صدى الحقيقة

العزيزية.. أيادٍ بيضاء

آمنة السيدح
آمنة السيدح
✍️ تنظير
08 Aug 2026 • 👁 52
شارك الخبر:

منذ بداية تفويج لجنة الأمل للعودة الطوعية، كنت أتعامل مع شركة العزيزية باعتبارها شركة محظوظة؛ فقد وقع عليها الاختيار للعمل في هذا المشروع الوطني الكبير، وكنت أظن أن الأمر لا يتجاوز حدود شركة وجدت فرصة للعمل في مشروع واسع ومهم.

والآن أكتشف أنني كنت مخطئة في قراءتي للمشهد. فالموضوع أكبر من شركة تعمل في مجال النقل، وأكبر من بصات تتحرك في طريق العودة إلى السودان.

العزيزية، كما اتضح لي سادتي، ليست مجرد شركة عابرة للحدود، وإنما كيان يعرف كيف يجعل امتداده الجغرافي وسيلة لخدمة الناس. شركة مصرية في مصر، وسودانية في السودان، وسعودية في السعودية، والآن صينية في الصين.

وهذا الانتشار بالتأكيد يجعل مهمة تفويج السودانيين الراغبين في العودة إلى بلادهم أكثر سهولة، ويمنحها قدرة على الحركة لا تتوفر لكثير من الشركات.

لكن الأهم من كل ذلك سادتي، أن القائمين على العزيزية ظلوا يؤكدون دائماً أن أبوابهم لن تُغلق أمام أي مواطن سوداني يرغب في العودة إلى وطنه. وهنا تحديداً تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى.

اليوم سادتي، تسيّر العزيزية خمسة بصات مجانية، مساهمة من منظمة العزيزية الخيرية، في مشهد أراه أكبر من مجرد خمسة بصات تتحرك نحو السودان.

فالمنظمة التي تأسست منذ العام 2015م، لم تبدأ علاقتها بالعمل الإنساني اليوم، ولم تنتظر الحرب حتى تكتشف معنى المسؤولية الاجتماعية.

هناك في الولاية الشمالية، حيث أسهمت في توصيل الكهرباء إلى عدد من المناطق، وهناك كسوة الشتاء والحقائب الرمضانية، وهناك أيضاً الأكفان التي وفرتها في وقت حدثت فيه ندرة، فكان حتى الموت يحتاج إلى من يمد له يد العون.

وهذا هو الفرق سادتي..

قد يستطيع أي شخص أن يقيم مشروعاً تجارياً ناجحاً، وقد تستطيع شركة أن تحقق أرباحاً ضخمة، وأن تنتشر في أكثر من بلد، لكن أن تنجح في تحويل جزء من هذا النجاح إلى مسؤولية تجاه المجتمع، فذلك أمر آخر تماماً.

المسؤولية الاجتماعية ليست لافتة تُرفع في المناسبات، ولا صورة تُلتقط أمام كاميرا، وإنما هي وعي بأن المال حين يكبر، تكبر معه المسؤولية. ولذلك أرى العزيزية اليوم مشروعاً وطنياً عابراً للحدود، لا لأنها تعمل في مصر والسودان والسعودية والصين فقط، وإنما لأنها فهمت أن الحدود قد تفصل الجغرافيا، لكنها لا ينبغي أن تفصل الإنسان عن أخيه.

لذلك سادتي، البصات الخمس المجانية اليوم ليست نهاية الحكاية..

إنها رسالة.

رسالة تقول للعائد: لسنا بعيدين عنك، وطريقك إلى وطنك ليس مسؤوليتك وحدك.

بارك الله في العزيزية، وبارك في القائمين عليها، لأنهم عرفوا قدر العمل العام، وأدركوا أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس ما جمعه لنفسه، وإنما الأثر الذي تركه في حياة الآخرين.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.