(ميمون المحيا، ذو البشائر، عفيف، كالأنسام عطرًا وسجايا).. سريعًا ما يخطر على البال (إنسان) مألوف، يعرفه الناس (صباح خير)، فيتحرون طلعته أينما اتجهوا.. تذكرت الصحافي الذكي الحادب على مسار البلد في كل حين.. لنا أن نتصوره هكذا، متدثرًا بهذا الذي أفاض فيه شاعرنا المقدام صلاح أحمد إبراهيم.. إنه قرين جملة شمائل وهو يمشي، متواصلًا – من خير إلى خير.. ثم إنه صانع خبر (غير قابل للنفي)!.. هو شخص واحد متعدد الوشائج والمناقب.. داعية إصلاح وتسامح وحسنى، ديدنه (عمل الخير) بلا حدود، يمسي عليه ويصبح، هاجسه اليومي، يصر على التميز فيه، وبه، ينافس فيه نفسه بإصرار.. ربما كان ذلك وراء شهرته بين عامة الناس.. وهناك من تصادف أنهم مشاهير حاضرة البلاد، قيادة الدولة والمؤسسات الدستورية والصحافية والإعلامية، و(أي زول فيه خير).. يتفرد بالتواضع والعمل في صمت وبذكاء، فله أفكاره التي تترى، وبها ينطلق متوكلًا، إلى أن غادر بها فجأة – ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كان عالمًا من الأسرار.. سر السلوى في فقده كامن في التماس الوفاء له، وقد عُرف وفيًّا، واستدعاء الذكرى النبيلة فيه وفيمن فقدنا، والدعاء لهم – عوّض الله البلاد فيهم خيرًا.. إن (الوفاء) في البرية قديم، ولقد شاع في مجتمعنا والحمد لله، لنستدعيه في مثل هذا المقام ونلتمس اليقين (ولا نقول إلا ما يرضي الله) في إنسان (خدوم) مثير للجدل – من أين له الوسع ليكسب رضا القوم هكذا وهو يمشي بينهم؟!.. ربما هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، تلهم الإنسان نوازع العمل الصالح الذي يثمر، فيكون له حياة من بعد حياة، طال العمر أو قصر.. طيف (عمر) الآن أكثر حضورًا، تمامًا مثلما ألفه الناس – إعلامي صحافي أخو إخوان، متصل بأهل الإحسان والورع والنصح واليقين.. كان يبدو موقنًا بشيء ما قد يأتي فجأة، بتقدير المولى عز وجل – فطرة من خبروا الحياة مبكرًا.
كان (عمر) كما عرفناه في الشدائد، ينزع للحكمة، يلتمس للناس السلوى في (خير قادم) أعم وأبقى يدخره الله تعالى لمن اصطفاه لعمل الخير.. كان متعلقًا بسيرة هذا النوع من البشر.. من هذا النبع استقى وتشكلت شمائله، سيرة طيبة على كل لسان، كما أسهبت الصحف بعد رحيله، جعل الله سعيه في ميزان حسناته، فشهادة الخلق للمخلوق من الدين.
قصته الآن تُروى.. عرفت عطاءه ووفاءه ودفء مودته منذ أن قدم من مدينة عطبرة يافعًا في السبعينات، فنشأ في كنف الدولة والمجتمع والإعلام والصحافة والسياسة التي يراها دائمًا بمنظور (الوطنية).. ارتبط برموز من مختلف الفئات، على تنوع مشاربها، وإلى آخر لحظة من حياته، وكانت ساعات بالمستشفى وقد هرع إليها تباعًا عارفو فضله.. تتعجب كيف احتفظ بعلاقاته هكذا حميمة مع كل هؤلاء، حتى جعل كلًّا منهم يحسب أن (عمر) كان وفيًّا له وحده، وهذا شعوري أيضًا.
عرفته صحافيًّا – (ألوان)، و(الرأي العام)، و(أخبار اليوم).. كنت عرفته لأول مرة عام 1973 من خلال عمله مع الأستاذ مهدي مصطفى الهادي، كرجل دولة من طراز فريد برئاسة الجمهورية، ثم محافظًا لمديرية الخرطوم ببصمات باقية.. اكتسب جملة خصائص جمعت بين الدبلوماسية والتعامل بالمعلومات ومنابع الحكمة وحسن التصرف والحيوية والانضباط والتلطف والتريث.. وهذه الخصال مجتمعة أهلته لإتقان متطلبات العمل العام وكسب ميول الناس ومودتهم، كما لمست فيه طوال تعاملي معه.. تكشف ذلك، فلدى دخوله المستشفى وقد داهمه المرض، تواترت شخصيات مرموقة في الدولة والمجتمع، ما تلاقت إلا حوله.. لقد تخصص في كسب الأصدقاء ومن كل الفئات: الإعلام، والصحافة، والرياضة، والفن، والسياسة والمجتمع ككل، والدليل من التقوا في رحيله اعترافًا بإنسانياته ووقوفه مع كل صاحب حاجة، حتى تعاظم الشعور بحاجة المجتمع والدولة لأناس من طرازه – متفانون متجردون (اختصهم الله بقضاء حوائج الناس).. أهل الشأن والفضل والسعة كانوا يستعينون به في قضاء حوائج الناس حولهم.
تسارع القوم لتأبينه.. يُحكى ما يثير العجب.. أجمعوا على تفرد خصاله وهم يعددون مناقبه وسجاياه.. كتبت عنه الصحف ما كتبت (الكل يعتبر أنه الأقرب إليه، وهذه خصلة نادرة في الناس) – هكذا ابتدَر محافظ بارا سابقًا، الشاعر كامل عبد الماجد، مقالته، «آخر لحظة»، 24 نوفمبر 2010، ليصارحنا: (كان يتوهم أنه الأقرب إليه بعد سبدرات، حتى راعني عدد الباكين يوم واريناه الثرى).. كامل روى قصة عمر معه: (عرفه قبل أربعين عامًا حين كان مديرًا لمكتب محافظ الخرطوم، الأستاذ مهدي مصطفى الهادي.. انضم عمر للعمل معه وهو يافع.. تغلغل بسرعة في مفاصل المكتب، فالمحافظة، فالدولة).. يضيف الأستاذ كامل عبد الماجد: (مناخ القرب من كبار رجال الدولة هو مناخه، الذي لا يشق له فيه غبار.. ومع ذلك كان أبعد الناس عن المطالب الذاتية، وأكثرهم عفة ونقاء وحياء.. تصافى مع كل عهود الحكم وتصافت معه، فلقد كان وسطيًّا في نظرته للسياسة.. بشفافية يحمد لكل حاكم اجتهاده في إصلاح حال البلاد والعباد، وبذكاء يشعره بما قصر فيه.. لا يعرف الغلواء ولا التشدد.. خرج من الدنيا إلى ربه خالي الوفاض.. ما تبدل، وظل يمضي في حياته بطباع الستينات والسبعينات ومآثر رموزها.. جعل الله البركة فيمن تركهم من خلفه، زغب الحواصل، لا ماء لا شجر).. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
هكذا روى الشاعر كامل عبد الماجد.. إنه طرف من روايات عن علاقاته بالمجتمع والدولة تثير الخواطر والشجون.. يستوقفني منها ما كان يتحلى به في مواجهة الشدائد والأحزان بالتفاؤل واليقين والاحتساب.. هذه المفاهيم (القيمية) تجسدت في رسالة كتبها بخط يده قبيل رحيله، عثرت عليها أسرته بين أوراقه الخاصة.. يقول فيها إن حياته مضت (ذكرى طيبة).. وهذا نص الرسالة (الوصية) بخط يده: (مضيت.. وبقيت في الأذهان سيرة طيبة لا تُنسى وذكرى عطرة لن تموت) – صحيفة (أخبار اليوم)، الصفحة الأولى، الأربعاء 18 ذو الحجة 1431، الموافق 24 نوفمبر 2010.. سبحان الله.. ثم الحمد لله.
إن (عمر) ريحانة المجالس باقٍ في وجدان الناس بروحه هذه.. وبأعماله السخية، ونزعة الخير فيه.. لقد ظل مذكورًا بالخير منذ توفي لرحمة مولاه (فجر الثلاثاء الثالث من العشر الأوائل من ذي الحجة عام 1431، نوفمبر 2010) – عليه رحمة الله.. مضى ليبقى، كما تمنى – بعمل الخير.. من يوثق له ليبقى بين الناس أثره؟.. حين صادفت الأستاذ حسين خوجلي بإحدى منصات التلاقي بأم درمان، ما كان يشغله أمر كالتوثيق لحياة (عمر) هذا، وبرؤية مبتكرة هي إفادات من أحبوه من رموز البلد، وحتى من هم على خلاف فيما بينهم – لقد وحّد مشاربهم على ما يجمع، جزاهم الله وإياه خيرًا – كم يحتاج الناس لمن يقرب بينهم، والحمد لله الهادي.
سيرة تثير الخواطر ما زالت.. تتقمصه (إيمانيات) عميقة، خاصة في مواجهة الشدائد والأحزان، وإن كانت تتصل بأقرب الأقربين له.. من هذه الإيمانيات كثيرًا ما كانت تتصل بأسرار الخلق وكسب الرزق والتوكل على الله – هكذا ظل مدار التأمل بيننا، والوقوف عند جلائل المعاني التعليمية في القرآن الكريم والسنة المطهرة.. له إشاراته الذكية، ومنها أتذكر وقفاته عند معاني ما ورد في (سورة يوسف) من عظات ودروس في الاحتياط للأمر، ثم التوكل على الله: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) – الآية 68. ولقد قال المفسرون في ذلك ما قالوا مما يستوجب التأمل، وكان يستوقفه معنى (وإنه لذو علم لما علمناه) – الرجوع للخالق، مسبب الأسباب.. أما الأحاديث النبوية، فعلى لسانه منها دائمًا ما يحفزنا لنفهم كيف نسأل لنتعلم، كالحديث الشريف الذي يختتمه صلى الله عليه وسلم بقوله: (هذا جبريل جاء يعلمكم أمور دينكم). إني أتذكره بهذا وبما كان يفيض به من المدلولات التعليمية في الآيات القرآنية وفي السنة المطهرة.. وأذكر له انشغاله الدائم بالتذكرة بالقيم والأصول المستخلصة من ذلك، والتي ينبغي أن تحكم تعامل الناس يوميًّا ليسلموا من المكدرات والقلق والتجاوزات.. (كن مع الله ولا تبالي) – نرددها معًا، ونحن على الطريق.
له بين من تعلق بهم نماذج شتى من البشر، يعرفهم وحده دون أن يبوح بسر أحد.. لكنه يفاخر بمن أعجب بكفاحهم وتميزهم، ويروج لهم بأسلوبه الخاص، بل يلح عليك لتتعرف عليهم، وعبره عرفت شخصيات مهمة ما كان ليتيسر لي الاقتراب منهم لولاه.. يحدثني وكأنه تخصص في كشف أسرار البشر، يقول: (معرفة الناس ما بتجي بالمال، وإلا زي فلان ده عشان تكسب صداقته كان تملأ الضهرية قروش وتمشي ليه)!
كان هو نفسه ممن ينطبق عليهم هذا القول.. سعدت بروح الأخوة فيه والزمالة والصداقة الحقة لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان بلا انقطاع أو فتور أو ظنون مما يعكر صفاء الناس جراء أوضاع الدنيا المتغيرة، بل أصبحت الوشائج أسرية مفعمة بخير كثير مما يجود به حسن المعاملة.. مثال لعلاقاته الأسرية يتجلى في صلته بالبروفيسور علي شمو.. قبل نحو ربع قرن من الزمان كان قد اختار بكل فخر البروف ليكون ولي أمره ووكيلًا عنه في عقد زواجه.. وتمر الأيام والسنين.. يفاجئنا أن البروف هو اختياره لينوب عنه وكيلًا له في عقد زواج ابنته.. ألف مبروك.
كان يميل أكثر نحو الأبناء، أبنائه وأبناء غيره.. يخاويهم ويصادقهم، ويتعمد أن يختبر ذكاءهم.. في آخر لقاء بمنزلهم حدثني مسرورًا بالأوضاع الدراسية لأبنائه.. قلت لابنه محمد وقد مددت له الجوال: (سجل لي رقمك، أحسن أهاتفك أنت، أبوك مشغول).. كل من عرفه يدرك أنها صفته الغالبة (مشغول)، ولكن في غير مصالحه الذاتية، مشغول حتى عن نفسه التي بين جنبيه، كما وضح أخيرًا.. ابنته، طب جامعة الخرطوم، كانت وحدها تعرف ما يحتمل والدها من آلام طارئة، مستسلمًا لزحام برنامجه اليومي من التاسعة صباحًا إلى وقت صلاة الفجر – في خدمة الغير.
هل من وفاء لسيرة من عاش هكذا، ورحل؟.. صديق ممن بادلوه الوفاء بحقه أقدم على الخطوة الأولى المرجوة في مقام الوفاء.. الدكتور هاشم محمد صالح الجاز، الأمين العام السابق لمجلس الصحافة، المدير العام لوزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، رحمه الله، بادر بالإعلان أن حكومة ولاية الخرطوم أصدرت قرارًا بالوفاء لعمر بمقدار عطائه الذي ما عرف أحد حدًّا له.. الحمد لله، شهدنا عرفانًا جزيلًا مستحقًّا لمواطن أعطى مما عنده، لأهله ولوطنه ولمن لم تعرف يساره.
جزى الله (عمر) خيرًا، وتقبل أعماله، ما علمنا منها وما خفي، وقد ابتغى بها خير البلاد والعباد. ونختم بحكمة كان يكررها أمامي كأنه يحرضني لأن أعمل بها.. إنها جزء من قناعاته الأربعة التي لم تتزحزح أبدًا (الإنفاق، التفاؤل، اليقين، الاحتساب).. تقول الحكمة: (قد تأتيك السعادة من نافذة كنت نسيت وتركتها مفتوحة)!.. يبدو أنه تعمد أن يترك نوافذ الخير مفتوحة حين (يمضي)، كما كتب في الرسالة التي عثرت عليها أسرته بين أوراقه الخاصة، وكشفت أنه بعون الله تمنى أن تكون حياته (ذكرى طيبة) – كما كتب مودعًا وكشفت عنه الصحف.. (إنا لله وإنا إليه راجعون).
كلمات وداع لنفسه التي بين جنبيه، كتبها بحروف ثابتة، تصدرت فيما بعد الصفحة الأولى من (أخبار اليوم) التي كان يكتب فيها صفحة بعنوان (غير قابل للنفي).. وغير قابل للنفي القول بأن (عمر) نكهة التواصل، حليف الخبر اليقين، باقٍ في وجدان الناس بأعماله ونزعة الخير فيه، بإذن الله، مقترنة ذكراه بالدعاء له ولسائر المسلمين.. والحمد لله من قبل ومن بعد ودائمًا.
*من كتاب (بصماتهم تدل عليهم) تحت الطبع.