ثمة سؤال شغل الطبيب النفسي والفيلسوف النمساوي فيكتور فرانكل، وهو يواجه تجربة الاعتقال في معسكرات النازية: ما الذي يساعد الإنسان على التمسك بالحياة حين تُسلب منه الحرية والأمان ودفء العائلة والأصدقاء، ويصبح الغد مجهولًا؟ لم تكن إجابته أن الألم فضيلة، أو أن الإنسان مطالب باحتماله إلى ما لا نهاية، بل إن العثور على معنى للحياة قد يساعده على مقاومة الانهيار، شريطة ألا يُترك وحيدًا في مواجهة المعاناة.
تستوقفني هذه الفكرة ونحن اليوم ننظر إلى حالنا بعد سنوات من الحرب. فمنذ الخامس عشر من أبريل 2023، لم يفقد الناس منازلهم ومصادر رزقهم وأحباءهم فحسب، بل فقد كثيرون شيئًا من يقينهم بالحياة. صار تأمين الطعام والدواء، وحماية الأطفال، والبحث عن مأوى، واستعادة العمل والتعليم، معارك يومية تستنزف الجسد والروح.
بينما ينشغل العالم بمتابعة الأخبار وتوثيق الدمار، تظل هناك خسائر أخرى لا تُرى بالعين ولأترصدها الكاميرات ، مشاعر الخوف الذي يسكن الذاكرة، والقلق من الغد، والإرهاق الذي يتراكم خلف محاولات الصمود.
لكن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نحول قدرة السودانيين على الاحتمال إلى مطالبة مفتوحة من حكومة الأمل بمزيد من الاحتمال. فالصمود ليس حصانة من الألم، والابتسامة لا تنفي الحزن، ومواصلة العمل لا تعني أن الإنسان تجاوز ما عاشه من مخازي. حين تتكرر الخسارات وتضيق سبل العيش، قد يصبح الحفاظ على التوازن النفسي معركة موازية لمعركة البقاء، لا سيما لدى الأطفال والأسر التي عاشت النزوح والفقد والخوف.
هنا تكتسب الصحة النفسية معناها الوطني. ففي العاشر من أكتوبر، يأتي اليوم العالمي للصحة النفسية في هذا العام 2026 داعياً إلى الإنصات للتجارب المعاشة وتحويل الأصوات الحقيقية إلى تغيير فعلي. وهي دعوة تتجاوز التعاطف إلى الاعتراف بحق الإنسان في أن يكون شريكًا في صياغة الحياة. فالنازح ليس رقمًا في تقرير، والطفل ليس مجرد حالة تستدعي المساعدة، والناجي من تجربة قاسية ليس حكاية تُروى ثم تُنسى، لكل منهم معرفة بتجربته واحتياجاته ينبغي أن تجد مكانها في القرارات والخدمات.
وفي بلادنا اليوم ، لا يمكن فصل هذا الإنصات عن الظروف التي يعيشها الناس. فمن يعجز عن توفير احتياجات أسرته يحتاج إلى سياسات وإجراءات، تخفف عنه أعباء الحياة، ومن فقد عزيزًا يحتاج إلى مساندة تحترم حزنه، ومن يعاني آثار تجربة صادمة قد يحتاج إلى رعاية . لذلك لا تستطيع المواساة وحدها معالجة ضغوط الفقر والنزوح وانعدام الأمان.
عليه فإن التعافي الحقيقي يقتضي أن تلتقي الرعاية النفسية والصحية بالاستقرار المعيشي، وأن تتكامل مسؤولية المؤسسات الصحية والتعليمية مع أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع والحكومة التي جعلت الامل شعار.
وتبدأ الخطوة الأولى حين نتوقف عن التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها شأنًا خاصًا لا يُناقش إلا عند اشتداد المرض. فمواجهة الألم ، وتوسيع الخدمات، وتوفير الدعم في مناطق النزوح والولايات، وإشراك أصحاب التجارب في تطوير البرامج، كلها أجزاء من حماية الإنسان. كما أن للإعلام مسؤولية في أن ينقل قصص الناس بكرامة، لا أن يستثمر في آلامهم ، وأن يفتح المجال أمام أصواتهم، لا أن يتحدث باسمهم دون ضمير.
لقد علّمنا فرانكل الذي كان انيسنا في الجامعة والمكتبات ، أن البحث عن المعنى يمكن أن يكون مصدرًا للقوة، لكن الدرس الذي ينبغي ألا يغيب هو أن الإنسان لا يُختبر في قدرته على الاحتمال وحدها، بل في مقدار ما يوفره له المجتمع من أسباب الحياة. فلا يجوز أن يصبح الحديث عن الصبر بديلًا عن الرعاية، ولا تمجيد الصمود غطاءً للتقصير في حماية المحتاجين
بحسب #وجه_الحقيقة ، فإن السودان لا يحتاج إلى إعادة بناء مدنه ومؤسساته فقط ، بل إلى حماية الإنسان الذي سيعيد بناءها. وحين تصبح الصحة النفسية خط الدفاع الأخير عن قدرته على التماسك، فإن إهمالها لا يهدد الأفراد وحدهم، بل يمتد أثره إلى الأسرة والعمل والتعليم و المجتمع.
فليس المطلوب من السودانيين أن يظلوا أقوياء ، بل أن يجدوا، بعد كل ما عاشوه، من يسندهم ، ومن ينصت إليهم حين يعجزون عن الكلام، ومن يعيد إليهم أسباب الحياة حين تضيق بها السبل. فالأوطان لا تنهض بصمود أبنائها وحدهم ، بل أيضًا بما تمنحهم له الدولة من أمان ورعاية وأمل.
دمتم بخير وعافية
الإحد11 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com