أجمل اما اكتشفته بعد خلال مشاركتي في مبادرة “لجنة تهيئة الحوار السوداني” أن المشكلة ليست في عدد المشاكل التي يعاني منها السودان، بل في عدد الحلول المقدمة لحل هذه المشاكل. فإذا كان عدد سكان السودان 40 مليون، منهم 10 مليون أطفال ، فإن عدد المبادرات المطروحة لحل مشاكل السودان 30 مليون مبادرة. بما يعادل مبادرة لكل مواطن.
وهذا ليس عيبا، بل محمدة لشعب اكتوى بنيران الأحداث المتفاقمة منذ الاستقلال، وما خرج من نفق مظلم إلا ليدخل مااهو أظلم منه. و بدلا من الأنين والشكوى بلا طائل، آثر شعب السودان أن يساهم في البحث عن الحل. كل مواطن يشعر أنها لم تعد مشكلة عامة بل شخصية تهمه وأسرته واهله. وهو معني بحلها تماما كما يتضرر منها.
و لا تختلف المبادرات كثيرا عن بعضها. فالعلة واحدة، والدواء حتى ولو اختلفت “الشركات” المصنعة له. ومن هنا يسهل تجميع هذه المبادرات لتكون نسيجا واحدا يصلح ليكون ثوبا يتوافق اهل السودان على ارتدائه.
صعوبة المسألة السودان في سهولة حلولها. فالمخرج من النفق المظلم واضح للجيع، لكن المشكلة الحقيقية في ارادة المسير نحو هذا المخرج.
و من هذا المنطلق، لا تبدو مهمة لجنة “تهيئة” الحوار معضلة. الجميع مهيأون ومتهيئون للحوار. كل القوى السياسية والمجتمعية راغبة في حوار منتج يطوي دياجي السودان الطويلة. لكن التحدي الحقيقي هو في “كيف نتحاور” عندما تحتضن قاعة الحوار كل القوى السياسية والمجتمعية.
بعبارة أخرى، المسألة “فنية” أكثر منها سياسية. من أين نلتقط رأس الخيط، ثم كيف نمسك به حتى نكمل نسج ثوب التوافق الوطني .
و طالما هي “فنية” فإن الأرجح أن توفر أكبر قدر من الخبراء والمختصين سيكون عاملا مهما في تعجيل الوصول الى النتائج. ولهذا اقترحت – بمثل نهتم بجمع الساسة والأحزاب – للحوار ان تتوفر بيئة مساندة من الخبراء الذين لا يتدخلون في الحوار ولكن يساعدون المتحاورين في الوصول الى النتائج المرجوة.
شبكة من بيوتات الخبرة والكفاءات المتخصصة في فنون التفاوض و العلوم السياسية والاقتصاد و الاجتماع و التخطيط الاستراتيجي و فض النزاعات وغيرها ليكونوا هم الاسناد الفني المباشر الذي يقف خلف المتحاورين.