صدى الحقيقة

كذبة أكتوبر… المؤتمر الوطني ليس حزباً في جيب خواجة!

ياسر الفادني
ياسر الفادني
✍️ من أعلي المنصة
21 Oct 2026 • 👁 1
شارك الخبر:

الأنباء التي تحدثت عن لقاء بعض قيادات المؤتمر الوطني بمندوب دولة أوروبية في القاهرة، قبل أن تنفي قيادة الحزب علمها به وتؤكد عدم تكليف مؤسساتها لأي شخص بهذه الخطوة، تفتح الباب أمام أسئلة عديدة، وتجعل الواقعة أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ(كذبة أكتوبر)! لكن بعيداً عن صحة الرواية من عدمها، فإن القضية الأهم هي أن هناك من لا يزال يقرأ المؤتمر الوطني دون أن يعرف طبيعة بنائه التنظيمي أو كيف تُصنع قراراته

لست هنا في مقام المحاباة للحزب أو منحه صك براءة، وإنما في مقام قراءة المشهد، فالمؤتمر الوطني، بحكم تجربته وبنيته، ليس مجموعة أفراد يجمعهم شخص، ولا كياناً تُحدد مواقفه بمكالمة أو لقاء في فندق أو عاصمة أجنبية، إنه حزب يقوم على المؤسسات والشورى، ولا يُختزل قراره في تصرف فرد مهما علا موقعه التنظيمي

فليس كل من جلس إلى خواجة يمثل حزباً، وليس كل من صافح دبلوماسياً يحمل تفويضاً من مؤسسته، وليس كل صورة في قاعة مغلقة تعني أن قراراً سياسياً قد صُنع. السياسة ليست ألبوم صور، والأحزاب لا تُقيم بالتسريبات، بل بقدرتها على ضبط مؤسساتها وتحديد مواقفها ومحاسبة من يتجاوز تفويضه إن ثبت ذلك

لقد مرّ المؤتمر الوطني بمرحلة عصيبة عقب ثورة ديسمبر، ودخل عدد من قياداته السجون، وتعرضت بنيته التنظيمية لضغوط هائلة، ومع ذلك ظل اسمه حاضراً في المشهد السياسي، وهنا يكمن السؤال: لماذا تصمد بعض التنظيمات أمام العواصف، بينما تنهار أخرى عند أول امتحان، فلا يبقى منها إلا اسم في البيانات أو حزب في الجيب الخلفي لبعض قياداته؟

الفارق يكمن في طبيعة البناء التنظيمي، وقدرة المؤسسة على استيعاب الصدمات، ووجود كوادر سياسية وفكرية تقرأ الحاضر وتستشرف المستقبل، بدلاً من الارتهان لردود الأفعال، لذلك فإن اعتبار المؤتمر الوطني جسماً انتهى بمجرد خروجه من السلطة قراءة لا تستوعب تعقيدات الواقع السياسي

حتى لو ثبت انعقاد لقاء القاهرة، فإن السؤال ليس فقط: من قابل من؟ بل هل كان اللقاء بتكليف رسمي؟ وهل امتلك المشاركون تفويضاً مؤسسياً؟ وهل ترتبت عليه قرارات ملزمة للحزب؟ فالقفز من خبر غير مكتمل إلى محاكمة سياسية شاملة أشبه بمن رأى دخاناً في آخر الشارع فأعلن احتراق المدينة كلها!

اكتشاف المزيد

استكشف التاريخ

اقرأ أحدث الصحف

صحيفة

إن سقف القضايا التي ينبغي أن تشغل القوى السياسية السودانية أكبر من لقاء مع مسؤول أوروبي، فالسودان يواجه حرباً تهدد وحدته، وتحديات تمس سيادته، وتدخلات خارجية تثير المخاوف على مستقبله، الأولوية هي حماية القرار الوطني، ومنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، وضمان أن تظل القوات المسلحة المؤسسة الوطنية المعنية بالدفاع عن البلاد وسيادتها

إني من منصتي أنظر… حيث أرى…. أن لقاء القاهرة، سواء ثبتت تفاصيله أم لم تثبت، لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة جاهزة للمؤتمر الوطني، ولا إلى شهادة براءة مجانية له ، المعيار هو الدليل والتفويض والموقف المؤسسي؛ فالأحزاب ليست فوق المساءلة، لكنها كذلك لا تُختزل في رواية لم تكتمل فصولها.

أما (كذبة أكتوبر) ! ، إن كان وراءها تضخيم أو توظيف سياسي، فلن تكون أول رواية في سوق السياسة السودانية، ولن تكون الأخيرة. لكن المشكلة أن البعض يريد أن يجعل من كل خواجة صانع قرار، ومن كل لقاء مؤامرة مكتملة، ومن كل تسريب نهاية حزب بأكمله!

فالمؤتمر الوطني ليس شنطة يحملها فرد، ولا جيباً خلفياً يضع فيه خواجة ما يشاء؛ فالسياسة ليست (ونسة) مجالس، والاتهامات لا تصنع حقائق… وبين الشائعة والدليل مسافة لا يقطعها إلا الدليل !.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.