لكل دولة محددات ترسم حدود استطاعتها وفق المعطيات التي تحيط بها.. و لا تشكل هذه المحددات أكثر من اطار تتحرك داخله ارادة الدولة و تحاول توسيعه. بما يعني أن المحددات لا تمثل خطرا في حد ذاته مهددا لأي دولة. ولكن في الحالة السودانية يسقط هذا المبدأ، فتبدو المحددات مهددات بالغة الخطورة.
سأضرب مثالين يجعل الفكرة في قالب عملي ملموس.
الأول : واحد من أكبر محددات الدولة السودانية هو موقعها الجيوبوليتكي. السودان تحيط به سبعة دول بجوار متصل، و ثامنهم بجوار بحري لا يقل أهمية وحساسية عن الاتصال البري.
هذا الموقع له تأثير مباشر على الأمن القومي السوداني، يفرض على الدولة منطلقات وقيودا أقرب لكونها دائمة. بما يجعل دراستها و العمل بموجبها قيمة ثابتة في السياسة الداخلية والخارجية السودانية.
لكن الواقع غير ذلك؛ ما هو استاتيكي ثابت بطبيعته، يبدو في الحالة السودانية ثقب أسود مجهول التكوين والعواقب.
الموقع الجيوبوليتكي في الحالة السودانية هو حصيلة خوارزميات معقدة و مجهولة الخواص بصورة لا تسمح حتى ببناء سياسة ثابتة أو حتى متغيرة بمنطق معقول. ليس لأنه متغير في ذاته، بل لأن تعريفه -سودانيا- هو المتغير.
الثاني : يتمدد المثال للمحددات المتصلة بالتكوين السكاني للدولة. بطبيعة التراكم التاريخي الجِيني والنفسي لمواطني الدولة. لكن في الحالة السودانية يبدو هذا المحدد بلا عنوان واضح أو قاموس لتفسيره.
المهددات التي تشكلها هذه المحددات ترتقي خطورتها لمستوى يهدد الدولة السودانية بالفناء الذاتي، الناتج من القصور في معالجة الخلل الهيكلي.
و يصبح السؤال إذاً، كيف نعالج هذا الخلل؟
الخطوة الأساسية؛ تبدأ بهيكلة الدولة وظيفيا، لتتمكن من تكوين “العقل المركزي” الذي يدير الدولة.
“العقل المركزي” للدولة مَعني بوظيفتين :
الأولى : التخطيط الاستراتيجي.
الثانية : ضبط الايقاع الوظيفي. بما يحقق أعلى درجات الانسيابية في الموازنة بين السلطات و المهام. السلطات الممنوحة لمكونات الدولة في مقابل المهام المطلوبة منها.
“العقل المركزي” لا يعني مؤسسات “هارد وير” فحسب، بل والتشريعات “سوفت وير” الذي يربط بينها.
ونعود للموضوع .