في ظل واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية تعقيداً في تاريخ السودان الحديث، بدأت مؤشرات جديدة تلوح في الأفق قد تعكس بداية تحول في مسار الاقتصاد الوطني، بعد أشهر طويلة من الضغوط التي فرضتها الحرب واضطراب الأسواق. فالحكومة السودانية وبنك السودان المركزي شرعا في تنفيذ حزمة من الإجراءات تستهدف إعادة الاستقرار لسوق النقد الأجنبي، وخفض أسعار العملات، وتنشيط القطاع المصرفي، في خطوة تراهن عليها الدولة لفتح الطريق أمام التعافي الاقتصادي.
تراجع في أسعار العملات
أكد وزير المالية ورئيس قطاع التنمية الاقتصادية بمجلس الوزراء، الدكتور جبريل إبراهيم، أن الأوضاع الاقتصادية لا تزال تحت السيطرة، مشيراً إلى أن السياسات التي نُفذت بالتنسيق مع بنك السودان المركزي بدأت تحقق نتائج ملموسة، تمثلت في انخفاض أسعار صرف العملات الأجنبية خلال الأيام الماضية، مع توقعات باستمرار هذا الاتجاه خلال الفترة المقبلة.
وأوضح الوزير أن الحكومة تعمل على ضبط الأسواق وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مبيناً أن تراجع أسعار العملات سينعكس تدريجياً على أسعار الوقود والسلع الاستراتيجية، داعياً المواطنين إلى عدم الالتفات للشائعات أو المضاربات التي قد تؤثر على حركة الأسواق.
المركزي يواصل ضخ النقد الأجنبي
وفي إطار الجهود الرامية إلى استقرار سوق الصرف، أعلن بنك السودان المركزي استمرار ضخ العملات الأجنبية للمصارف التجارية لتلبية احتياجات المستوردين، مؤكداً أن هذه السياسة أسهمت بصورة مباشرة في خفض سعر الصرف والحد من نشاط السوق الموازية.
وخلال اجتماع ضم محافظ البنك المركزي آمنة ميرغني حسن التوم ومديري المصارف التجارية، شددت المحافظ على أهمية التنسيق الكامل بين البنك المركزي والجهاز المصرفي لضمان نجاح السياسة النقدية، مؤكدة استمرار عمليات ضخ النقد الأجنبي حتى عودة الأوضاع الاقتصادية إلى مستوياتها الطبيعية.
كما دعت المصارف إلى رفع طلبات تمويل الاستيراد بصورة يومية لضمان سرعة الاستجابة لاحتياجات السوق.
انفتاح مصرفي على دول الخليج
وفي خطوة تستهدف تعزيز حركة التجارة الخارجية، كشف البنك المركزي عن ترتيبات لإقامة علاقات مراسلة مصرفية مع سلطنة عُمان ودولة قطر والمملكة العربية السعودية، بما يسهم في تسهيل عمليات التبادل التجاري عبر القنوات المصرفية الرسمية وتقليل الاعتماد على السوق الموازية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تمثل تحولاً مهماً في استعادة الثقة بالنظام المصرفي السوداني وربطه مجدداً بالأسواق الإقليمية.
التحول الرقمي يحقق أرقاماً قياسية
بالتوازي مع جهود استقرار سوق النقد، سجل القطاع المصرفي تقدماً ملحوظاً في مجال التحول الرقمي، حيث أعلن بنك السودان المركزي أن عدد المعاملات المنفذة عبر خدمة رقم الحساب المصرفي الأساسي (BBAN) تجاوز 234 مليون معاملة خلال الفترة بين عام 2025 والنصف الأول من عام 2026.
وبحسب تقرير البنك، ارتفع عدد العمليات المصرفية من أكثر من 92.8 مليون معاملة في عام 2025 إلى أكثر من 141.4 مليون معاملة خلال النصف الأول من عام 2026، بنسبة نمو بلغت 52.44%، في مؤشر يعكس اتساع الاعتماد على الخدمات المصرفية الإلكترونية وتعزيز الشمول المالي.
دعم من القطاع المصرفي
وأشاد رئيس اتحاد المصارف السوداني، عباس عبد الله عباس، بالسياسات التي ينتهجها البنك المركزي، مؤكداً أن استمرار توفير النقد الأجنبي للمستوردين ساعد بصورة واضحة في تحسين سعر الصرف واستقرار السوق.
كما شدد مسؤولو المصارف التجارية على ضرورة تحديث الأنظمة المصرفية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يعزز الثقة في القطاع المصرفي ويهيئه للاندماج بصورة أكبر مع النظام المالي العالمي.
خبراء: الإصلاح الحقيقي يبدأ بالإنتاج
ورغم المؤشرات الإيجابية، يرى خبراء الاقتصاد أن استقرار سعر الصرف وحده لا يكفي لتحقيق التعافي الاقتصادي.
وأكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمود سراج الدين أن الاقتصاد السوداني يحتاج إلى رؤية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة، تقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة النشاط الإنتاجي، وزيادة الصادرات، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الثقة في الجهاز المصرفي.
وأضاف أن السودان يمتلك موارد زراعية ومعدنية وبشرية ضخمة، إلا أن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية يتطلب إدارة اقتصادية قائمة على التخطيط والشفافية، إلى جانب إرادة سياسية قادرة على تنفيذ الإصلاحات.
كما يرى اقتصاديون أن المرحلة الحالية تستدعي قرارات أكثر جرأة لمعالجة الاختلالات الهيكلية، ومحاربة المضاربات، وتشجيع الاستثمار والإنتاج، باعتبارها الركائز الأساسية لاستقرار العملة وتحسين المستوى المعيشي.
اختبار حقيقي
ورغم التحسن النسبي في مؤشرات سوق الصرف، فإن الطريق نحو التعافي الاقتصادي لا يزال مليئاً بالتحديات. فنجاح الإجراءات الحكومية سيظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في أسعار السلع والخدمات، واستعادة النشاط الإنتاجي، وتعزيز ثقة المستثمرين والقطاع المصرفي.
ويبقى الاقتصاد السوداني أمام اختبار حقيقي، عنوانه الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد منتج ومستدام، قادر على استثمار موارد البلاد وتحويلها إلى قوة دافعة للنمو والاستقرار، بما يضع السودان على طريق التعافي الاقتصادي المنشود.