صدى الحقيقة

حين تتشابه الشعارات وتختلف المواقف قحت وتوأماها: تأسيس وصمود... سؤال الوطن قبل سؤال السلطة

أبو عبيدة احمد علي عباس
أبو عبيدة احمد علي عباس
✍️ رؤية وطنية (نكتب للوطن ونفكر للمستقبل)
03 Sep 2026 👁 17
شارك الخبر:

ليست المشكلة في أن تختلف القوى السياسية؛ فالاختلاف سنة من سنن الحياة، والسياسة بطبيعتها تقوم على تعدد الرؤى وتباين الاجتهادات. وليست المشكلة كذلك في أن تعارض الحكومة أو تنتقد القوات المسلحة أو تختلف مع قيادتها؛ فالنقد حق، والمعارضة حق، بل هما من صميم الحياة الديمقراطية.

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح المبدأ انتقائياً، والشعار قابلاً للتأويل، والحقيقة موزونة بميزانين.

وهنا يحق للسوداني أن يتساءل، بهدوء لا بغضب، وبعقل لا بانفعال:

كيف يمكن لقوة سياسية أن ترفع شعار «لا للحرب»، ثم لا يكون في خطابها القدر نفسه من الوضوح في إدانة من أشعل الحرب، وما ارتكب خلالها من انتهاكات طالت الإنسان والدولة ومؤسساتها؟

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لهذه الحرب. سقط الضحايا، وتشرّد الملايين، ودُمّرت الممتلكات، وتعرضت البنية التحتية لأضرار جسيمة، وطالت الاعتداءات مرافق حيوية تمس حياة المواطن مباشرة.

ومن بين الأسئلة التي تستحق إجابة سياسية وأخلاقية: أين كانت بيانات الإدانة الواضحة عندما تعرضت مرافق الكهرباء والمياه والمستشفيات والمنشآت المدنية للاعتداء والتخريب؟ وأين كان الصوت المرتفع دفاعاً عن المواطن الذي وجد نفسه نازحاً، أو محاصراً، أو فاقداً لمسكنه ومصدر رزقه؟

إن رفض الحرب موقف نبيل، ولكن رفض الحرب لا يكتمل إلا برفض أسبابها وجرائمها وانتهاكاتها أياً كان مرتكبها.

أما أن تصبح عبارة «لا للحرب» مدخلاً لإدانة طرف واحد، مع الصمت أو التخفيف عندما تأتي الانتهاكات من الطرف الآخر، فذلك ليس سلاماً؛ وإنما هو ازدواج في المعايير.

والأكثر إثارة للتساؤل أن الخطاب السياسي ذاته يرفع راية السلام، لكنه عندما يُفتح باب الحوار السوداني ـ السوداني، تظهر التحفظات والاشتراطات والمبررات.

فإذا كان الحوار هو الطريق إلى السلام، فلماذا يصبح الحوار مرفوضاً عندما يأتي من الداخل؟

وهل يمكن أن يولد السلام الحقيقي في السودان من خارج السودان، بينما أصحاب القضية وشعبها ومؤسساتها موجودون في الداخل؟

إن السودان لا يحتاج إلى سلام تُرسم خرائطه في العواصم الأجنبية، ثم يُطلب من السودانيين توقيعه كما لو كانوا ضيوفاً على وطنهم.

السلام الذي نريده يجب أن يكون سودانياً، والحوار الذي نحتاجه يجب أن يكون سودانياً، والمصالحة التي ننشدها يجب أن تكون سودانية.

ثم تأتي القضية الأكثر حساسية: القوات المسلحة السودانية.

قد يختلف السودانيون حول السياسات، وقد ينتقدون القيادات، وقد يختلفون حول طريقة إدارة الحرب، وهذا كله قابل للنقاش السياسي.

لكن هناك حقيقة دستورية ووطنية لا ينبغي أن تضيع وسط صخب الخلاف:

القوات المسلحة مؤسسة وطنية، ومهمتها الأساسية حماية الوطن وصون سيادته وحماية المواطنين والدولة ومؤسساتها.

وعندما تقوم القوات المسلحة بواجبها في حماية البلاد، فإن انتقادها ينبغي أن يكون على أساس موضوعي ومسؤول، لا أن تتحول كل عملية عسكرية إلى مناسبة لإدانتها، بينما يُعامل الطرف الذي يهاجم المدن والمرافق والمنشآت المدنية وكأنه خارج دائرة المساءلة السياسية.

لا يمكن أن نطلب من الجيش أن يحمي الوطن، ثم نحاسبه لأنه يحمي الوطن.

ولا يمكن أن نرفع شعار الدولة المدنية، ثم نقبل عملياً بأن تكون الدولة رهينة لقوة مسلحة خارج مؤسساتها.

فالمدنية الحقيقية لا تقوم على تعدد الجيوش، ولا على شرعية السلاح الموازي، وإنما تقوم على دولة واحدة، ومؤسسات واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد تحت سلطة الدولة.

ومن هنا يصبح السؤال أكبر من «قحت» و«تأسيس» و«صمود».

فهذه التحولات التنظيمية، مهما تغيرت أسماؤها، لا تعفي أصحابها من الإجابة عن سؤال جوهري:

هل المعيار هو السودان، أم الوصول إلى السلطة؟

إن كان السودان هو المعيار، فالموقف يجب أن يكون واضحاً من قتل السودانيين، ومن تهجيرهم، ومن اغتصاب النساء، ومن نهب الممتلكات، ومن تدمير المرافق العامة، ومن الاعتداء على المستشفيات ومصادر المياه والكهرباء، أياً كان الفاعل.

وإن كانت الديمقراطية هي المعيار، فلا يجوز أن تصبح البندقية طريقاً إليها.

وإن كان السلام هو المعيار، فلا يجوز أن يكون السلام مجرد عنوان سياسي يخفي صراعاً آخر على السلطة.

وإن كانت حقوق الإنسان هي المعيار، فالإنسان السوداني يستحق الدفاع عنه حتى عندما يكون في الجانب الذي لا نتفق معه سياسياً.

وهنا تحديداً يكمن الامتحان الحقيقي.

فالخيانة الوطنية، إن صح التعبير، ليست مجرد كلمة تُرمى على الخصوم؛ إنها مفهوم خطير لا ينبغي استخدامه إلا بمعايير واضحة وأدلة ومسؤولية. لكن الأخطر من الاتهام نفسه هو أن يصبح الانحياز السياسي أقوى من الانتماء إلى الوطن، وأن يرى السياسي في خصمه سودانياً أقل استحقاقاً للحماية من حليفه.

ذلك هو الطريق الذي ينبغي أن نحذر منه جميعاً.

فالوطن لا يحتمل أنصاف الحقائق.

ولا يحتمل أن يكون دم السوداني حراماً إذا سفكه الخصم، ومقبولاً إذا سفكه الحليف.

ولا يحتمل أن يكون تدمير المنشآت جريمة حين يقع على يد طرف، و«فعلاً من أفعال الحرب» حين يقع على يد طرف آخر.

المبدأ لا يتجزأ.

ومن يريد أن يقنع الشعب السوداني بأنه يحمل مشروعاً للحرية والديمقراطية والسلام، فعليه أولاً أن يقنعه بأنه يرى السودان قبل الحزب، والوطن قبل التنظيم، والمواطن قبل السلطة.

أما تغيير الأسماء من قحت إلى تأسيس أو صمود، فلا يغير جوهر السؤال.

قد تتبدل الواجهات، وتتغير المسميات، وتتعدد التحالفات، لكن المواطن السوداني البسيط سيظل يسأل السؤال ذاته:

من يقف مع السودان عندما يكون السودان في محنته؟

وهذا هو السؤال الذي لا تجيب عنه البيانات، ولا المؤتمرات الصحفية، ولا الشعارات البراقة.

تجيب عنه المواقف.

فالمواقف وحدها هي التي تكشف معدن الرجال، وتفرق بين من يجعل الوطن غاية، ومن يجعله وسيلة.

يا أهل السياسة...

اختلفوا كما شئتم، وتنافسوا كما شئتم، وانتقدوا كما شئتم؛ لكن لا تجعلوا السودان هو الخاسر في كل خلاف.

قولوا «لا للحرب»... ونحن معكم.

وقولوا «نعم للسلام»... ونحن معكم.

وقولوا «نريد الديمقراطية»... ونحن معكم.

لكن قولوا هذه الكلمات بالميزان نفسه، والمعيار نفسه، والصدق نفسه.

فالسودان لا يريد سلاماً على مقاس حزب، ولا ديمقراطية على ظهر بندقية، ولا حرية انتقائية، ولا حقوق إنسان تتوقف عند حدود الحليف.

السودان يريد دولةً واحدة.

وجيشاً وطنياً واحداً.

وقانوناً واحداً.

وسلاماً لا يعيد إنتاج الحرب.

وديمقراطية لا تُفتح أبوابها لمن يحمل السلاح على الدولة.

وأحزاباً تختلف في البرامج، لكنها تتفق على شيء واحد:

أن السودان أولاً... وأن السودان أخيراً... وأن لا سلطة تعلو على مصلحة الوطن.

تلك هي القضية.

وما عداها تفاصيل سياسية عابرة، سيطويها التاريخ، ويبقى السودان.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.