كتابات جميلة ومشاعر يملؤها الفخر والإمتنان بفوز مستحق للمخرج العالمي الأستاذ سيف الدين حسن بالجائزة التاسعة عشر، ما شاء الله، عن فلمه الممهور بعنوان “خمسة شهود”، وما أدراك ما الشهود.
كلنا نتذكر بعد تحرير الخرطوم مباشرة كيف هرع الأستاذ سيف يسابق اللحظات للتوثيق، خرج مسرعاً لم تمنعه أو تحد طموحه في الوصول الدهشة ولا الفرحة أو الفرجة، كيف لا و التوثيق عشقه الجميل الذي نذر عمره المديد بإذن الله له، خرج وفريقه الميمون بلا توجيه أو رعاية أو حتى انتظار لتكليف، من تلقاء نفسه ومسؤوليته تجاه الوطن وحب الأديم، السر الذي غطى جوانحه باكراً وقد فعلها والأرض في عافيتها فكيف وهي الآن جريحة تبكي دماً وظلماً ..
لم يكن حينها يعلم أن تلك الأعمال ستتحول إلى جوائز وأوسكار عربي في المهرجان الشهير لإتحاد إذاعات الدول العربية، أو حتى ثناءً عاطراً من الأصدقاء والمقربين، كان يتجول ومعاونوه بالركشة والعرق يقطر مع صيف الخرطوم اللاهب والأرض لم تجف عنها دماء المعارك بل ولم يجمع حينها الرسميون شظايا السلاح المتناثر بعد، سبحان الله وقد تضمن العمل إسم أحد الشهداء تقبله الله.
نبتـة تفعل ذلك للتاريخ، فقد مضى زمن كان يكتب فيه التاريخ الرحالة أو أصحاب الأهواء والأغراض، في زمن الأضواء الكاشفة لا مكان للسرقات، تفعلها نبتة كذلك لتعلم الأجيال أن النجاح مفتاحه واحد لم يتغير ، يعرفه العدو قبل الصليح والقريب قبل البعيد وهو صدق التوجه ميراث الأنبياء الذي تنتصر به الأمم.
ما أحوجنا الآن لمثل هذا الفعل، وتقديري أن هذه أولى عتبات التعافي الوطني ولا يمكن أن يُطلب من الضحية العفو قبل أن يخرج الهواء الساخن من صدرها ولذا جعل القرآن العفو إختيارياً والفائز من يتحمل كلفته وضغطه وتأثيره في شعاب النفس.
ليت الإعلام الرسمي بكل أدواته يتوجه بكلياته ليُسمع العالم ما جرى للناس والأرض في هذه الحرب، ليت أم الشهيد تجد من يسمع أناتها ويمجد احتسابها واحتساب أحفادها أبناء الشهيد ، لماذا لا تكون هنالك إطلالة يومية تحكي سيرة ومسيرة الأبطال، فمازال الوقت مبكراً ليتناسى الناس بطولاتهم، وإن لم نستطع حملهم وأهليهم على الأعناق فلنحمل سيرتهم في صدورنا وصدور الأجيال لتكون زاداً للعطاء والإستقرار .
أما قصص النزوح والنازحين فهي جرح متجدد فتقه لم يلتئم، قصصه لم ترو وقد ذكر وزير الخارجية في خطابه الأممي الأخير أن خمسة مليون قد عادوا إلي بيوتهم وما زال هنالك آخرون ينتظرون تحرير المدن وأريافها وهو رقم يغري لتستل كل الأقلام أسنانها وتكتب ثم تكتب، وأن تُضاء كل الأمكنة للكاميرات لتصور وتبدع وتبدع ولتكون كل زاوية من أرجاء الوطن الجريح مسرحاً يحكي حكاية تتداولها منصات العالم الحر فإن أعجزتهم نصرتنا فليعيشوا معنا فصول حرب القرن التي سلطها المتجبرون في الأرض على الضعفاء الأبرياء.
لوكنت مكان وكالة السودان للانباء لأنجزت كل يوم عبر فريق متخصص عملاً إستقصائياً عن حياة النازخين بعد العودة دعك من قبلها علها رسالة تصل بريد المحتالين من جماعة “لا للحرب” الذين يطعنون في الظل ولا يقتربون من الفيل.
ولو كنت كذلك مكان القنوات المسموعة والمرئية الرسمية والموالية لحشدت كل طاقاتي وأدواتي لمثل هذه الأعمال وما أكثر أدوات الإبداع و أوفرها .. حتى الإعلان يمكن أن يكون أداة، وبالمقارنة بين ما كان وما يعيشه الناس الآن يكمن الفرق وربما يسهل بعد التغطيات الملتهبة العبور، إن لم يكن عينياً فليكن بالمؤازرة ومشاركة الأفكار والهموم.
شكراً أستاذ سيف الدين حسن ، فقد أثرت لواعج وهيجت كوامن للإبداع الذي نتمناه من لدن ساحات الفداء ذلك السهل الممتنع مروراً بكل الوطنيات الجميلة التي ملأت حيواتنا حباً وإعزازا لمبدعي بلادي، ولنتذكر أن أفلام حرب فيتنام ضد الطغيان الأمريكي ما زالت ملهمة الشعوب المستضعفة.