صدى الحقيقة

20 أغسطس 1998.. اليوم الذي استهدفت فيه الصواريخ الأميركية مصنع الشفاء

20 أغسطس 1998.. اليوم الذي استهدفت فيه الصواريخ الأميركية مصنع الشفاء
وثائقيات
20 Aug 2026 👁 159
صدى الحقيقة - ملف توثيقي
شارك الخبر:

قراءة.. في قصة ضربة عسكرية تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ العلاقات السودانية الأميركية

مقدمة: ذكرى الضربة التي لم تُغلق أسئلتها

في 20 أغسطس 1998، وبينما كان السودان يعيش واحدة من أكثر مراحل تاريخه السياسي اضطرابًا، دوّت صواريخ «توماهوك» الأميركية في سماء الخرطوم، مستهدفة مصنع الشفاء للأدوية بضاحية بحري في العاصمة الخرطوم، في واحدة من أخطر الضربات العسكرية التي تعرضت لها العاصمة السودانية منذ الاستقلال.

جاء الهجوم بعد أقل من أسبوعين على تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في 7 أغسطس 1998، وهما التفجيران اللذان حمّلت واشنطن تنظيم أسامة بن لادن المسؤولية عنهما. وفي اليوم نفسه الذي قصفت فيه الولايات المتحدة أهدافًا لتنظيم القاعدة في أفغانستان، استهدفت مصنع الشفاء في الخرطوم، وقالت إدارة الرئيس بيل كلينتون إن المنشأة مرتبطة بشبكة بن لادن وتنتج مواد تستخدم في تصنيع الأسلحة الكيميائية.

ومنذ اللحظة الأولى، رفض السودان الاتهام، مؤكداً أن المنشأة مصنع دوائي خاص لا علاقة له بإنتاج الأسلحة الكيميائية أو بتنظيم القاعدة. ومع مرور السنوات، ظهرت شهادات مهندسين وفنيين أجانب عملوا في المصنع أو شاركوا في إنشائه، إلى جانب دراسات وتحقيقات مستقلة شككت بصورة جدية في الرواية الأميركية.

ولذلك، وبعد مرور 28 عاماً على الضربة، لا تعود أهمية القضية إلى الصاروخ الذي دمر المصنع وحده، وإنما إلى الأسئلة التي بقيت حول المعلومات التي بُني عليها القرار، وحقيقة المصنع، والجهة التي كانت تملكه، وحجم الضرر الذي ألحقته الضربة بالسودان، وما إذا كان استخدام القوة قد سبق اكتمال الأدلة.

ويأتي استحضار هذه الذكرى في إطار التوثيق الذي ينتهجه موقع «صدى الحقيقة» للأحداث المفصلية في تاريخ السودان، خصوصاً تلك التي تركت آثاراً تتجاوز لحظة وقوعها إلى الاقتصاد والسياسة والذاكرة الوطنية.

السودان والولايات المتحدة قبل 20 أغسطس

صورة داخل التقرير

لم تكن ضربة الشفاء حدثاً منفصلاً عن السياق السياسي الذي سبقها.

فمنذ وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عام 1989، تدهورت العلاقات بين الخرطوم وواشنطن بصورة متسارعة. واتهمت الولايات المتحدة الحكومة السودانية باستضافة ودعم جماعات إسلامية مسلحة، وكان وجود أسامة بن لادن في السودان خلال النصف الأول من التسعينيات أحد أبرز أسباب التوتر.

ومع تصاعد الضغوط الأميركية، فرضت واشنطن عقوبات على السودان، وسحبت موظفيها الدبلوماسيين، وأصبح السودان في نظر الإدارة الأميركية جزءاً من ملف أوسع يتعلق بالإرهاب الدولي.

وفي هذا المناخ السياسي والأمني المشحون، جاء تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في أغسطس 1998، لتنتقل العلاقة بين البلدين إلى مرحلة أكثر خطورة.

تفجيرات شرق أفريقيا والقرار الأميركي

في 7 أغسطس 1998 استهدفت تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، وأسفرت عن مقتل أكثر من 250 شخصاً وإصابة آلاف آخرين.

وحملت واشنطن تنظيم أسامة بن لادن المسؤولية، واعتبرت أن التنظيم يستعد لتنفيذ عمليات جديدة ضد المصالح الأميركية.

وبعد أقل من أسبوعين، اتخذ الرئيس بيل كلينتون قراراً بتنفيذ ضربات متزامنة في أفغانستان والسودان.

وفي كلمته يوم 20 أغسطس، قال كلينتون إن الولايات المتحدة ضربت منشآت مرتبطة بالإرهاب بسبب التهديد الذي تمثله للأمن القومي الأميركي، وقال إن القوات الأميركية استهدفت في السودان «منشأة مرتبطة بالأسلحة الكيميائية». وفي كلمته إلى الشعب الأميركي لاحقاً أكد أن المصنع، بحسب المعلومات الأميركية، كان مرتبطاً بشبكة بن لادن وأنه ينتج مواد تستخدم في صناعة الأسلحة الكيميائية.

كلمة بيل كلينتون وقت الضربة

صورة داخل التقرير

كان خطاب كلينتون في ذلك اليوم واضحاً في تبرير القرار.

فقد قال إن الولايات المتحدة «ضربت» أهدافاً إرهابية في أفغانستان والسودان بسبب الخطر الذي تمثله على الأمن القومي الأميركي، وأكد أن الهدف الأميركي هو ضرب شبكة أسامة بن لادن والبنية التحتية المرتبطة بها.

وبخصوص السودان، قال إن القوات الأميركية هاجمت مصنعاً «مرتبطاً بشبكة بن لادن»، وإن المصنع كان مشاركاً في إنتاج مواد للأسلحة الكيميائية. كما أكد أن واشنطن اتخذت القرار استناداً إلى ما وصفه بمعلومات مقنعة حول خطر الإرهاب والحاجة إلى منع هجمات جديدة.

وكان كلينتون قد تحدث في اليوم نفسه بلهجة أكثر تأكيداً، وقال إن الولايات المتحدة تملك، بحسب تقديرها آنذاك، أدلة مادية على ارتباط المصنع بإنتاج مواد يمكن استخدامها في غاز الأعصاب «VX». وقد أصبح هذا الادعاء لاحقاً واحداً من أكثر عناصر القضية إثارة للجدل.

مصنع الشفاء.. ماذا كان؟

كان مصنع الشفاء منشأة دوائية سودانية خاصة، تنتج أدوية للاستخدام البشري والبيطري، وكان يمثل أحد أبرز الاستثمارات الصناعية في مجال الدواء داخل السودان.

وكانت طبيعة المصنع ظاهرة للعاملين والخبراء الذين تعاملوا معه، ولم يكن منشأة سرية بالمعنى الذي يوحي به الاتهام الأميركي.

وقد أكد المهندس البريطاني توم كارنافين، الذي شارك في بناء المصنع وعمل مديراً فنياً فيه لسنوات، أن تصميم المنشأة وتجهيزاتها لا يتناسبان مع إنتاج الأسلحة الكيميائية.

كما قدم مهندسون وفنيون أجانب آخرون شهادات مماثلة، مؤكدين أن المصنع صُمم لإنتاج الأدوية، وليس لإنتاج الأسلحة.

وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من أن أصحابها لم يكونوا مسؤولين سودانيين يمكن وصف شهاداتهم بأنها جزء من دفاع الحكومة عن نفسها، بل كانوا خبراء أجانب تعاملوا مباشرة مع المصنع.

مالك المصنع.. صلاح إدريس

صورة داخل التقرير

كان المصنع مملوكاً للقطاع الخاص، وأصبح رجل الأعمال السوداني صلاح إدريس مالكه قبل الضربة.

وهذه النقطة مهمة في فهم القضية، لأن صلاح إدريس لم يكن من رموز نظام الإنقاذ ولا مسؤولاً حكومياً فيه.

وبعد الضربة، أصبح اسم إدريس جزءاً من المعركة القانونية والسياسية التي أعقبت تدمير المصنع، خصوصاً بعد أن رفض اتهامات ربطته ببن لادن أو بنشاط عسكري.

وتؤكد وثائق القضية أمام المحاكم الأميركية أن إدريس وشركة الشفاء سعيا للحصول على تعويض عن تدمير المصنع، لكن المحاكم الأميركية رفضت في النهاية مطالبات قانونية رئيسية.

الاتهام الأميركي.. مادة EMPTA وغاز VX

استندت واشنطن في جزء مهم من اتهامها إلى عينة تربة قالت أجهزة الاستخبارات الأميركية إنها تحتوي على مادة EMPTA، وهي مادة يمكن أن تدخل في تصنيع غاز الأعصاب VX.

لكن المشكلة الأساسية لم تكن في إمكانية استخدام المادة في سياق عسكري، وإنما في الانتقال من وجود مادة كيميائية إلى الاستنتاج بأن المصنع كان ينتج أسلحة كيميائية.

كما أثيرت لاحقًا أسئلة حول مكان أخذ العينة وكيفية جمعها، خصوصاً أن معلومات لاحقة أشارت إلى أن العينة أخذت من خارج بوابة المصنع، وليس من داخل خطوط الإنتاج.

والأكثر أهمية أن مراجعات لاحقة أظهرت أن بعض الجهات داخل أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تكن ترى أن الأدلة كافية للحسم، وأن هناك حاجة إلى جمع معلومات إضافية قبل اتخاذ القرار.

وقد ورد في سجل الكونغرس الأميركي لاحقاً أن الشكوك داخل أجهزة الاستخبارات كانت كبيرة، وأن مذكرة داخلية كانت قد أوصت قبل الضربة بجمع عينات إضافية من الموقع.

شهادات العاملين الأجانب

كانت شهادات العاملين الأجانب من أقوى العناصر التي ظهرت في مواجهة الرواية الأميركية.

فالمهندس البريطاني توم كارنافين أكد أنه يعرف المصنع بصورة وثيقة وأنه لم يكن صالحاً لإنتاج الأسلحة الكيميائية.

كما أكد مهندسون أردنيون شاركوا في بناء المصنع والإشراف على إنتاجه أن المنشأة صممت لإنتاج الأدوية، وأن تحويلها إلى منشأة لإنتاج الأسلحة الكيميائية لم يكن أمراً يتوافق مع تصميمها.

كما تحدث أشخاص أجانب زاروا المصنع قبل الضربة عن منشأة مفتوحة وليست سرية، ولم يجدوا فيها ما يشير إلى أنها منشأة عسكرية مخفية.

وهذه الشهادات مهمة لأنها جاءت من أشخاص لم يكونوا طرفاً في الصراع السياسي السوداني.

التحقيقات والأدلة اللاحقة

صورة داخل التقرير

كانت حادثة الشفاء اختباراً صعباً لمفهوم المعارضة السياسية.

فالمعارضة لنظام الإنقاذ كانت واسعة، وكانت هناك قوى سودانية ترى في الحكومة خصماً سياسياً شرساً يجب إسقاطه ومحاسبته.

لكن من وجهة نظر أخرى، فإن معارضة الحكومة لا تعني معارضة الوطن، والخصومة مع النظام لا ينبغي أن تتحول إلى قبول الإضرار بالدولة والمجتمع.

لذا لم تكن مواقف المعارضة السودانية من قصف مصنع الشفاء موحدة؛ فبينما أدان محمد عثمان الميرغني الضربة، ورأى الصادق المهدي أنها ستجلب التعاطف مع حكومة الإنقاذ ولن تؤدي إلى إسقاطها، اتخذ مبارك الفاضل المهدي، الذي كان حينها من أبرز قيادات المعارضة وأميناً عاماً للتجمع الوطني الديمقراطي، موقفاً مختلفاً تماماً.

فبحسب مقابلة أجرتها معه إذاعة المعارضة صباح يوم الضربة، أعلن الفاضل تأييده للعملية الأميركية، وقال إنه قدم للإدارة الأميركية معلومات تفيد، بحسب تقديره آنذاك، بأن المصنع مرتبط بمشروع للتسلح الكيميائي والبيولوجي للجبهة الإسلامية وتنظيم أسامة بن لادن، بل دعا إلى استهداف مواقع أخرى داخل الخرطوم. وعبّر عن موقفه بالقول: «رب ضربة نافعة».

ولم يتراجع الفاضل عن موقفه لاحقًا، إذ أعيد نشر المقابلة عام 2002، وأكد أنه لا يعتذر عما قاله، معتبراً أن موقفه كان مرتبطاً بالموقع السياسي الذي كان يشغله آنذاك.

والمصدر الأساسي لهذه الجزئية، المقابلة التي أجرتها إذاعة المعارضة مع مبارك الفاضل يوم 20 أغسطس 1998، والتي أعيد نشر نصها في صحيفة «الوطن» السودانية عام 2002، كما نقلت صحيفة «البيان» الإماراتية تفاصيلها في تقريرها المنشور في 20 أغسطس 2002.

تقرير صحيفة البيان: «عراب قصف الشفاء دخل القصر في ذكرى الغارة»

وتكشف هذه الواقعة أن المعارضة السودانية لم تكن كتلة واحدة في التعامل مع التدخل الأميركي، لكنها تطرح أيضاً درساً وطنياً مهماً: معارضة الحكومة لا تعني معارضة الوطن، وإسقاط نظام سياسي لا ينبغي أن يجعل الإضرار بمنشآت الدولة ومصالح المواطنين وسيلة مقبولة للصراع السياسي.

والعبرة التي تصبح أكثر أهمية من تصنيف أسماء المعارضين هي أن الخصومة السياسية لا ينبغي أن تلغي الانتماء الوطني.

فحكومة الإنقاذ لم تكن السودان، كما أن المعارضة لم تكن السودان وحدها.

والصاروخ الذي ضرب الشفاء لم يميز بين مؤيد للإنقاذ ومعارض لها، كما أن الدواء الذي توقف إنتاجه لم يكن مخصصاً لأنصار الحكومة وحدهم بل كان لكل الشعب السوداني.

لقد كان الضرر سودانياً، والضحايا سودانيين، والخسارة أصابت الوطن قبل أن تصيب أي نظام سياسي.

الشفاء والعراق.. مقارنة في المنهج لا في الحدث

صورة داخل التقرير

من المهم التأكيد على أن قصف مصنع الشفاء عام 1998 ليس كحرب العراق عام 2003، وأن الحدثين مختلفان من حيث الحجم والظروف والنتائج.

فالشفاء كان ضربة صاروخية محدودة استهدفت منشأة واحدة، بينما كانت حرب العراق غزوًا عسكرياً واسعاً انتهى باحتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين.

لكن المقارنة التي نقدمها هنا تتعلق بمسألة أخرى: كيف يمكن للمعلومات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل أن تتحول إلى أساس لقرار عسكري قبل أن تصل الأدلة إلى مستوى اليقين المطلوب؟

وفي الشفاء، قالت الإدارة الأميركية إن المصنع ينتج مواد مرتبطة بالأسلحة الكيميائية، ثم ظهرت لاحقاً شهادات وفحوص ودراسات مستقلة شككت في هذا التقدير.

وفي العراق، استخدمت إدارة جورج دبليو بوش تقديرات استخبارية عن أسلحة الدمار الشامل العراقية لتبرير الحرب، قبل أن يتضح بعد الغزو أن تلك التقديرات كانت خاطئة في جوانب أساسية.

ومن هنا لا نضع الحدثين في خانة واحدة، وإنما نستخلص منهما درساً واحداً: عندما تتحول المعلومة الاستخبارية غير المكتملة إلى يقين سياسي، ثم يتحول اليقين السياسي إلى قرار عسكري، فإن الخطأ قد يصبح كارثة لا يمكن إصلاحها.

وهذا هو جوهر المقارنة.

هل كان التوقيت سياسياً؟

وقعت الضربة في ظل ظروف سياسية شديدة الحساسية داخل الولايات المتحدة.

فهي جاءت بعد تفجيرات شرق أفريقيا، وفي أجواء كان فيها البيت الأبيض تحت ضغط كبير لاتخاذ إجراءات قوية ضد الإرهاب.

وكانت إدارة كلينتون تواجه في الوقت نفسه أزمة سياسية داخلية معروفة "مونيكا غيت".

وبرغم أنه لا توجد أدلة واضحة تؤكد أن قصف الشفاء اتخذ بهدف صرف الأنظار عن تلك الأزمة أو لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، إلا أن ذلك النهج معروف في السياسة الأمريكية. ويبقى التوقيت عنصراً مشروعاً في قراءة الظروف التي أحاطت بالقرار.

الخسارة السودانية

لم تكن الخسارة في مبنى المصنع فقط.

فقد كان الشفاء جزءاً مهماً من صناعة الدواء في السودان، وتدميره أدى إلى فقدان طاقة إنتاجية دوائية في بلد كان يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية وعزلة دولية.

ومثلما تأثر المرضى السودانيون، كذلك تأثرت العمالة وسلاسل الإنتاج والسوق المحلية، بينما اضطر السودان إلى مواجهة تبعات اقتصادية وصحية إضافية.

وهكذا أصبح السؤال الأخلاقي أكبر من قضية الهدف العسكري:

إذا كان المصنع بالفعل منشأة خطرة، فكان من الضروري إثبات ذلك قبل تدميره.

أما إذا لم يكن كذلك، فإن الصاروخ لم يدمر مجرد مبنى، بل دمر جزءاً من قدرة بلد فقير على إنتاج الدواء.

القضاء الأميركي ومعركة التعويض

بعد تدمير المصنع، سعى صلاح إدريس وشركة الشفاء إلى الحصول على تعويض أمام القضاء الأميركي.

واستمرت القضية لسنوات، لكنها لم تنتهِ بمنح التعويض الذي طالب به مالك المصنع.

وهذه النهاية القانونية تفتح جانباً آخر من القضية يتعلق بمسؤولية الدولة عندما تستخدم القوة خارج أراضيها، وبمدى قدرة الطرف المتضرر على الوصول إلى العدالة عندما تكون الدولة المنفذة للضربة هي نفسها الدولة التي يطلب منها التعويض.

الصلف الدولي وموازين القوة

تكشف قضية الشفاء عن مشكلة أعمق في النظام الدولي.

فالدول الكبرى لا تملك فقط قوة اقتصادية وسياسية، وإنما تمتلك أيضًا القدرة على تحويل تقديراتها إلى أفعال عسكرية.

أما الدول الضعيفة، فلا تمتلك وسائل الرد نفسها.

ولهذا تصبح مسؤولية القوة العظمى أكبر، لأن الخطأ الذي قد يبدو صغيراً داخل غرفة استخبارات يمكن أن يتحول بالنسبة إلى دولة فقيرة إلى كارثة وطنية.

إن امتلاك صواريخ قادرة على الوصول إلى عاصمة دولة أخرى خلال ساعات لا ينبغي أن يمنح الحق في اختصار مراحل التحقق والمساءلة.

الأثر على السودان ودول الجوار

جاء تدمير الشفاء في وقت كان السودان فيه يعاني من عقوبات وعزلة دولية وضغوط سياسية واقتصادية.

وأدى استهداف منشأة دوائية إلى تعميق صورة السودان كدولة مستهدفة ومغلقة اقتصادياً، كما أسهم في زيادة المخاطر التي كانت تحيط بالاستثمار والإنتاج الصناعي.

ولأن السودان يمثل سوقاً وممراً اقتصادياً مهماً في محيطه الإقليمي، فإن إضعاف قدرته الإنتاجية لا ينعكس عليه وحده، بل يمكن أن يمتد أثره بصورة غير مباشرة إلى البيئة الاقتصادية في دول الجوار.

ماذا بقي بعد الصاروخ؟

صورة داخل التقرير

بقي المصنع مدمراً.

وبقيت الرواية الأميركية محل نقاش.

وبقي السودان دون منشأة دوائية بحجم مصنع الشفاء، كانت تمثل جزءاً مهماً من قدرته الصناعية.

وبقي مالك المصنع سنوات في معركة قانونية من أجل التعويض.

وبقي السؤال الأهم: هل كانت المعلومات التي استند إليها القرار الأميركي كافية لتدمير منشأة مدنية داخل عاصمة دولة أخرى؟

ومع مرور السنوات، لم تقدم الأدلة ما يحسم لصالح الرواية الأميركية بشأن إنتاج المصنع للأسلحة الكيميائية؛ بل إن عدداً من التحقيقات والشهادات والدراسات المستقلة ذهب في الاتجاه المعاكس.

قراءة في دلالات الحدث

قصة الشفاء ليست قصة السودان وأميركا فقط.

إنها قصة العلاقة بين المعلومة والقوة.

فإذا كانت المعلومة صحيحة، فإن الدولة تتحمل مسؤولية إثباتها قبل استخدام القوة.

وإذا كانت المعلومة خاطئة، فإن القوة لا تجعلها صحيحة.

والصاروخ لا يستطيع العودة إلى منصة الإطلاق بعد أن يتبين خطأ المعلومة.

وهذه هي العبرة التي تجعل الشفاء مهماً للأجيال الحالية والمستقبلية.

كما أن الحادثة تقدم درساً للسودانيين في معنى المعارضة الوطنية. فالدولة ليست الحكومة، والحكومة ليست الوطن، والمعارضة ليست بديلاً عن الوطن.

يمكن للإنسان أن يكون أشد خصوم نظام سياسي، وأن يطالب بإسقاطه ومحاسبته، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن تُدمر منشآت بلاده أو أن يدفع مواطنوه ثمن الصراع السياسي.

الخاتمة..

في 20 أغسطس 1998، أطلقت الولايات المتحدة صواريخها على مصنع الشفاء في الخرطوم، وقال الرئيس بيل كلينتون إن الهدف كان منشأة مرتبطة بشبكة أسامة بن لادن وتنتج مواد تستخدم في صناعة الأسلحة الكيميائية.

لكن السنوات التالية حملت شهادات ودراسات وتحقيقات شككت بصورة جدية في هذه الرواية، وأكد مهندسون وفنيون أجانب عرفوا المصنع من الداخل أنه منشأة دوائية، بينما خلصت دراسة مستقلة أُحيلت إلى الأمم المتحدة إلى أن الأدلة المتاحة ترجح عدم وجود دور للمصنع في إنتاج الأسلحة الكيميائية.

وهكذا تحولت الشفاء إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ العلاقات السودانية الأميركية.

لم تكن القضية مجرد مصنع دُمر بصاروخ.

كانت اختباراً لمصداقية المعلومات الاستخبارية، وحدود القوة العسكرية، ومسؤولية الدول الكبرى، وحق الدول الضعيفة في السيادة، وقدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة.

وبالنسبة للسودان، كانت الخسارة مضاعفة: منشأة دوائية دُمرت، واقتصاد تلقى ضربة جديدة، وذاكرة وطنية حملت معها إحساساً عميقاً بأن قراراً اتخذ في واشنطن يمكن أن يغير حياة السودانيين في الخرطوم خلال دقائق.

أما الدرس الأهم، فهو أن معارضة الحكومة لا تعني معارضة الوطن، وأن القوة لا ينبغي أن تسبق الحقيقة، وأن الخطأ عندما يصدر عن دولة عظمى لا يبقى خطأً سياسياً، بل يمكن أن يتحول إلى مأساة يعيش آثارها شعب كامل لعقود.

ولهذا تبقى قضية مصنع الشفاء، بعد 28 عاماً، أكثر من ذكرى لقصف أميركي للسودان؛ إنها صفحة مفتوحة في تاريخ العلاقة بين الخرطوم وواشنطن، وشاهد على الثمن الذي يمكن أن تدفعه الشعوب عندما تتقدم حسابات القوة على مقتضيات التحقق والعدالة.

المصدر: صدى الحقيقة