الحمد لله الذي جعل بيته الحرام مثابةً للناس وأمنًا، ورفع قدر شعائره، وجعل القرآن الكريم هدايةً للقلوب والعقول، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
فقد طالعتُ ما نُشر من حديث منسوب إلى الكاتب السوداني ياسر العديرقاوي عن زيارته مكة المكرمة والمدينة المنورة، وما أورده بشأن الكعبة المشرفة، والسعي بين الصفا والمروة، والسلام على رسول الله ﷺ، والصلاة في الروضة الشريفة، وما انتهى إليه من استنتاجات أثارت جدلًا واسعًا لدى كثيرين ممن قرؤوا حديثه.
وليس من الحكمة أن نواجه كل رأي مخالف بالغضب وحده، كما ليس من الإنصاف أن نمرّ على الكلام الذي يتناول مقدسات الأمة مرورًا عابرًا، من غير مناقشة علمية تكشف مواضع الصواب والخطأ فيه. فبين الانفعال الذي يعمي البصيرة، والصمت الذي يترك الشبهات بلا جواب، طريقٌ ثالث هو طريق العلم والبيان.
ومن هذا المنطلق، نضع هذه الوقفات أمام القارئ الكريم.
أولًا: الكعبة المشرفة ليست إلهًا يُعبد، وإنما بيت الله الحرام
تساءل الكاتب عن كيفية اختزال الله سبحانه وتعالى في هذا البيت، مستغربًا أن يرى الناس في الكعبة موضعًا للتعظيم والخشوع.
وهنا ينبغي أن نوضح حقيقةً لا يختلف عليها المسلمون: إن الله سبحانه وتعالى ليس محصورًا في مكان، ولا تحيط به جدران، ولا يحتاج إلى بيت أو جهة. وإنما الكعبة قبلة المسلمين وبيت الله الحرام الذي شرّفه وعظّمه، وجعل التوجه إليه في الصلاة من شعائر الإسلام.
قال تعالى:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقال سبحانه:
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
فالمسلم لا يعبد الحجر، ولا يعتقد أن الله حالٌّ في الكعبة، وإنما يعبد الله الذي أمره بتعظيم بيته وأداء شعائره. وهذا فارق جوهري ينبغي ألا يضيع وسط العبارات المثيرة للجدل.
إن السؤال عن الحكمة من تعظيم الكعبة سؤال يمكن أن يُجاب عنه بالعلم، لكن تحويله إلى تصوير يوحي بأن المسلمين اختزلوا الخالق في بناءٍ من الحجر يخلط بين عقيدة المسلمين الحقيقية وبين تصور لا يقولون به.
ثانيًا: الشعور الشخصي ليس ميزانًا للحقيقة الدينية
ذكر الكاتب أنه لم يشعر بالرهبة أو الروحانية حين رأى الكعبة المشرفة، وأن الأمر كان عنده عاديًا، بل أحسّ بشيء من الانقباض والحزن.
ونحن لا نحاكم القلوب، ولا نزعم أن كل من دخل الحرم لا بد أن يبكي، أو أن كل من لم تدمع عيناه قد نقص إيمانه. فالمشاعر الإنسانية تختلف، وقد يحضر الخشوع في قلب إنسان هادئ لا تدمع عيناه، وقد يبكي آخر تأثرًا بالمشهد والذكرى والدعاء.
لكن المسألة التي تستحق المناقشة هي تحويل التجربة الشخصية إلى منطلق للتقليل من شأن شعائر عظّمها الله تعالى.
إن عدم شعور شخص بعاطفة معينة لا ينفي فضل المكان، كما أن شعوره الشخصي لا يصبح حكمًا شرعيًا على الآخرين. فالأحكام الدينية تُبنى على الوحي والدليل، لا على مقدار الانفعال الذي يختبره فرد في لحظة من اللحظات.
والكعبة المشرفة لا تستمد حرمتها من انطباعات الزائرين؛ وإنما تستمد مكانتها من أمر الله تعالى وتعظيمه لها.
ثالثًا: الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله
ومن أكثر ما يستوقف القارئ في النص حديث الكاتب عن السعي بين الصفا والمروة، وقوله إنه شكّ في علاقة الأعمدة التي رآها بالمكان، ثم رفض مواصلة السعي مع رفقائه.
قال الله تعالى بوضوح:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
والسعي بينهما عبادة مقررة في مناسك الحج والعمرة، ولها أحكام معلومة عند أهل العلم. وليست هذه الشعيرة مجرد حركة بدنية، بل عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه امتثالًا لأمره واتباعًا لهدي نبيه ﷺ.
وإذا التبس على زائر موضعٌ من المواضع، أو لم يفهم تنظيم المسعى، فالباب مفتوح للسؤال والتعلم والرجوع إلى أهل الاختصاص. أما أن تتحول الحيرة الشخصية إلى استهانة بالشعيرة أو رفض لأدائها، فذلك مسلك لا يخدم الحقيقة ولا ينفع صاحبه.
والواجب على من يقصد بيت الله الحرام أن يتعلم أحكام نسكه قبل أدائه، وأن يسأل أهل العلم إذا أشكل عليه أمر، لا أن يجعل تصوره الفردي معيارًا لقبول الشعائر أو رفضها.
رابعًا: الروضة الشريفة ليست صكًا لدخول الجنة
تساءل الكاتب عن الحكمة من الصلاة في الروضة الشريفة، وهل الصلاة فيها تضمن دخول الجنة، وهل تعني أن من صلى فيها دخل الجنة الحقيقية ولن يخرج منها.
والجواب واضح: لا يصح أن يزعم أحد أن مجرد الصلاة في موضع معين تمنح الإنسان ضمانًا مطلقًا لدخول الجنة، ما لم يثبت ذلك بدليل شرعي صحيح.
وقد ثبت عن النبي ﷺ قوله:
«ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة».
وهو حديث صحيح مشهور، رواه البخاري ومسلم بألفاظه المعروفة. وقد شرح العلماء معناه وذكروا في دلالته أقوالًا، وليس في الحديث وعدٌ بأن كل من صلى في الروضة صار مستحقًا للجنة قطعًا، مهما كان حاله وعمله.
إن فضل الروضة لا يحتاج إلى اختراع وعود لم ترد في النصوص، كما أن عدم وجود ضمان مطلق لدخول الجنة بسبب الصلاة فيها لا ينفي فضلها.
فالمسلم يرجو رحمة الله، ويعمل بطاعته، ويتبع سنة نبيه ﷺ، ويعلم أن النجاة برحمة الله والإيمان والعمل الصالح، لا بمجرد التعلق بمكان أو الاكتفاء بمظهر من مظاهر العبادة.
ومن حق كل إنسان أن يسأل عن الحكمة، لكن من واجبه أيضًا أن يتحرى الإجابة العلمية قبل أن يبني على السؤال استنتاجًا عامًا.
خامسًا: السلام على رسول الله ﷺ وتعظيم مقامه
تحدث الكاتب عن مروره بالسلام على النبي ﷺ، وعن عدم شعوره بما شعر به آخرون من التأثر والبكاء.
ونقول هنا إن البكاء ليس شرطًا لصحة السلام، ولا مقياسًا وحيدًا للمحبة، كما أن عدم البكاء لا يجيز لنا الحكم على ضمائر الناس. فالمحبة الصادقة تظهر في الإيمان برسول الله ﷺ، واتباع سنته، والاقتداء بأخلاقه، والصلاة والسلام عليه.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
إن مقام رسول الله ﷺ محفوظ بما رفعه الله به من النبوة والرسالة، وليس محتاجًا إلى أن يبكي كل زائر عند قبره كي تثبت مكانته. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي اتخاذ اختلاف المشاعر ذريعةً للسخرية من الذين يغلبهم الشوق أو التأثر.
فالناس تتفاوت أحوالهم، والميزان هو ما جاء به الشرع، لا المقارنة بين دمعة إنسان وهدوء آخر.
سادسًا: القرآن الكريم وتعظيم الشعائر ليسا طريقين متعارضين
انتهى الكاتب إلى أن ما ذاقه من مشاعر تدبر القرآن لا يمكن أن يشعر بمثله حتى لو فُتحت له الكعبة لينام داخلها.
ونحن نؤكد أن تدبر القرآن من أجلّ أبواب الهداية، وأن كتاب الله تعالى أصل الدين ومصدر النور والبصيرة. ولا خلاف في أن قراءة القرآن بتدبر وفهم معانيه والعمل به من أعظم ما يحيي القلوب.
لكن أين التعارض بين تدبر القرآن وتعظيم البيت الحرام؟ وأين الدليل على أن محبة القرآن تقتضي التقليل من شأن شعائر الله؟
إن القرآن نفسه هو الذي أخبرنا بحرمة البيت، وفضل الحج، ومكانة الصفا والمروة، وأمر بتعظيم شعائر الله. فلا يصح أن نجعل تعظيم الوحي ذريعةً إلى الانتقاص من أحكام جاء بها الوحي ذاته.
إن المسلم الذي يتدبر القرآن حق التدبر يزداد معرفةً بأوامره، وفهمًا لحكمه، واحترامًا لما شرعه الله تعالى. ولا يعني ذلك أن كل سؤال عن شعيرة اعتراض عليها، وإنما يعني أن السؤال ينبغي أن يقود إلى العلم، لا إلى الاستهانة أو إصدار الأحكام من غير برهان.
سابعًا: المقدسات مسؤولية، والكلمة أمانة
إن تناول قضايا الدين والمقدسات في الفضاء العام مسؤولية كبيرة، ولا سيما حين تكون العبارات قابلة لإثارة الجدل بين الناس.
ومن حق الكاتب أن يعرض أفكاره، ومن حق القراء أن يناقشوها، لكن حرية التعبير لا تعفي أحدًا من مسؤولية الدقة والإنصاف. كما أن الاختلاف الفكري لا يبرر اتهام الأشخاص في نياتهم، أو إطلاق أحكام التكفير عليهم دون علم وضوابط.
ولا يكفي أن نصف شخصًا بأنه ينتمي إلى تيار فكري معين كي نكون قد ناقشنا حجته. فالموقف العلمي الصحيح يبدأ من النص نفسه، ويفحص عباراته، ويميز بين ما قاله صراحةً وما استنتجه القارئ من كلامه.
ولذلك فإن نقدنا هنا منصبٌّ على الأفكار الواردة في النص المنقول، وعلى ما نراه من خلط بين التجربة الشخصية والحكم الديني، لا على إصدار حكم نهائي على باطن صاحبه أو نيته.
أما ما أثير بشأن تأشيرة العمرة، فلا ينبغي أن يتحول إلى اتهام لجهة بعينها دون معلومات موثقة. فالتأشيرة إجراء إداري، والحكم على أهلية شخص أو مخالفته للنظام يتطلب معرفة الوقائع والأنظمة ذات الصلة.
الخاتمة: نعظّم ما عظّمه الله، ونناقش بالحجة والبرهان
يا أبناء أمتنا، إن الكعبة المشرفة ليست مجرد بناء في أعين المسلمين، وليست حجرًا يُعبد، وإنما هي بيت الله الحرام الذي عظّمه سبحانه وجعله قبلةً لعباده. وإن الصفا والمروة شعيرتان من شعائره، وإن مقام رسول الله ﷺ محفوظ في قلوب المؤمنين باتباع هديه والصلاة والسلام عليه.
لا نطالب الناس بأن تتشابه دموعهم، ولا نحاكمهم إلى انفعالاتهم العابرة، ولكننا نرفض أن تتحول المشاعر الفردية إلى معيار للحكم على الشعائر التي ثبتت مكانتها بالوحي.
ومن أراد أن يناقش مسألة دينية فليأت بالدليل، ومن أشكل عليه حكم فليسأل أهل العلم، ومن خالف في الرأي فليحفظ للناس حقهم في النقاش دون سخرية أو تجريح. فالدين أمانة، والمقدسات حرمة، والكلمة مسؤولية.
إننا ندافع عن مقدساتنا بالعلم والوقار، ونواجه الشبهات بالحجة والبرهان، ونحفظ ألسنتنا عن التسرع في تكفير الأشخاص؛ فذلك أجدر بالحق، وأقرب إلى العدل، وأبقى أثرًا في النفوس.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والقلب الخاشع، والبصيرة في الدين، وأن يحفظ بيتَه الحرام، ومسجد نبيه ﷺ، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، وأن يجنب أمتنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
والله من وراء القصد.