تنتظم البلاد هذه الأيام حالة يمكن أن نطلق عليها «نفرة»؛ تشبه، في مشهدها الجماعي، نفرة الحجيج من عرفات. سودانيون يعودون من كل حدب وصوب، لكن هذه المرة ليست عودة للأسر فقط، وإنما للجامعات، التي بدأ طلابها وأساتذتها يشقون طريقهم نحو الوطن لاستعادة مقاعد الدراسة وقاعات المحاضرات.
وهنا في مصر سادتي، كنا شهود عيان على عودة جماعية، جرى تنظيمها تحت إشراف «لجنة الأمل» ولجنة أساتذة الجامعات، برئاسة البروفيسور أسامة محمد سعيد، الذي ظل حريصاً على متابعة عمليات التفويج ميدانياً، إلى جانب مبادرات عدد من الجامعات، بينها كلية النهضة، وجامعة التقانة، وجامعة العلوم الطبية التي سيرت رحلات لإعادة منسوبيها من الطلاب والأساتذة، وتكفلت بمصوفات الرحلات كاملة.
ولا يفوتنا ان نؤكد متابعة المستشارية الثقافية وقائد ركبها المستشار د. عاصم حسن وهو يتابع باهتمام وحضور لافت، وهو يؤكد دائماً أن للطلاب أولوية في التفويج وأن إبراز الطالب لبطاقته الجامعية كافي لتسهيل عودته حتى إن لم يكن اسمه مدرجاً مسبقاً في كشوفات العودة.
كل ذلك يعني أن وزارة التعليم العالي فتحت الباب على مصراعيه أمام عودة السودانيين، خاصة الشباب، وأن لهذه العودة ما بعدها؛ فهي لا تعني مجرد انتقال طلاب وأساتذة من مصر إلى السودان، وإنما تعني إعادة الروح إلى الجامعات التي ظنت المليشيا أن أبوابها ستظل مغلقة، وأن التعليم سيتوقف لسنوات طويلة.
ولكن سادتي، حتى تكتمل هذه الصورة الزاهية لا بد أن يكون قرار العودة بداية لمسؤولية أكبر لا مجرد قرار إداري. الدولة مطالبة بأن تخطو خطوات إضافية، وأن تقدم تسهيلات حقيقية للجامعات، من بينها إعفاء مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة من رسوم المياه والكهرباء، ودعمها في إعادة تأهيل المباني والمعامل والبنية التحتية التي دمرتها الحرب.
وقد أشارت د. إشراقة حمزة بلدو، مدير إدارة التعليم التقني والتقاني بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إلى أن الجامعات تعرضت لتدمير ممنهج، وهو ما يتطلب تدخلاً واسعاً من الدولة ومنظمات المجتمع المدني الوطنية والدولية.
والأمر لا يتوقف عند الجامعات؛ فالطلاب وأسرهم أيضاً يحتاجون إلى الدعم. فارتفاع تكاليف المواصلات والمعيشة والكتب والمراجع يمثل عبئاً إضافياً على أسر أنهكتها الحرب.
لذلك سادتي، فإن اكتمال العودة يحتاج إلى تضافر الجميع. وإذا اجتمعت إرادة الدولة والجامعات والمجتمع، فإن المستحيل يصبح ممكناً، والبعيد يصبح قريباً.
فالجامعات ليست مباني فقط؛ إنها ذاكرة وطن، ومستقبل أمة، وما دام في السودان روح تقاوم وتعود، فلن تضيع هذه البلاد أبداً