قرار مفاجئ بعد أيام من التدشين
في خطوة أثارت اهتمام الأوساط المصرفية والاقتصادية، ألغى بنك السودان المركزي الرخصة الممنوحة لشركة "العسجد للحلول الرقمية والذكية المحدودة" كمشغل لمحول المعاملات المالية ومنصة للمدفوعات الرقمية، وذلك بعد أيام قليلة فقط من تدشين المشروع رسمياً في بورتسودان بحضور مسؤولين حكوميين ومصرفيين.
وحتى الآن لم يصدر البنك المركزي بياناً مفصلاً يوضح الأسباب القانونية أو الفنية التي استند إليها القرار، بينما أشارت تقارير إلى أن الخطوة تأتي ضمن مراجعة شاملة لملف نظم الدفع الإلكتروني والرقابة على شركات التقنية المالية.
ويفتح القرار باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية في السودان، وحدود مشاركة القطاع الخاص في إدارة أكثر الأنظمة المالية حساسية.
من هي شركة "العسجد"؟
برز اسم شركة *العسجد للحلول الرقمية والذكية المحدودة* خلال الأيام الماضية بعد حصولها على رخصة تشغيل "محوّل المعاملات المالية" (Financial Switch Operator)، وهو النظام الذي يربط المصارف والمؤسسات المالية في منصة مركزية واحدة تسمح بتنفيذ التحويلات الفورية، ومدفوعات التجزئة، وسداد الفواتير، وإدارة البطاقات المصرفية، بما يمثل أحد أهم مكونات البنية التحتية للمدفوعات الرقمية في البلاد.
وكان المشروع قد قُدم باعتباره خطوة لدعم التحول الرقمي والشمول المالي، إلا أن الإعلان عن الرخصة أثار نقاشاً واسعاً حول طبيعة الشركة وحداثة دخولها إلى هذا القطاع، قبل أن يأتي قرار الإلغاء بعد فترة وجيزة من التدشين.
لماذا يمثل "المحول المالي" قضية سيادية؟
يعد محول المعاملات المالية من أكثر الأنظمة حساسية داخل أي دولة، لأنه لا يقتصر على نقل الأموال بين البنوك، بل يمثل العقدة المركزية التي تمر عبرها ملايين العمليات المالية والبيانات المصرفية يومياً.
ولهذا السبب، تخضع هذه الأنظمة في معظم دول العالم لإشراف مباشر من البنوك المركزية أو لشركات وطنية تعمل وفق ضوابط رقابية صارمة، نظراً لارتباطها بالأمن الاقتصادي والأمن السيبراني والسيادة الرقمية.
ويرى خبراء أن السيطرة على هذا النوع من البنية التحتية لا تقل أهمية عن السيطرة على شبكات الاتصالات أو أنظمة المدفوعات الوطنية، لأنها تمنح القدرة على مراقبة حركة الأموال وضمان استقرار النظام المالي.
هل يحمل القرار أبعاداً تتعلق بالسيادة الاقتصادية؟
في ظل الظروف التي يمر بها السودان، والحرب المستمرة، واتساع الاعتماد على الخدمات المصرفية الإلكترونية، تكتسب قضية إدارة البنية التحتية للمدفوعات بعداً استراتيجياً.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى قرار بنك السودان - إذا كان جزءاً من مراجعة تنظيمية شاملة - باعتباره محاولة لإحكام الرقابة على الأنظمة التي تتعامل مع البيانات المالية الحساسة، وضمان توافقها مع المعايير الفنية والقانونية ومتطلبات الأمن السيبراني.
لكن، وفي المقابل، يؤكد مختصون أن أي مراجعات تنظيمية يجب أن تتم وفق إجراءات شفافة ومعلنة، حتى لا تؤثر في ثقة المستثمرين وشركات التقنية المالية، التي تمثل أحد محركات الاقتصاد الرقمي.
هل توجد سوابق عالمية؟
لا يعد تدخل البنوك المركزية لإيقاف أو سحب تراخيص مشغلي أنظمة الدفع أمراً غير مسبوق.
ففي عدد من الدول، أوقفت السلطات الرقابية تراخيص شركات مدفوعات إلكترونية بعد اكتشاف مخالفات تتعلق بالامتثال أو الحوكمة أو حماية البيانات أو مكافحة غسل الأموال.
ومن أبرز الأمثلة:
* في ألمانيا، فرضت الجهات الرقابية قيوداً واسعة على شركة *وايركارد* قبل انهيارها عام 2020، ثم سُحبت تراخيص مرتبطة بأنشطتها بعد اكتشاف مخالفات مالية جسيمة.
* في المملكة المتحدة، قامت هيئة السلوك المالي بتعليق أو تقييد نشاط عدد من مؤسسات الدفع الإلكتروني خلال السنوات الماضية لحين استيفاء متطلبات الامتثال وإدارة المخاطر.
* وفي الهند، فرض بنك الاحتياطي الهندي قيوداً على بعض شركات التكنولوجيا المالية ومشغلي المحافظ الإلكترونية بسبب قصور في حماية البيانات أو الالتزام بالضوابط التنظيمية.
وتوضح هذه النماذج أن البنوك المركزية تعتبر أنظمة الدفع جزءاً من الأمن المالي الوطني، وتتدخل عند الضرورة لحماية استقرار النظام المصرفي.
بين حماية الاقتصاد وتشجيع الابتكار
التحدي الحقيقي أمام أي بنك مركزي يتمثل في تحقيق التوازن بين هدفين متوازيين:
الأول، حماية النظام المالي الوطني وضمان أمن البيانات والسيادة الرقمية.
والثاني، تشجيع الابتكار والاستثمار في قطاع التقنية المالية، الذي أصبح أحد أسرع القطاعات نمواً في العالم.
فالرقابة الصارمة ضرورية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى وضوح في المعايير، وسرعة في الإجراءات، وعدالة في منح التراخيص وسحبها، حتى لا تتحول البيئة التنظيمية إلى عامل طارد للاستثمار.
ثم ماذا بعد؟
حتى الآن، لا تزال تفاصيل قرار إلغاء رخصة شركة العسجد محدودة، في انتظار بيان رسمي يوضح حيثيات القرار وأسبابه الفنية أو القانونية.
لكن المؤكد أن القضية تجاوزت حدود شركة واحدة، وأصبحت اختباراً لقدرة السودان على بناء منظومة مدفوعات رقمية تجمع بين الابتكار والرقابة، وتحافظ في الوقت نفسه على السيادة الاقتصادية والأمن المالي.
وفي عالم أصبحت فيه البيانات المالية مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية، فإن إدارة البنية التحتية للمدفوعات لم تعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبحت قضية تتعلق بالسيادة الوطنية والثقة في النظام المصرفي ومستقبل الاقتصاد الرقمي السوداني.