عمر البرلمان هو الفترة التي يتولى فيها النواب الجدد مهامهم إلى حين انتهاء تفويضهم، لتبدأ بعدها دورة جديدة بنواب جدد أو تُجدَّد ثقة الناخبين في السابقين. خلال التجربة البرلمانية السودانية، كان عمر البرلمان يتراوح بين أربع إلى خمس سنوات.
هذا الوضع أدى إلى قصور كبير في أداء النواب والبرلمان بأكمله؛ إذ كانت الجلسات تُعقد في دورتين فقط في العام—واحدة في النصف الأول والأخرى في الثاني—ولمدة ثلاثة أشهر لكل منهما، بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع، ولـ 4-5 ساعات فقط في اليوم.
لكن الأثر الأعمق والأخطر لهذا الطول الزمني تجلّى في تحويل التنافس الانتخابي إلى صراع وجودي؛ فالأحزاب الخاسرة تستطيل فترة غيابها عن السلطة (4 أو 5 سنوات)، فتلجأ للتآمر على الحياة البرلمانية والعملية الديمقراطية بشتى الطرق. وينطبق الأمر ذاته على المرشحين، لا سيما في ظل “التفرغ السياسي” الذي يرفع حدة الاستقطاب والحزبية.
إنّ تقصير عمر البرلمان يخدم العمل النيابي رأسياً وأفقياً:
*رأسياً:* عبر رفع كفاءة النواب وقدراتهم في الاستجابة السريعة.
*أفقياً:* عبر تسريع إيقاع العمل البرلماني لتعظيم العائد التشريعي والرقابي.
كما أن قِصر الدورة البرلمانية يزيل “فوبيا الانتخابات” لدى القوى السياسية؛ إذ تدرك الأحزاب أنها قادرة على مراجعة وضعها وتحسينه بصورة مستمرة دون الحاجة لانتظار سنوات طويلة.
والقاعدة الذهبية تقول: كلما قلّت الفترة الزمنية، ارتفع الإيقاع؛ لحاجة الجميع لإحراز أهداف في أقل وقت ممكن. لاعب كرة القدم يبذل جهداً خارقاً لأن زمن المباراة 90 دقيقة فقط، ولو كانت المباراة تستمر 12 ساعة مثلاً، لاختلف الإيقاع والجهد والحماس، ولربما تفصل بين الهدف والآخر 6 ساعات كاملة!
في النظام النيابي الأمريكي، يُنتخب مجلس النواب كل عامين (في كل سنة زوجية)، ويُعد من أكثر النظم البرلمانية استقراراً وكفاءة وتأثيراً في العالم. أما مجلس الشيوخ فيُنتخب عبر التجديد الجزئي لثلث المقاعد كل عامين أيضاً.
سبق لي أن اقترحتُ تطبيق هذه الفكرة في السودان: أن تكون الدورة البرلمانية عامين فقط، وتُجرى انتخابات تجدد البرلمان كاملاً بنهايتها. إن قِصر الدورة يفرض إصلاحات هيكلية رفيعة المستوى لرفع كفاءة المؤسسة التشريعية.
ومن أهم هذه الإصلاحات: تعويض قِصر عمر الدورة بزيادة ساعاتها الإنتاجية؛ فتكون أيام العمل أسبوعياً خمسة أيام بدلاً من ثلاثة، وتكون ساعات العمل الرسمية من العاشرة صباحاً حتى الرابعة عصراً (6 ساعات). وبدلاً من العطلات الطويلة التي كان يتمتع بها النواب سابقاً، تُقرّ عطلة سنوية واحدة لا تزيد عن شهر؛ وبذلك يصبح العمر الإنتاجي للبرلمان الجديد أضعاف ما كان عليه في النظام القديم.
وبحسبة رياضية بسيطة لعدد الساعات:
* في البرلمان القديم (عمر 5 سنوات):
* ساعات العمل اليومية: 4 ساعات.
* الأسبوعية: 12 ساعة (3 أيام عمل).
* الدورة الواحدة (3 أشهر / 12 أسبوعاً): 144 ساعة.
* السنة الواحدة (دورتان / 6 أشهر): 288 ساعة.
* الإجمالي في 5 سنوات: 1,440 ساعة عمل فقط.
* في المقترح الجديد (عمر سنتين):
* ساعات العمل اليومية: 6 ساعات.
* الأسبوعية: 30 ساعة (5 أيام عمل).
* السنة الواحدة (40 أسبوع عمل تقريباً بعد خصم العطلات): 1,200 ساعة.
* الإجمالي في سنتين: 2,400 ساعة عمل.
النتيجة:
من الواضح أن الصيغة المقترحة للبرلمان الجديد تُضاعف العمر الإنتاجي للعمل البرلماني بأكثر من مُثلي ما كان عليه (يقارب ضعفَي الإنتاج القديم في أقل من نصف الوقت) مقارنة بالتجارب البرلمانية منذ الاستقلال.
هذا الحساب ينظر للجانب الرقمي فقط؛ وعندما نُضيف إليه ارتفاع أداء النواب وتطور كفاءتهم بفعل الإصلاحات المقترحة الأخرى، فإن العائد النهائي للعمل البرلماني سيشكل دفعاً وقوة محركة لنهضة الدولة السودانية الحديثة.