أيضاً القرارات التي اتُخذت بعد ذلك، والحروب التي اندلعت، والجماعات التي ظهرت، والقوانين التي تغيرت، والحدود التي أعيد رسمها بين الأمن والحرية.
لقد دخل العالم في 11 سبتمبر مرحلة جديدة.
مرحلة أصبح فيها الإرهاب العابر للحدود تهديداً عالمياً، وأصبح استخدام القوة خارج الحدود أكثر شيوعاً، وأصبح الأمن الاستخباراتي والتقني جزءاً أساسياً من العلاقات الدولية.
وبعد مرور سنوات طويلة، يبقى السؤال الأهم ليس فقط:
من نفذ 11 سبتمبر؟
بل أيضاً:
كيف غيّر ذلك اليوم العالم، وكيف غيّرت القرارات التي اتخذت بعده حياة شعوب ودول لم تكن طرفاً في الهجمات؟
حتى لا تتحول المآسي الكبرى إلى أبواب مفتوحة لحروب لا تنتهي.