صدى الحقيقة

المشهد السوداني وآفاق الحسم: قراءة في ديناميات الصراع ومسارات ما بعد الحرب

د. تيسير محمد عثمان
د. تيسير محمد عثمان
✍️ كتابات حرة
28 Oct 2026 • 👁 3
شارك الخبر:

مقدمة

يمثل الصراع و الحرب الدائرة في السودان بين الجيش الوطني وقوات الدعم السريع المسلحة المتمردة واحدة من أعقد الأزمات الأمنية والسياسية التي شهدتها المنطقة في العقود الأخيرة. فقد اندلع القتال في مرحلة حرجة من التحوّل السياسي، وتزامن مع تحديات اقتصادية وإنسانية عميقة، الأمر الذي جعل إدارة الصراع أكثر تعقيداً وتشابكاً.

وبحسب الرأي الشعبي العام داخل السودان، تتجه المواقف نحو تأكيد أهمية استعادة الدولة لهيبتها وإنهاء التمرد بقوة القانون عبر حسم عسكري كامل، باعتباره الضامن الوحيد لعودة الاستقرار ووقف التهديدات المستمرة على الأمن الوطني.

أولاً: طبيعة الصراع وأبعاده الاستراتيجية

يمكن توصيف الصراع الراهن بأنه عدوان على الدولة الى مواجهة بين:

1. جيش وطني يمثل الدولة ويحمل تفويضاً دستورياً لحماية السيادة والحدود والمؤسسات.

2. مليشيا متمردة (كأداة للعدوان ) تحوّلت تدريجياً إلى فاعل عسكري - اقتصادي غير شرعي، واعتمدت على دعم خارجي سياسي ولوجستي و مرتزقة من عدة دول، يُشار إلى أن أبرزها و اولها الإمارات العربية المتحدة وفق تقارير وتحليلات إقليمية ودولية و ادلة دامغة بحوزة الحكومة السودانية .

هذا الدعم عزّز قدرات المليشيا، وأطال أمد الحرب، ورفع تكلفة الاستقرار، وجعل الصراع يتجاوز طبيعته المحلية ليأخذ أبعاداً إقليمية تتعلق بممرات التجارة الدولية والذهب والموارد وعلاقات القوى في البحر الأحمر.

ثانياً: الرأي الشعبي واتجاهات المجتمع

على الرغم من التعقيدات السياسية، فإن ما يمكن رصده من الاتجاهات العامة يشير إلى:

اصطفاف شعبي واسع خلف الجيش الوطني.

رفض واضح لوجود أي قوة موازية للقوات المسلحة.

مطالبة عامة بإنهاء التمرد باعتباره تهديداً مباشراً لوحدة الدولة ولأمن المواطنين.

زيادة الوعي الشعبي بخطورة التدخلات الخارجية وتأثيرها على إطالة أمد الحرب.

هذا الاصطفاف المجتمعي يعكس وعياً متقدماً بأهمية الدولة المركزية وبنية الأمن القومي، إضافة إلى إدراك المواطنين لمخاطر تفكك المؤسسات.

ثالثاً: السيناريوهات المستقبلية المتوقعة

يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الحرب:

1. سيناريو الحسم العسكري الشامل

وهو السيناريو الذي يتسق مع:

موقف الجيش الوطني واستراتيجيته المعلنة.

المزاج الشعبي العام.

تراجع قدرات المليشيا بفعل الاستنزاف العسكري والجغرافي.

يؤدي هذا السيناريو إلى:

إعادة بسط سلطة الدولة.

بدء عملية التعافي وإعادة الإعمار.

إعادة بناء مؤسسات العدالة والحوكمة.

هذا السيناريو مرجّح على المدى المتوسط إذا استمر تدفق الدعم المجتمعي للدولة وتم تحييد الدعم الخارجي للمليشيا.

2. سيناريو التسوية السياسية تحت ضغط دولي

قد تسعى بعض الأطراف الخارجية إلى فرض تسوية جزئية أو هدنة طويلة، تهدف إلى:

إعادة دمج المليشيا أو منحها وضعاً سياسياً.

وقف العمليات العسكرية دون معالجة جذور الأزمة.

هذا السيناريو يفتقر إلى الحاضنة الوطنية، وقد يؤدي إلى تجميد الصراع وليس إنهاءه.

3. سيناريو الإطالة عبر دعم خارجي مستمر

وهو سيناريو يتغذى على:

استمرار الدعم الخارجي للمليشيا.

عدم قدرة المجتمع الدولي على الوصول إلى موقف موحّد.

يؤدي إلى:

حالة حرب منخفضة التكلفة طويلة الأمد.

مزيد من التفكك الاجتماعي والاقتصادي.

إلا أن قدرة الدولة السودانية والمجتمع على امتصاص هذا السيناريو محدودة، ما يجعله أقل قابلية للاستمرار.

رابعاً: متطلبات مرحلة ما بعد الحرب

بغض النظر عن السيناريو النهائي، فإن السودان سيحتاج إلى حزمة إجراءات استراتيجية، أهمها:

1. إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية وفق عقيدة موحدة.

2. وضع إطار وطني للعدالة الانتقالية يعالج الانتهاكات دون المساس بوحدة الدولة.

3. استعادة الموارد الاستراتيجية من المناجم والمعابر والموانئ.

4. إطلاق برنامج التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

5. تعزيز الحكم المحلي والخدمات الأساسية لكسب ثقة المواطنين.

خاتمة

إن الصراع و العدوان الحالي ليس مجرد مواجهة عسكرية، وإنما معركة على مستقبل الدولة السودانية ووحدتها واستقرارها. ويظل سيناريو استعادة الدولة لسلطتها كاملة الأكثر انسجاماً مع الواقع الداخلي والمزاج الشعبي، والأقدر على إغلاق دورة الحرب وفتح باب لإعادة بناء السودان على أسس أمنية ومؤسسية سليمة .

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.