بعد الإطاحة بالنظام السابق في أبريل 2019، وبدء الترتيبات لحكومة انتقالية تحكمها وثيقة تحدد بصورة قاطعة متى تُقرع أجراس الانتخابات العامة إيذاناً بانتهاء الفترة الانتقالية وبدء الاستحقاق الجماهيري؛ انتشرت عبارات التهديد بالانتخابات.. فكلما حَمِيَ وطيس الخلاف حول موضوع بعينه، أعلن فصيل سياسي أو طرف من المكون العسكري الحاكم حينها، أنهم بصدد البدء في ترتيبات الانتخابات. مما دفع بعض الأحزاب الصغيرة التي لا مطمح لها في الانتخابات إلى المطالبة بمد الفترة الانتقالية أطول فترة ممكنة، هرباً من “بعبع” الانتخابات.
كتبتُ حينها في عمود “حديث المدينة” أن الخوف من الانتخابات —والذي أطلقتُ عليه “فوبيا الانتخابات”— ليس عيباً، إنما العيب في نظام انتخابي يتسبب في خوف الأحزاب منه.
وطالبتُ مبتكراً بنظام انتخابي “لا يخيف أحداً”، نظام يحقق أعلى درجات التفويض الجماهيري العادل.. والمؤشر على سلامة مثل هذا النظام ألا يشعر طرف سياسي بأنه خاسر بالضرورة في أي انتخابات، مهما كان أداؤه رفيعاً ومتميزاً، ومهما كانت برامجه وفية بكل ما يساعد على تنمية ونهضة البلاد.
يجب أن يشعر الجميع بأنهم رابحون من الانتخابات حتى ولو خسروا نتائجها؛ فلا أحد يخسر، الكل رابح.
الآن نحن مواجهون بـ “رهاب الحوار”.. الخوف من الحوار ليس من العملية الفنية في حد ذاتها، بل الخوف من نتائجها.
ومهمتنا في لجنة تهيئة الحوار أن نحقق الطمأنينة بأن الجميع فائزٌ في الحوار، ولا أحد يخسر شيئاً إلا عداواته التاريخية.
إن أحاسيس البعض بأن أي خطوة نحو الحوار السوداني تخصم من مكتسباتهم هي محض أوهام.. وإذا لم تُكافَح بالمعلومات التي تبيّن الحقيقة فقد تؤدي إلى عواقب وخيمة؛ فالحوار عملية رابحة للجميع، ومن المهم أن تُعَالَج الهواجس التي تخشى النقيض.
في تقديري، إن أهم خطوة لمكافحة “رهاب الحوار” هي رسم سيناريوهات لما يُحتمل أن يصل إليه الحوار؛
فلو كان عددها عشرة سيناريوهات، فإن تسعة منها تتراوح بين حميدة بامتياز، وحميدة بدرجة أقل، ولكن ليس هناك سيناريو لئيم واحد!
هذه الصورة التخيلية لمآلات الحوار تكمن أهميتها في كونها تجعل أطراف الحوار المحتملين قادرين على رؤية الطريق أمامهم، أشبه بمن يقود السيارة باستخدام الخرائط الإلكترونية؛ فهو يرى المسار كله حتى النهاية قبل أن يبدأ الخطوة الأولى.