ملف توثيقي من «صدى الحقيقة» عن مسيرة المؤسسة العسكرية السودانية ودورها في تاريخ الدولة
في الرابع عشر من أغسطس 2026، احتفل السودان بالذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة السودانية، وهي ذكرى ترتبط بمحطة مفصلية في تاريخ المؤسسة العسكرية، عندما انتقلت قيادة الجيش إلى السودانيين عام 1954، قبل عامين من إعلان استقلال البلاد.
لكن قصة الجيش السوداني أقدم من هذه الذكرى؛ فالنواة الحديثة للمؤسسة العسكرية تعود إلى عام 1925، عندما أُنشئت *قوة دفاع السودان* خلال فترة الحكم البريطاني المصري، لتكون نواة المؤسسة العسكرية الحديثة التي تطورت لاحقاً إلى الجيش السوداني ثم القوات المسلحة السودانية.
ولهذا فإن الحديث عن عيد الجيش ليس مجرد استحضار لمناسبة عسكرية، وإنما هو مناسبة لقراءة أكثر من قرن من تاريخ مؤسسة كانت حاضرة في معظم التحولات الكبرى التي شهدها السودان؛ من مرحلة الحكم الاستعماري، إلى الحرب العالمية الثانية، ثم الاستقلال، والحروب الأهلية، والانقلابات العسكرية، والفترات الديمقراطية، وصولاً إلى الحرب الحالية.
وعلى امتداد هذه المسيرة، ظل الجيش السوداني مؤسسة تحمل في داخلها مفارقة تاريخية كبيرة: فهو من جهة أحد أقدم مؤسسات الدولة الحديثة وأكثرها تنظيماً، ومن جهة أخرى أصبح لاعباً سياسياً رئيسياً، وتولى السلطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مراحل متعددة من تاريخ البلاد.
ومن هنا يأتي هذا الملف من *«صدى الحقيقة»*، ليس للاحتفال بالمؤسسة العسكرية فقط، ولا لمحاكمتها سياسياً، وإنما لمحاولة قراءة تاريخها كما هو؛ بما له وما عليه، وبانتصاراته وإخفاقاته، وبأدواره الوطنية والعسكرية والسياسية، وصولاً إلى السؤال الأهم:
كيف انتقل الجيش السوداني من مؤسسة للدفاع عن الدولة إلى أحد أهم الفاعلين في صناعة الدولة والسياسة؟
البداية... قوة دفاع السودان

ترجع النواة الحديثة للجيش السوداني إلى إنشاء "قوة دفاع السودان عام 1925" خلال فترة الحكم الثنائي.
وكانت القوة في بداياتها جزءاً من النظام العسكري الذي أقامته السلطة الاستعمارية، وكان الضباط البريطانيون يحتلون المواقع القيادية العليا فيها، بينما تولى السودانيون بصورة تدريجية مواقع القيادة والرتب المختلفة.
وقد ارتبط إنشاء القوة بترتيبات أمنية وعسكرية فرضتها طبيعة المرحلة الاستعمارية، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى مؤسسة اكتسب أفرادها خبرات عسكرية متراكمة، وأسهمت مشاركاتها في العمليات خارج السودان في بناء خبرة ميدانية مهمة.
وخلال الحرب العالمية الثانية شاركت وحدات سودانية في العمليات العسكرية إلى جانب القوات البريطانية، ومنها العمليات في شرق أفريقيا وشمال أفريقيا، وهو ما منح تلك القوات خبرة قتالية واسعة.
وكانت تلك التجربة جزءاً من الطريق الطويل الذي قاد لاحقاً إلى بناء مؤسسة عسكرية سودانية أكثر استقلالاً.
السودنة... الجيش في الطريق إلى الاستقلال
كان عام 1954 محطة مفصلية.
ففي أغسطس من ذلك العام أصبح *أحمد محمد حمد الجعلي* أول قائد سوداني للجيش الحديث، في خطوة ارتبطت مباشرة بمسار انتقال السودان نحو الاستقلال.
ولذلك أصبحت ذكرى الرابع عشر من أغسطس مرتبطة بعيد القوات المسلحة وذكرى السودنة.
ولم تكن السودنة مجرد تغيير في اسم القائد أو جنسيته، وإنما كانت تعبيراً عن انتقال المؤسسة العسكرية إلى مرحلة جديدة، أصبح فيها السودانيون يتولون قيادة الجيش في دولة كانت تستعد للتحول إلى دولة مستقلة.
وبعد استقلال السودان في الأول من يناير 1956، بدأت عملية بناء الجيش الوطني بصورة أكثر وضوحاً، وتطورت تشكيلاته البرية ثم الجوية والبحرية، واستقرت لاحقاً تسمية المؤسسة على *القوات المسلحة السودانية*.
ومنذ تلك اللحظة أصبح الجيش واحداً من الرموز الأساسية للدولة السودانية المستقلة.
الجيش والاستقلال... مؤسسة في قلب الدولة الجديدة

كان استقلال السودان نقطة تحول بالنسبة للقوات المسلحة.
فالدولة الجديدة كانت بحاجة إلى مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على حماية الحدود والسيادة، في بلد واسع المساحة ومتعدد الأقاليم والمكونات.
لكن عملية بناء الجيش الوطني لم تكن سهلة. فالمؤسسة التي ورثها السودان عن الحكم الاستعماري كانت تحمل إرثاً تنظيمياً وعقائدياً ومهنياً تشكل خلال عقود من الحكم الأجنبي، وكان على الدولة الجديدة أن تعيد تعريف وظيفة الجيش باعتباره جيشاً وطنياً تابعاً للدولة.
وفي الوقت نفسه، كانت التوترات السياسية والإقليمية والاجتماعية تتصاعد.
وفي أغسطس 1955 وقع تمرد في توريت بجنوب السودان، أصبح أحد مقدمات الحرب الأهلية الأولى، وأدخل الجيش السوداني في واحدة من أطول وأعقد الصراعات المسلحة في تاريخ البلاد.
ومنذ ذلك الوقت، لم تعد المؤسسة العسكرية تعمل فقط في إطار الدفاع الخارجي، وإنما أصبحت طرفاً رئيسياً في صراعات داخلية مرتبطة بقضايا الحكم والهوية والتنمية والعلاقة بين المركز والأقاليم.
من الثكنات إلى السياسة
ربما كان أهم تحول في تاريخ الجيش السوداني هو دخوله المباشر إلى الحياة السياسية.
ففي "17 نوفمبر 1958: استولى الفريق إبراهيم عبود على السلطة، منهياً التجربة الديمقراطية الأولى.
وكان ذلك أول انقلاب عسكري ناجح في السودان بعد الاستقلال.
لكن تدخل الجيش في السياسة لم يكن نتيجة عامل واحد.
فقد كانت البلاد تعاني من أزمات حزبية وصراعات داخل البرلمان، كما كانت هناك مخاوف مرتبطة بالاقتصاد والعلاقة مع الجنوب والصراع بين القوى السياسية.
وأياً كانت أسباب الانقلاب، فقد فتح حدث 1958 الباب أمام ظاهرة ستتكرر لاحقاً: *تحول القوات المسلحة من مؤسسة تنفذ قرارات السلطة السياسية إلى مؤسسة تتولى السلطة نفسها.*
ومنذ ذلك التاريخ أصبحت العلاقة بين الجيش والسياسة واحدة من أكبر القضايا في تاريخ السودان الحديث.
عبود... أول تجربة حكم عسكري
استمر حكم الفريق إبراهيم عبود من 1958 حتى ثورة أكتوبر 1964.
وخلال تلك الفترة حاول النظام العسكري تنفيذ مشروعات تنموية وإدارية، لكنه واجه أيضاً معارضة سياسية متزايدة، خصوصاً بسبب إدارة قضية الجنوب.
وفي أكتوبر 1964 خرجت الاحتجاجات الشعبية ضد النظام، وانتهت بسقوطه.
وكانت تلك اللحظة مهمة لأنها أظهرت أن الجيش يستطيع الوصول إلى السلطة، لكنه لا يستطيع بالضرورة الاحتفاظ بها أمام ضغط شعبي واسع. وعادت البلاد إلى الحكم المدني.
لكن العلاقة بين الجيش والسياسة لم تنته.
1969... الجيش يعود إلى السلطة

في 25 مايو 1969 وقع انقلاب عسكري جديد بقيادة العقيد جعفر محمد نميري.
ومرة أخرى أصبحت القوات المسلحة بوابة للوصول إلى السلطة.
لكن تجربة مايو كانت مختلفة من حيث التحالفات السياسية والأيديولوجية.
فقد ارتبط النظام في بداياته بقوى يسارية وقومية، قبل أن تتغير التحالفات بصورة جذرية خلال سنوات الحكم.
وشهدت هذه المرحلة محاولات انقلابية وصراعات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، كان أبرزها انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971، الذي تناولت «صدى الحقيقة» تداعياته في ملف مستقل حول *مجزرة بيت الضيافة*.
وهكذا أصبح الجيش نفسه ساحة للصراع السياسي.
الجيش والحرب الأهلية
لا يمكن كتابة تاريخ الجيش السوداني دون التوقف طويلاً عند الحروب الأهلية.
فمنذ 1955 وحتى اتفاقية أديس أبابا عام 1972، خاض الجيش الحرب الأولى في الجنوب.
ثم اندلعت الحرب الثانية عام 1983، والتي استمرت حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005.
وخلال هذه السنوات، خاضت القوات المسلحة معارك واسعة في الجنوب، كما واجهت حركات مسلحة في مناطق أخرى.
وكانت الحرب الأهلية من أكثر التجارب تأثيراً على تكوين الجيش السوداني وعقيدته وتنظيمه.
كما أنها عمقت العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة، لأن الجيش أصبح أحد أهم أدوات الحفاظ على وحدة السودان في نظر السلطة، وفي المقابل أصبح أحد أطراف الصراع في نظر خصومها.
سوار الذهب... الجيش الذي أعاد السلطة

في أبريل 1985 اندلعت انتفاضة شعبية ضد نظام جعفر نميري.
وفي 6 أبريل، أعلن وزير الدفاع المشير عبد الرحمن سوار الذهب تولي القوات المسلحة السلطة لفترة انتقالية.
لكن تجربة سوار الذهب أصبحت استثناءً مهماً في تاريخ الانقلابات السودانية.
فبعد عام واحد تقريباً، سلم الجيش السلطة لحكومة منتخبة في 1986.
وأصبح سوار الذهب لاحقاً رمزاً لنموذج عسكري مختلف: *جيش يتدخل لإنهاء أزمة سياسية، ثم يعيد السلطة إلى المدنيين.*
وظلت هذه التجربة حاضرة في النقاشات السودانية كلما طُرحت مسألة علاقة الجيش بالحكم المدني.
1989... الجيش والإنقاذ
في 30 يونيو 1989 وقع انقلاب بقيادة العميد عمر حسن أحمد البشير، وأنشأ نظاماً سياسياً استمر ثلاثة عقود.
ومنذ الأيام الأولى للإنقاذ، أصبحت المؤسسة العسكرية جزءاً مركزياً من منظومة الحكم.
لكن السنوات التالية شهدت أيضاً إعادة تشكيل واسعة للمؤسسة العسكرية والأمنية، وظهور تشكيلات وقوات مسلحة أخرى تعمل إلى جانب القوات المسلحة.
وكانت الحرب في الجنوب مستمرة، ثم توسعت الصراعات المسلحة إلى دارفور ومناطق أخرى.
وخلال تلك المرحلة نشأت وتعاظمت قوات الدفاع الشعبي، ثم ظهرت لاحقاً قوات حرس الحدود وقوات الدعم السريع التي تحولت تدريجياً إلى قوة عسكرية كبيرة مستقلة في بنيتها عن القوات المسلحة.
وهنا بدأ أحد أهم التحولات التي ستظهر نتائجه بصورة مأساوية في حرب 2023.
الجيش والدعم السريع... علاقة تحولت إلى صراع

بدأت قوات الدعم السريع في سياق الحرب في دارفور، ثم تطورت إلى مؤسسة مسلحة ذات قيادة وبنية وموارد مستقلة.
وبمرور الوقت أصبحت العلاقة بينها وبين القوات المسلحة السودانية أكثر تعقيداً.
وبعد سقوط نظام البشير عام 2019، أصبح الطرفان جزءاً من ترتيبات السلطة الانتقالية.
وفي 2021 شاركا معاً في إنهاء الشراكة الانتقالية القائمة.
لكن الخلاف حول مستقبل الدولة، وإصلاح القطاع الأمني، وترتيبات دمج قوات الدعم السريع في الجيش، أصبح أحد أهم جذور الأزمة التي انفجرت في أبريل 2023.
# أبريل 2023... الحرب داخل العاصمة
في 15 أبريل 2023 اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
وكانت تلك اللحظة من أخطر اللحظات في تاريخ الجيش السوداني منذ الاستقلال.
لأول مرة يجد الجيش نفسه أمام قوة مسلحة كبيرة ومنظمة تنازعه السيطرة على العاصمة ومواقع الدولة الاستراتيجية.
امتدت الحرب سريعاً من الخرطوم إلى دارفور وكردفان والجزيرة ومناطق أخرى، وتحولت إلى حرب واسعة ذات آثار إنسانية وسياسية واقتصادية هائلة.
ومع استمرار الحرب، أصبحت القوات المسلحة في نظر مؤيديها المؤسسة التي تخوض معركة الحفاظ على الدولة ووحدتها، بينما يرى منتقدوها أن استمرار الحرب واستخدام القوة العسكرية يفاقمان الكارثة الإنسانية.
وفي المقابل، أصبحت مليشيا الدعم السريع ملاحقة باتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وارتكاب الابادة الجماعية، كما واجهت القوات المسلحة وحلفاؤها اتهامات بانتهاكات وأضرار أصابت المدنيين.
ولهذا فإن توثيق الحرب يقتضي عدم تحويل التاريخ إلى رواية دعائية، بل التمييز بين الحقائق الموثقة، والروايات العسكرية، والاتهامات التي تحتاج إلى تحقيق مستقل.
# الجيش في حرب 2023... من الدفاع إلى استعادة المبادرة
بعد الصدمة الأولى للحرب، دخلت القوات المسلحة في معركة طويلة لإعادة السيطرة على المواقع الاستراتيجية.
وشهدت الحرب تغيرات متعددة في موازين القوى. ومع مرور الوقت تمكن الجيش من استعادة مواقع مهمة في الخرطوم ومناطق أخرى، بينما ظلت مليشيا الدعم السريع تسيطر على مناطق واسعة، خصوصاً في دارفور وأجزاء من كردفان والتي باتت تتقلص الآن لصالح الجيش والقوات المساندة له.
وفي عام 2026، تتزامن ذكرى الجيش الـ72 مع استمرار تداعيات الحرب، ومع حديث المؤسسة العسكرية عن تحقيق انتصارات ميدانية وعودة أعداد من المواطنين إلى المناطق التي استعادت القوات المسلحة السيطرة عليها.
لكن الحرب لم تنتهِ بمجرد تغير موازين السيطرة العسكرية.
فالتحدي الأكبر أمام السودان يظل في تحويل أي انتصار عسكري إلى استقرار سياسي وأمني، وإعادة بناء الدولة والمؤسسات، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
# الجيش والسياسة... السؤال الذي لم يُحسم

ربما لا توجد قضية أكثر تعقيداً في تاريخ السودان من علاقة الجيش بالسياسة.
فالقوات المسلحة دخلت السياسة في مراحل مختلفة، وأحياناً كان تدخلها استجابة لأزمات سياسية، وأحياناً أخرى أصبحت جزءاً من الصراع على السلطة.
وبحسب التوثيق التاريخي، شهد السودان منذ الاستقلال خمس تجارب رئيسية لتولي الجيش السلطة أو المشاركة المباشرة في حكم البلاد: عبود 1958، نميري 1969، سوار الذهب 1985، البشير 1989، ثم مرحلة ما بعد سقوط البشير في 2019.
وهذه التجارب جعلت الجيش طرفاً أساسياً في معادلة الحكم.
لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام الدولة السودانية هو:
*هل يمكن بناء دولة مستقرة يكون فيها الجيش قوياً مهنياً، لكنه بعيد عن التنافس السياسي المباشر؟*
فالدولة تحتاج إلى جيش قوي. لكنها تحتاج أيضاً إلى مؤسسات مدنية قوية.
والتجربة السودانية أثبتت أن ضعف المؤسسات السياسية يفتح الباب أمام المؤسسة العسكرية للتدخل.
الجيش... أكثر من مؤسسة عسكرية
رغم الجدل السياسي حول أدواره، ظل الجيش السوداني بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السودانيين مؤسسة وطنية ارتبطت في الذاكرة الشعبية بالدولة والاستقلال والسيادة.
وشارك أفراده في الحروب الخارجية، وفي حماية الحدود، وفي عمليات الإغاثة ومواجهة الكوارث والأزمات.
كما أن للجيش مؤسسات تعليمية وتدريبية وصحية وهندسية وفنية ساهمت في بناء كوادر الدولة خلال عقود.
لكن هذا الدور لا يلغي الحاجة إلى مراجعة المؤسسة وتطويرها.
فالجيش الحديث لا يقوم فقط على السلاح، وإنما على الانضباط، والتعليم العسكري، والتدريب، والاحتراف، والالتزام بالقانون، والقدرة على العمل ضمن مؤسسة دولة واضحة الصلاحيات.
من قوة دفاع السودان إلى الجيش الوطني
يمكن اختصار مسيرة المؤسسة العسكرية السودانية في سلسلة من التحولات:
*1925:* إنشاء قوة دفاع السودان.
*1954:* سودنة قيادة الجيش، وهي الذكرى التي أصبح الرابع عشر من أغسطس مرتبطاً بها.
*1956:* استقلال السودان وبناء الجيش الوطني في الدولة المستقلة.
*1958:* أول انقلاب عسكري ناجح.
*1964:* ثورة أكتوبر وعودة الحكم المدني.
*1969:* انقلاب مايو.
*1971:* انقلاب هاشم العطا وأحداث بيت الضيافة.
*1972:* اتفاقية أديس أبابا وإنهاء الحرب الأولى في الجنوب.
*1983:* اندلاع الحرب الأهلية الثانية.
*1985:* انتفاضة أبريل وانتقال السلطة إلى حكومة انتقالية عسكرية.
*1986:* عودة الحكم المدني.
*1989:* انقلاب الإنقاذ.
*2005:* اتفاقية السلام الشامل.
*2011:* انفصال جنوب السودان.
*2019:* سقوط نظام البشير ودخول الجيش في ترتيبات المرحلة الانتقالية.
*2021:* انقلاب 25 أكتوبر.
*2023:* اندلاع الحرب بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع.
وهذه ليست مجرد تواريخ عسكرية، وإنما هي في معظمها محطات أساسية في تاريخ الجيش والدولة السودانية نفسها.
الجيش السوداني... إرث الاستقلال وعبء السياسة
عندما ننظر إلى تاريخ الجيش السوداني خلال أكثر من سبعة عقود منذ السودنة، نجد مؤسسة مرت بتحولات هائلة.
بدأت كقوة حديثة في ظل الاستعمار، ثم تحولت إلى جيش وطني، وشاركت في بناء الدولة، وخاضت حروباً طويلة، ودخلت السياسة، وتولت الحكم، ثم عادت إلى الثكنات في مراحل، قبل أن تعود إلى قلب المشهد مرة أخرى.
وهذا التاريخ يجعل تقييم الجيش قضية معقدة لا يمكن اختزالها في موقف واحد.
فالجيش ليس فقط قادته الذين تولوا السلطة. وليس فقط الانقلابات التي نفذها بعض ضباطه. كما أنه ليس فقط المعارك التي خاضها.
إنه آلاف الضباط والجنود الذين خدموا في ظروف صعبة، ومؤسسة حملت اسم الدولة السودانية في ساحات القتال، وفي الوقت نفسه ارتبط تاريخها السياسي بتجارب لا تزال موضع جدل.
قراءة في دلالات الذكرى
تأتي الذكرى الثانية والسبعون لسودنة الجيش في ظرف استثنائي.
فالسودان يخوض حرباً غير مسبوقة في تاريخ الدولة الحديثة، فيما أصبحت المؤسسة العسكرية مرة أخرى في مركز الصراع حول مستقبل البلاد.
وهنا ربما تكون أهمية الذكرى أكبر من مجرد الاحتفال.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: *كم عاماً مضى على الجيش؟*
بل:
*أي جيش يحتاجه السودان في المستقبل؟*
السودان يحتاج إلى مؤسسة عسكرية قوية وقادرة على حماية حدوده وسيادته، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أن تكون مؤسسة وطنية جامعة، بعيدة عن الاستقطاب الحزبي، وخاضعة للقانون والدستور والسلطة المدنية المنتخبة.
ويحتاج الجيش بعد انتهاء الحرب إلى عملية إعادة بناء واسعة، تشمل التنظيم والتسليح والتدريب والعقيدة العسكرية، والأهم إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع.
كما أن بناء جيش وطني مستقر لن يكون ممكناً من دون معالجة قضية تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة.
فالتجربة السودانية خلال العقود الماضية أثبتت أن وجود أكثر من مركز مسلح داخل الدولة يحمل في داخله بذور الصراع.
ولهذا فإن بناء دولة مستقرة يقتضي في نهاية المطاف أن تكون هناك *مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، وسلاح واحد، وقرار عسكري واحد، تحت سلطة الدولة.*
جيش الدولة... لا جيش السياسة
بعد 72 عاماً على سودنة قيادة الجيش، وأكثر من مئة عام على نشأة نواته الحديثة، يقف الجيش السوداني أمام واحدة من أكبر لحظات التحول في تاريخه.
فالحرب الحالية ستترك آثاراً عميقة في المؤسسة العسكرية، كما ستفرض عليها مراجعات واسعة في التنظيم والعقيدة والعلاقة مع بقية مؤسسات الدولة.
لكن الدرس الأكبر الذي يمكن استخلاصه من تاريخ الجيش السوداني هو أن قوة المؤسسة العسكرية لا تقاس فقط بقدرتها على خوض الحرب، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية الدولة دون أن تصبح الدولة نفسها.
لقد أثبت التاريخ أن السودان يحتاج إلى جيش قوي، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى دولة قوية ومؤسسات سياسية راسخة.
وعندما يصبح الجيش مؤسسة للدولة لا طرفاً في التنافس على السلطة، وعندما تصبح السياسة مجالاً للتنافس المدني السلمي لا صراعاً داخل الثكنات، يمكن للسودان أن يخرج من الحلقة التي دارت فيها تجربته السياسية منذ الاستقلال.
وفي الذكرى الـ72 للسودنة، ربما يكون أفضل تكريم للجيش السوداني ولأجيال العسكريين الذين خدموا فيه هو أن يتحول إرث المؤسسة من *«جيش شارك في صناعة السلطة»* إلى *«جيش يحمي الدولة التي تصنع سلطتها مؤسساتها وشعبها»*.
فذلك هو المعنى الأعمق لفكرة الجيش الوطني، وهو أيضاً أحد أهم شروط بناء السودان الذي يستطيع أن يعيش بعد الحرب بسلام، ويحافظ على وحدته، ويمنح مؤسساته المدنية والعسكرية مكانها الطبيعي في دولة واحدة.