صدى الحقيقة

عناوين

حسين خوجلي
حسين خوجلي
✍️ ولألوان كلمة
14 Sep 2026 👁 19
شارك الخبر:
مدخل: وما زال في خاطري يطل أستاذ اللغة العربية بقامته المديدة ولسانه الذرب الفصيح، وقد حوّل الفصل إلى فسطاطين: أحدهما يختار الحكم والأقوال والحكايات، والآخر يختار لها حاشية وعناوين. وكان عليه الرحمة يقدم جائزة عبارة عن كتابين: أحدهما لأصدق حكمة وحكاية، والآخر لأصدق عنوان. وكلما قرأتُ من دفاتر التراث أقاصيص ومواقف وحكايات، أطلّ الأستاذ المهيب، وأطلّ زملاء الدراسة، وغابت الجوائز. 1 مرافعة للمحامين وأهل المروءة ومقررات التربية والتعليم قال شرف الدين حسين بن ريان: أغرب ما سمعته من الأخبار، وأعجب ما نقلته عن الأخيار، ممن كان يحضر مجلس عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين، ويسمع كلامه قال: بينما الإمام جالس في بعض الأيام، وعنده أكابر الصحابة، وأهل الرأي والإصابة، وهو يقول في القضايا، ويحكم بين الرعايا، إذ أقبل شاب نظيف الأثواب، يكتنفه شابان من أحسن الشبان، نظيفا الثياب، قد جذباه وسحباه وأوقفاه بين يدي أمير المؤمنين، ولبباه. فلما وقفوا بين يديه، نظر إليهما وإليه، فأمرهما بالكف عنه. فأدنياه منه وقالا: يا أمير المؤمنين، نحن أخوان شقيقان، جديران باتباع الحق حقيقان. كان لنا أب شيخ كبير، حسن التدبير، معظم في قبائله، منزه عن الرذائل، معروف بفضائله، ربانا صغاراً، وأعزنا كباراً، وأولانا نعماً غزاراً، كما قيل: لنا والدٌ لو كان للناس مثله أبٌ آخرٌ أغناهم بالمناقب خرج اليوم إلى حديقة له يتنزه في أشجارها، ويقطف يانع ثمارها، فقتله هذا الشاب، وعدل عن طريق الصواب. ونسألك القصاص بما جناه، والحكم فيه بما أراك الله. قال الراوي: فنظر عمر إلى الشاب وقال له: قد سمعت، فما الجواب؟ والغلام مع ذلك ثابت الجأش، خال من الاستيحاش، قد خلع ثياب الهلع، ونزع جلباب الجزع، فتبسم عن مثل الجمان، وتكلم بأفصح لسان، وحياه بكلمات حسان ثم قال: يا أمير المؤمنين، والله لقد وعيا ما ادعيا، وصدقا فيما نطقا وخبرا بما جرى، وعبرا بما ترى، وسأنهي قصتي بين يديك والأمر فيها إليك: اعلم، يا أمير المؤمنين، أني من العرب العرباء، أبيت في منزل البادية، وأصيح على أسود السنين العادية، فأقبلت إلى ظاهر هذا البلد بالأهل والمال والولد، فأفضت بي بعض طرائقها، إلى المسير بين حدائقها، بنياق حبيبات إلي، عزيزات علي، بينهن فحل كريم الأصل، كثير النسل، مليح الشكل، حسن النتاج، يمشي بينهن كأنه ملك عليه تاج. فدنت بعض النوق إلى حديقة قد ظهر من الحائط شجرها، فتناولته بمشفرها، فطردتها من تلك الحديقة. فإذا شيخ قد زمجر، وزفر، وتسور الحائط، وظهر وفي يده اليمنى حجر، يتهادى كالليث إذا خطر، فضرب الفحل بذلك الحجر، فقتله وأصاب مقتله. فلما رأيت الفحل قد سقط لجنبه وانقلب، توقدت في جمرات الغضب، فتناولت ذلك الحجر بعينه، فضربته به، فكان سبب حينه، ولقي سوء منقلبه، والمرء مقتول بما قتل به بعد أن صاح صيحة عظيمة، وصرخ صرخة أليمة فأسرعت من مكاني فلم يكن بأسرع من هذين الشابين، فأمسكاني وأحضراني كما تراني. فقال عمر: قد اعترفت بما اقترفت، وتعذر الخلاص، ووجب القصاص، ولات حين مناص. فقال الشاب: سمعاً لما حكم به الإمام، ورضيت بما اقتضته شريعة الإسلام، لكن لي أخ صغير، كان له أب كبير، خصه قبل وفاته بمالٍ جزيل، وذهب جليل، وأحضره بين يدي، وأسلم أمره إلي، وأشهد الله علي، وقال: هذا لأخيك عندك، فاحفظه جهدك، فاتخذت لذلك مدفناً، ووضعته فيه، ولا يعلم به إلا أنا، فإن حكمت الآن بقتلي، ذهب الذهب، وكنت أنت السبب، وطالبك الصغير بحقه، يوم يقضي الله بين خلقه، وإن أنظرتني ثلاثة أيام، أقمت من يتولى أمر الغلام، وعدت وافياً بالذمام، ولي من يضمنني على هذا الكلام. فأطرق عمر، ثم نظر إلى من حضر، وقال: من يقوم على ضمانه والعود إلى مكانه؟ قال: فنظر الغلام إلى وجوه أهل المجلس الناظرين، وأشار إلى أبي ذَرّ دون الحاضرين، وقال: هذا يكفلني ويضمنني. قال عمر: يا أبا ذر، تضمنه على هذا الكلام؟ قال: نعم، أضمنه إلى ثلاثة أيام. فرضي الشابان بضمانة أبي ذرّ وأنظراه ذلك القدر. فلما انقضت مدة الإمهال وكاد وقتها يزول أو قد زال، حضر الشابان إلى مجلس عمر والصحابة حوله كالنجوم حول القمر، وأبو ذرّ قد حضر والخصم ينتظر. فقالا: أين الغريم يا أبا ذرّ؟ كيف يرجع من فر، لا تبرح من مكاننا حتى تفي بضماننا. فقال أبو ذَرّ: وحق الملك العلام، إن انقضى تمام الأيام، ولم يحضر الغلام، وفيت بالضمان وأسلمت نفسي، وبالله المستعان. فقال عمر: والله، إن تأخر الغلام، لأمضين في أبي ذرّ، ما اقتضته شريعة الإسلام. فهمت عبرات الناظرين إليه، وعلت زفرات الحاضرين عليه، وعظم الضجيج وتزايد النشيج، فعرض كبار الصحابة على الشابين أخذ الدية واغتنام الأثنية، فأصرا على عدم القبول، وأبيا إلا الأخذ بثأر المقتول. فبينما الناس يموجون تلهفاً لما مر، ويضجون تأسفاً على أبي ذرّ إذ أقبل الغلام ووقف بين يدي الإمام وسلم عليه أتم السلام ووجهه يتهلل مشرقاً ويتكلل عرقاً وقال: قد أسلمت الصبي إلى أخواله، وعرفتهم بخفي أمواله وأطلعتهم على مكان ماله. ثم اقتحمت هاجرات الحر، ووفيت وفاء الحر. فعجب الناس من صدقه ووفائه، وإقدامه على الموت واجترائه. فقال: من غدر لم يعف عنه من قدر، ومن وفى، رحمه الطالب وعفا، وتحققت أن الموت إذا حضر، لم ينج منه احتراس، كيلا يقال: ذهب الوفاء من الناس. فقال أبو ذَرّ: والله، يا أمير المؤمنين، لقد ضمنت هذا الغلام، ولم أعرفه من أي قوم، ولا رأيته قبل ذلك اليوم. ولكن نظر إلي دون من حضر فقصدني وقال: هذا يضمنني، فلم أستحسن رده، وأبت المروءة أن تخيب قصده، إذ ليس في إجابة القاصد من بأس، كيلا يقال: ذهب الفضل من الناس. فقال الشابان عند ذلك: يا أمير المؤمنين، قد وهبنا هذا الغلام دم أبينا، فبدل وحشته بإيناس، كيلا يقال: ذهب المعروف من الناس. فاستبشر الإمام بالعفو عن الغلام وصدقه ووفائه، واستفزر مروءة أبي ذرّ دون جلسائه، واستحسن اعتماد الشابين في اصطناع المعروف، وأثنى عليهما أحسن ثنائه. وتمثل بهذا البيت: من يصنع الخير لم يعدم جوائزه لا يذهب العرف بين الله والناس ثم عرض عليهما أن يصرف من بيت المال دية أبيهما. فقالا: إنما عفونا ابتغاء وجه ربنا الكريم، ومن نيته هكذا لا يتبع إحسانه مناً ولا أذى. 2 على شعراء التفعيلة النظر في شعر الرومي يقول جلال الدين الرومي: اطلُب الدرَّ أخي وسط الصَدف، واطلُب الفن مِن أرباب الحِرَف. إن رأيتم ناصحين أنصِفوا، بادِروا التعليم لا تستنكفوا 3 لمن نتعجب للضبي أم للرشيد ‏قال الرشيد للمفضل الضبي: اذكر لي بيتًا جيِّد المعنى، يحتاج إلى مقارعة الفكر في استخراج خبيئه ثم دعني وإياه. ‏فقال له: أتعرف بيتًا أوَّله أعرابي في شملته هاب من نومته؛ كأنما صدر عن ركبٍ جرى في أجفانهم الوسن، فركد يستفزهم بعنجهية البدو، وتعجرف الشدو، وآخره مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق؟ ‏قال: لا أعرفه. ‏قال: هو بيت جميل بن معمر: ‏أَلاَ أَيُّهَا الرَّكْبُ النيَامُ أَلاَ هُبُّوا ‏ثم أدركته رقّة المشوق، ‏فقال: ‏أسائلكم هل يقتل الرَّجلَ الحبُّ؟ ‏قال: صدقت، فهل تعرف أنت الآن بيتًا أوَّله أكثم بن صَيْفِي في إصالة الرأي ونُبل العظة، وآخره أبقراط في معرفته بالدّاء والدّواء؟ ‏قال المفضل: قد هولت علي، فليت شعري بأي مهرٍ تُفترَع عروسُ هذا الخدر؟ ‏قال: بإصغائك وإنصافك، وهو قول أبي نوّاس: ‏دَعْ عَنْكَ لَوْمي فَإنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ ‏وَدَاوِني بالتي كانَتْ هِي الدَّاءُ 4 وكم في التجاني الماحي من عقلاء من الحكايات اللطيفة، أن بعض الملوك قصد التفرج على المجانين، فلما دخل عليهم رأى فيهم شاباً حسن الهيئة نظيف الصورة يرى عليه آثار اللطف وتفوح منه شمائل الفطنة، فدنا منه وسأله مسائل، فأجابه عن جميعها بأحسن جواب. فتعجب منه عجباً شديداً. ثم إن المجنون قال للملك: قد سألتني عن أشياء فأجبتك. وإن سائلك سؤالاً واحداً. قال: وما هو؟ قال: متى يجد النائم لذة النوم؟ ففكر الملك ساعة، ثم قال: يجد لذة حال نومه. فقال المجنون: حالة النوم ليس له إحساس. فقال الملك: قبل الدخول في النوم. فقال المجنون: كيف توجد لذته قبل وجوده؟ المجنون: أتوجد لذته وقد انقضى؟ فتحير الملك وزاد إعجابه وقال: لعمري إن هذا لا يحصل من عقلاء كثيرة، فأولى أن يكون نديمي في مثل هذا اليوم، وأمر أن ينصب له تخت بإزاء شباك المجنون، ثم استدعى بالشراب، فحضر فتناول الكأس وشرب، ثم ناول المجنون، فقال: أيها الملك أنت شربت هذا لتصير مثلي فأنا أشربه لأصير مثل من؟ فاتعظ الملك بكلامه ورمى القدح من يده وتاب من ساعته. 5 فلسفة ضد الغباء يقول إيليا: أيقظ شُعورك بالمحبّة إنْ غفا لولا الشعور الناس كانوا كالدُّمى أحبب فيغدو الكوخ قصرا نيراً وابغض فيمسي الكون سجنا مظلما لا تطلبن محبة من جاهلٍ المرء ليس يحب حتى يفهما وارفق بأبناء الغباء كأنهم مرضى فإن الجهل شيء كالعمى 6 الفكرة ضد القبلية يقول الشيخ محمد مختار الشنقيطي: كان الرجل يسافر إلى أي صقع من أصقاع بلاد الإسلام، ما كان يعرفون، هذا مشرقي، ولا مغربي، ولا شمالي، ولا جنوبي، أينما نزل في بلاد الإسلام فهم أهله وذووه، ما كان يقال للمسلم في دار الإسلام: غـريبا، وإذا جـاء زوجوه وأكرموه، لأنهم ما كان يشعرون بأن هناك فرقا بينهم وبين المسلم، كانوا يعرفون ما هو الإسلام. 7 ويظل النابغة أبدا في المقدمة يقول النابغة الجعدي: خَلِيلَيَّ عُوجا ساعَةً وَتَهَجَّرا وَلُوما عَلى ما أَحدَثَ الدَهرُ أَو ذَرا وَلا تَجزَعا إِنَّ الحَيَاةَ ذَمِيمَةٌ فخِفّا لِروعَاتِ الحَوَادِثِ أَو قِرا وَإِن جاءَ أَمرٌ لا تُطِيقانِ دَفعَهُ فَلا تَجزعَا مِمّا قَضى اللَهُ واِصبِرا أَلَم تَرَيا أَنَّ المَلاَمَةَ نَفعُها قَلِيلٌ إِذا ما الشيءُ وَلّى وَأَدبَرا تَهِيجُ البُكاءَ وَالنَدامَةَ ثمَّ لا تُغيِّرُ شَيئاً غَيرَ ما كانَ قُدِّرا أَتَيتُ رَسُولَ اللَهِ إِذ جاءَ بالهُدى وَيَتلُو كِتاباً كالمجرَّةِ نَيِّرا خَلِيلَيَّ قَد لاَقَيتُ ما لَم تُلاَقِيا وَسَيَّرتُ في الأَحياءِ مَا لَم تُسِيِّرا تَذَكَّرتُ والذِّكرى تَهِيجُ لِذي الهَوى وَمِن حاجَةِ المَحزونِ أَن يَتَذَكَّرا نَدَامايَ عِندَ المُنذِرِ بنِ مُحَرِّقٍ أَرَى اليَومَ مِنهُمُ ظَاهِرَ الأَرضِ مُقفِرا وَنَحنُ أُناسٌ لا نَعَوِّدُ خَيلَنا إِذا ما التقينا أَن تَحيدَ وَتَنفِرا وَما كانَ مَعروفاً لَنا أَن نَرُدَّها صِحاحاً وَلا مِستَنكراً أَن تُعقَّرا بَلَغنَا السّما مَجداً وَجوداً وَسُؤدَداً وَإِنّا لَنرجُو فَوقَ ذَلِكَ مَظهَرا وَكُلَّ مَعدٍّ قَد أَحَلَّت سُيوفُنا جَوانِبَ بَحرٍ ذِي غَوَارِبَ أَخضَرا لَعَمري لَقَد أَنذَرتُ أَزداً أُناتَها لِتَنظُرَ في أَحلامِها وَتُفكِّرا وَأَعرضَتُ عَنّها حِقبةً وَتَرَكتُها لأَبلُغَ عُذراً عِندَ رَبِّي فَأُعذَرا وَما قُلتُ حَتّى نالَ شَتمُ عَشيرَتي نُفَيلَ بِنَ عَمرٍو وَالوَحيدَ وَجَعفَرا وَحَيَّ أَبي بَكرٍ وَلا حَيَّ مِثلُهُم إِذا بَلَغَ الأَمرُ العَماسَ المُذَمَّرا وَلا خَيرَ فِي جَهلٍ إِذَا لَم يَكُن لَهُ حَلِيمٌ إِذَا ما أَورَدَ الأَمرَ أَصدَرا وَلا خيرَ فِي حِلمٍ إِذَا لَم تَكُن لَهُ بَوَادِرُ تَحمي صَفوَهُ أَن يُكَدَّرا فَفِي الحِلمِ خَيرٌ مِن أُمورٍ كَثيرةٍ وفِي الجَهلِ أَحياناً إِذا ما تَعَذَّرا كَذاكَ لعمرِي الدَهرُ يَومانِ فاعرِفوا شُرورٌ وَخيرٌ لا بَلِ الشَرُّ أَكثَرا إِذَا اِفتَخَرَ الأَزدِيُّ يوماً فَقُل لَهُ تأَخّر فَلَن يَجعَل لَكَ اللَهُ مَفخرا فَإِن تَرِد العَليا فَلَستَ بِأَهلِها وَإِن تَبسُطِ الكفَّينِ بِالمَجدِ تُقصَرا إِذَا أَدلَجَ الأَزدِيُّ أَدلَجَ سارِقاً فَأَصبَحَ مَخطُوماً بِلَومٍ مُعَذَّرا
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.