هناك مسؤولون تمرّ أيامهم بين المكاتب، وتُطوى الملفات على طاولاتهم، وتظل شكاوى الناس حبيسة الأوراق، وهناك مسؤولون يدركون أن نبض الولاية لا يُسمع من خلف الأبواب المغلقة، وأن وجع المواطن لا تشرحه التقارير وحدها؛ فلا بد من أذنٍ تسمع، وعينٍ ترى، وخطوةٍ تصل إلى حيث ينتظر الناس الحل فحين تتعلق القضية بصحة الإنسان، تصبح سماعة الطبيب عنواناً للأمل، وحين يتعلق الأمر بمعاشه وحركته اليومية، يصبح ميزان السوق شاهداً على مسؤولية الإدارة.
وبين هذين الملفين، تتشكل ملامح العمل العام الذي يلامس حياة الناس، لا الذي يكتفي بوصفها
من هنا تأتي أهمية تحركات والي الجزيرة، الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير، الذي جمع في نشاطين خدميين بين الاهتمام بصحة المواطن والسعي إلى تحسين واقع الأسواق، فالأول يفتح نافذة أمل لتعزيز الإسناد الطبي، والثاني يضع واقع سوق ود مدني المركزي أمام المسؤول مباشرة، بما يحمله من تحديات تتطلب المعالجة والتنظيم والمتابعة
في الملف الصحي، جاء ترحيب الوالي بمقترح إنشاء كتيبة الإسناد الطبي الاستراتيجي ليعكس اهتماماً بتعزيز قدرات المؤسسات الصحية، وسد النقص في الكوادر، ورفع مستوى الاستعداد لمواجهة الطوارئ داخل الولاية وخارجها، والجزيرة، بما تمتلكه من مؤسسات صحية وخبرات طبية، تستحق مبادرات ترتقي بخدماتها وتجعل الإنسان في مقدمة الأولويات فالمريض الذي يطرق أبواب المستشفى لا يعنيه حجم الاجتماعات ولا عدد التوصيات ما يعنيه أن يجد طبيباً يخفف ألمه، وكادراً يسنده، وخدمةً تحفظ كرامته وتمنحه حقه في العلاج
هنا تبرز قيمة المقترح، وتستحق خطوة الوالي في الترحيب به الإشادة، على أمل أن ينتقل من دائرة الفكرة إلى رحاب التنفيذ، ليصبح الإسناد الطبي واقعاً محسوساً، لا مجرد عنوان جميل في محضر اجتماع
أما في سوق ود مدني المركزي، فقد اختار الوالي أن يذهب إلى قلب المشهد، وأن يرى بعينيه ما يحتاج إلى المعالجة، بعيداً عن الاكتفاء بما تنقله التقارير السوق ليس مجرد دكاكين وبضائع وحركة بيع وشراء،بل هو شريان اقتصادي نابض، وواجهة من واجهات المدينة، ومصدر رزق لآلاف الأسر، ولذلك فإن تنظيمه يعني تيسير حركة المواطنين والتجار، وتحسين البيئة، وإزالة التعديات، وفرض القانون، وتهيئة مكان يليق بمكانة ود مدني وأهلها
إن زيارة السوق تحمل دلالة مهمة؛ فالمسؤول حين يقترب من تفاصيل الواقع، يصبح أقدر على فهم المشكلة وتقدير حجمها، وتصبح القرارات أقرب إلى احتياجات الناس. والتحية للوالي على هذا الحضور الميداني، لأن السوق لا يحتاج إلى وصف مشكلاته بقدر ما يحتاج إلى إرادة تعالجها، وخطة تنظم حركته، ومتابعة تضمن ألا تعود الفوضى بعد انفضاض الزيارة. فالجولة الناجحة ليست تلك التي تلتقط فيها الكاميرات الصور، وإنما التي يجد المواطن أثرها في واقعه، ويلمس التاجر نتائجها في عمله، وتشعر المدينة بعدها بأن شيئاً قد تغير إلى الأفضل
هنا تتجلى قيمة الجمع بين الملفين، فالإسناد الطبي استثمار في صحة الإنسان، وتنظيم السوق اهتمام بمعاشه وحياته اليومية، وبين سماعة الطبيب وميزان السوق تتسع دائرة المسؤولية، ويتضح أن خدمة المواطن لا تتجزأ، فهو يحتاج إلى مستشفى يستقبله حين يمرض، وسوق منظم حين يسعى إلى رزقه، وطرقات ومرافق عامة تحفظ كرامته وتسهل شؤونه وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم العمل التنفيذي: أن تكون احتياجات الناس حاضرة في القرار، وأن تكون نتائج العمل هي المقياس الحقيقي لنجاحه.
والطاهر إبراهيم الخير، في هذين المنشطين، يقدم نموذجاً يستحق التقدير من حيث الاهتمام بالملفات الخدمية والتحرك لمتابعتها، غير أن الإشادة الحقيقية لا تكتمل بالكلمات وحدها، فالمقترح الطبي ينتظر أن يصبح كتيبة فاعلة تسد الثغرات وتدعم المؤسسات الصحية، وسوق ود مدني ينتظر أن تترجم الزيارة إلى خطوات عملية تعالج الاختلالات وتحسن البيئة وتضبط الحركة، فالمواطن أنهكته الظروف، ولم يعد يملك رفاهية انتظار الوعود طويلاً، إنه يريد أن يرى أثر الجهد في المستشفى، وأن يلمس ثماره في السوق، وأن يشعر بأن هناك من يعمل من أجله بجدية ومسؤولية
إن المسؤولية العامة ليست سباقاً في عدد الزيارات، ولا منافسة في كثرة الاجتماعات، وإنما امتحان يومي في القدرة على تحويل التحديات إلى حلول، والأفكار إلى مشروعات، والتوجيهات إلى إنجازات والوالي الذي يطرق أبواب الملفات الخدمية بنفسه يمنحها فرصة أكبر للمتابعة، ويبعث برسالة مفادها أن قضايا المواطن ليست هامشاً في جدول الأعمال، بل ينبغي أن تكون في صدارته
من منصتي أنظر… فأرى أن سماعة الطبيب وميزان السوق ليسا مجرد عنوانين لنشاطين عابرين، بل صورتان لمسؤولية واحدة: إنسان ينتظر العلاج، ومواطن يسعى إلى الرزق، وولاية تستحق أن تُبذل من أجلها الجهود…
التحية للأستاذ الطاهر إبراهيم الخير على اهتمامه بهذين الملفين، وعلى حضوره الذي يضع قضايا الناس في دائرة المتابعة، فالمسؤول لا تكبر قيمته بارتفاع كرسيه، وإنما بقدر ما يقترب من المواطن، ويسمع أنينه، ويتلمس احتياجاته، ثم يترك خلفه أثراً يشهد له. عندها فقط تتحول الزيارة إلى إنجاز، والمقترح إلى واقع، والمسؤولية إلى أمل يراه أهل الجزيرة في حياتهم كل يوم.