صدى الحقيقة

مواجهة خطر المخدرات

د. عثمان أبو زيد
د. عثمان أبو زيد
✍️ كتابات حرة
05 Oct 2026 • 👁 14
شارك الخبر:

أمضيت أربع سنوات عضواً في اللجنة القومية لمكافحة المخدرات، ممثلاً للصحافة والإعلام إلى جانب عدد من المختصين. وكانت تلك السنوات كفيلة بأن تجعل قضية المخدرات، ولا سيما جانب التوعية بمخاطرها، من القضايا التي تحظى باهتمام خاص لدي.

وفي الأيام الأولى من مشاركتي في اجتماعات اللجنة، ظل سؤال يؤرقني: ما الحجم الحقيقي لانتشار المخدرات في المجتمع؟ وما النسبة المئوية للمتعاطين؟

لم أجد إجابة رقمية حاسمة، وربما كان ذلك بسبب غياب إحصاءات علمية شاملة يمكن الاعتماد عليها. لكنني وجدت إجابة أعمق من مجرد الرقم، قدمها لي البروفيسور عوض حاج علي، الذي كان يومها مديراً للجهاز المركزي للإحصاء. قال لي إن هناك ظواهر اجتماعية لا يقاس خطرها بحجم انتشارها وحده؛ فالمخدرات، مثلاً، يظل وجودها خطراً حتى لو لم تتجاوز نسبة انتشارها واحداً في المائة.

هذه الإجابة ظلت عالقة في ذهني، لأن بعض الظواهر لا تحتاج إلى أن تصبح واسعة الانتشار حتى تستحق إعلان حالة استنفار مجتمعي لمواجهتها.

ومن الشهادات التي لا أنساها في هذا السياق ما سمعته من الدكتور عبد القادر أحمد إسماعيل، استشاري الطب النفسي، الذي عمل سنوات طويلة خارج السودان وأنشأ عدداً من عيادات علاج الإدمان. كان قد قرر في سنواته الأخيرة أن يعود إلى السودان، واختار الولاية الشمالية، طامحاً إلى تأسيس عمل تطوعي في مجال الطب النفسي. وكان، بحسب روايته، الطبيب النفسي الوحيد تقريباً بين كريمة وحلفا.

غير أن الواقع لم يوفر له ما يعينه على تحقيق طموحه، فعاد إلى بريطانيا. وكانت قصته، في جانب منها، نموذجاً مؤلماً لرغبة بعض الكفاءات السودانية في العودة إلى الوطن وخدمته، ثم اصطدام هذه الرغبة بظروف لا تساعد على الاستقرار والعطاء.

ويروي الدكتور عبد القادر واقعة تكشف، على نحو لافت، حجم القلق الذي ينبغي أن يساورنا تجاه هذه القضية. فقد قابله أحد الشباب وطلب منه مساعدته في العلاج من الإدمان. فسأله عن عدد الشباب في قريته الذين يعانون هذه المشكلة، فجاءته الإجابة: «تسعة من عشرة».

هذه النسبة، إن صحت، مرعبة بكل المقاييس. ولا أوردها باعتبارها إحصاءً علمياً؛ فهي شهادة فردية تحتاج إلى التحقق والدراسة، لكنها في الوقت نفسه مؤشر لا ينبغي تجاهله، خصوصاً في ظل ما نسمعه من شهادات متزايدة عن انتشار المخدرات بين الشباب.

وتتضاعف خطورة الأمر في ظروف الحرب. فالحرب لا تخلّف الدمار المادي وحده، وإنما تخلق أيضاً بيئة من الفراغ واليأس والقلق وفقدان الأمل، وهي ظروف قد تجعل الشباب أكثر عرضة للاستدراج إلى المخدرات وسائر السلوكيات المدمرة.

ولذلك فإن مواجهة المخدرات لا ينبغي أن تُترك للجهات الأمنية وحدها؛ إنها مسؤولية صحية واجتماعية وإعلامية وتعليمية، تحتاج إلى تحرك واسع ومنظم.

وإذا صحت التقارير والشهادات المتداولة عن اتساع الظاهرة، فإن من الضروري أن تترافق المواجهة مع برامج مكثفة للتوعية، وإنشاء عيادات متخصصة لعلاج الإدمان، وتوفير خدمات الطب النفسي والتأهيل، إلى جانب برامج الوقاية المبكرة في المدارس والجامعات والمجتمعات المحلية.

ولو كنت مسؤولاً عن هذا الملف، لكان من أولوياتي استقدام الكفاءات السودانية المتخصصة في الطب النفسي وعلاج الإدمان، ومن بينهم الدكتور عبد القادر وأمثاله، وتهيئة الظروف التي تمكنهم من خدمة بلادهم. كما أن بين خريجي كليات الطب السودانية أعداداً من الكفاءات التي يمكن أن تتجه إلى مجال الطب النفسي وعلاج الإدمان، وتجد فيه ميداناً واسعاً لخدمة المجتمع في هذه المرحلة الحرجة.

نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى المخدرات باعتبارها قضية تتصل بمستقبل المجتمع، لا مجرد مشكلة فردية. فالمخدر لا يدمر صحة الإنسان وحدها؛ وإنما يمكن أن يدمر إرادته وعلاقاته وأسرته ومستقبله، ويستنزف طاقة المجتمع ويضعف قدرته على التعافي والنهوض.

وفي زمن الحرب، يصبح الحفاظ على الشباب وحمايتهم من المخدرات جزءاً من حماية مستقبل البلاد نفسها. فالشباب هم الثروة الأهم التي ينبغي أن تتجه إليها جهود الحماية والرعاية والتأهيل.

إن مواجهة المخدرات ليست ترفاً ولا ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب. إنها واحدة من معارك حماية الإنسان السوداني، ومن ثم حماية السودان ومستقبله.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.