صدى الحقيقة

السودان بين سدين: الجهاز الفني للموارد المائية … الثابت في معادلة المياه والمتغير في هياكل الدولة (3-3)

د. عمار أبكر عبد الله
د. عمار أبكر عبد الله
✍️ كتابات حرة
25 Jul 2026 • 👁 51
شارك الخبر:

بينما ينشغل الرأي العام في السودان بمناسيب النيل، وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، ومستويات التخزين في السدود السودانية … يظل هنالك سؤال جوهري بعيداً عن دائرة النقاش: ما هي المؤسسة التي تجمع البيانات، وتحللها، وتربط بين التنبؤات المناخية والتشغيل اليومي للسدود … وتترجم الاتفاقيات الإقليمية إلى إجراءات قومية تدعم القرار؟ .. تقودنا الإجابة على هذا السؤال إلى الجهاز الفني للموارد المائية؛ المؤسسة التي مثلت، على مدى عقود، الذاكرة العلمية والخبرة المؤسسية للدولة السودانية في إدارة الموارد المائية، رغم تعاقب الحكومات، وتغير الهياكل التنظيمية، وإعادة هيكلة الوزارات.

واليوم، وبعد تشغيل سد النهضة الإثيوبي، وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة، لم يعد دور هذه المؤسسة ترفاً إدارياً … بل أصبح أحد أهم ركائز الأمن المائي القومي، لأن السودان يحتل موقعاً فريداً بين أكبر منشأتين مائيتين في حوض النيل الشرقي: سد النهضة الإثيوبي جنوباً والسد العالي المصري شمالاً. وفي هذا الموقع الحساس، لم تعد إدارة المياه تعتمد على الخبرة التشغيلية وحدها، بل أصبحت تستند إلى منظومة متكاملة من الرصد والتحليل والتنبؤ والتنسيق الإقليمي … وهو ما يجعل وجود مؤسسة فنية مستقرة ضرورة قومية لا غنى عنها.

مؤسسة دولة … لا إدارة داخل وزارة:

على امتداد العقود الماضية … تعاقبت على السودان حكومات متعددة، وتبدلت الهياكل التنظيمية للدولة؛ فتارة كانت وزارة مستقلة للري والموارد المائية أو للموارد المائية فقط، وتارة دُمجت مع الكهرباء أو الزراعة أو قطاعات أخرى، إلا أن إدارة الموارد المائية ظلت بحاجة إلى مؤسسة تحفظ المعرفة الفنية للدولة وتضمن استمرارية السياسات، بغض النظر عن المتغيرات الإدارية والسياسية. ومن هذا الإدراك نشأ الجهاز الفني للموارد المائية … ليكون بيت الخبرة القومي في مجالات الدراسات الهيدرولوجية، والتخطيط، وإدارة المعلومات، والتعاون الإقليمي، ودعم متخذ القرار بالمشورة العلمية. وتتسق هذه الفلسفة مع قانون الموارد المائية لسنة 1995، الذي أنشأ المجلس القومي للموارد المائية تحت إشراف رئيس الجمهورية – الدولة، ومنحه اختصاص رسم السياسة العامة للموارد المائية، والتنسيق بين الجهات المختصة، وإبداء الرأي في الموارد المائية المشتركة، وتشجيع البحث العلمي، بينما أوكل إلى الأمانة العامة جمع المعلومات وتحليلها وإعدادها لخدمة المجلس وصانع القرار.

ولذلك، فإن قيمة الجهاز الفني لا تكمن في تبعيته الإدارية، وإنما في كونه المؤسسة التي تحفظ الذاكرة المؤسسية للدولة في أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالأمن القومي والتنمية المستدامة. فالمياه ليست مورداً قطاعياً يخص وزارة بعينها، وإنما ترتبط بالأمن الغذائي، والطاقة، والزراعة، والصحة، والبيئة، والاستثمار، والعلاقات الخارجية، وإدارة الكوارث، وهو ما يجعل إدارتها تتجاوز حدود العمل التنفيذي اليومي. ولهذا، أسندت الدولة السودانية إلى الجهاز الفني متابعة أكثر الملفات المائية حساسية، وفي مقدمتها التعاون مع دول حوض النيل، والإشراف الفني على اللجان المشتركة، ومتابعة الاتفاقيات الإقليمية، وإعداد الدراسات التي تستند إليها القرارات القومية. كما تقوم العلاقة بين رئيس الجهاز الفني والوزير المختص على التكامل والتشاور المؤسسي؛ فالجهاز يقدم الرأي العلمي المستقل، بينما يبقى القرار التنفيذي والسياسي من اختصاص السلطة المختصة وفقاً للقانون. وهذه المعادلة تضمن أن يبقى القرار القومي قائماً على المعرفة العلمية ومنسجماً مع أولويات الدولة.

السودان … الحلقة الوسطى في منظومة النيل الشرقي:

يختلف السودان عن كثير من دول العالم، لأنه لا يدير نهراً وطنياً فحسب، بل يدير الجزء الأكثر حساسية في منظومة النيل الشرقي الممتدة من الهضبة الإثيوبية، مروراً بسد النهضة وخزانات الروصيرص وسنار ومروي وجبل أولياء، وصولاً إلى السد العالي في مصر. وقد فرض هذا الواقع على السودان مسؤولية مزدوجة؛ فهو يتأثر مباشرة بقرارات التشغيل في أعالي الحوض، وفي الوقت نفسه تؤثر قراراته التشغيلية في دولة المصب، الأمر الذي يجعل التنسيق الفني والدقة في اتخاذ القرار ضرورة استراتيجية. ومع تشغيل سد النهضة، لم يعد كافياً الاكتفاء بمتابعة مناسيب المياه داخل السودان، بل أصبح من الضروري متابعة الأمطار على الهضبة الإثيوبية، وخطط تشغيل السد، والتوقعات المناخية، وحالة التخزين، واحتياجات الري، وإنتاج الطاقة، وسلامة المنشآت، والالتزامات الفنية مع دول الجوار. ومن هنا تحولت إدارة المياه إلى منظومة علمية متكاملة تجمع بين الهيدرولوجيا، والهندسة، والأرصاد الجوية، والاستشعار عن بُعد، والنمذجة الرياضية، وإدارة المخاطر، والدبلوماسية المائية … وفي قلب هذه المنظومة يقف الجهاز الفني للموارد المائية باعتباره المؤسسة التي تحول البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى بدائل تشغيلية … والبدائل إلى توصيات علمية تدعم القرار القومي في السودان.

كيف تُدار منظومة السدود والخزانات السودانية؟

يعتقد كثيرون أن تشغيل السدود يقتصر على فتح البوابات أو إغلاقها، بينما الواقع أكثر تعقيداً. فإدارة السدود الحديثة تبدأ قبل وصول المياه إلى الخزان، وتعتمد على منظومة متكاملة تشمل شبكات الرصد الهيدرولوجي، وبيانات الأمطار، وصور الأقمار الصناعية، والرادارات، والتنبؤات العددية، والتوقعات المناخية، إضافة إلى معلومات التخزين واحتياجات الشرب والري والطاقة وسلامة المنشآت. وتُدمج هذه البيانات في نماذج رياضية وهيدرولوجية لإنتاج سيناريوهات متعددة تساعد متخذ القرار على التعامل مع الفيضانات والجفاف والتغيرات المفاجئة في الواردات المائية. وهنا تبرز أهمية التحليل الهيدرولوجي الذي يتجاوز قراءة الأرقام إلى تقييم جودة البيانات، ومقارنتها بالسجلات التاريخية، وتحليل الاتجاهات، وحساب التوازن المائي، وبناء بدائل تشغيلية تحقق أفضل استخدام للمياه مع المحافظة على سلامة المنشآت … إن نجاح أي قرار تشغيلي يعتمد على جودة التحليل، لأن المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب قد تمنع خسائر كبيرة، بينما تصبح البيانات عديمة القيمة إذا لم تتحول إلى معرفة قابلة للاستخدام.

الجهاز الفني … العقل التحليلي ومن التفاوض إلى التشغيل:

يقوم الجهاز الفني للموارد المائية … بجمع المعلومات من مصادرها المختلفة، وتحليلها، وربطها بالواقع التشغيلي، وتحويلها إلى توصيات تدعم متخذ القرار. فهو لا يكتفي باستقبال البيانات، بل يدمجها مع التنبؤات المناخية، وصور الأقمار الصناعية، والمنتديات الإقليمية، والاتفاقيات الثنائية، وقواعد البيانات التاريخية، ليقدم صورة علمية متكاملة عن الحالة المائية. ولا يقتصر دوره على وصف الواقع، بل يمتد إلى استشراف ما قد يحدث خلال الأيام والأسابيع المقبلة، حتى يصبح القرار القومي قراراً استباقياً. كما تبدأ مسؤولية الجهاز قبل أي جولة تفاوضية، من خلال إعداد الدراسات وصياغة المواقف الفنية، ثم تستمر بعد التوقيع بترجمة الاتفاقيات إلى إجراءات تشغيلية داخل السودان، تشمل تحديث قواعد التشغيل، وتطوير النماذج، وإعداد خطط الطوارئ، ومتابعة التنفيذ، وقياس الأثر. وبذلك يشكل الجهاز الفني حلقة الوصل بين الاتفاقيات الدولية والتطبيق الوطني، ويضطلع بدور محوري في استكمال الإجراءات المؤسسية للاتفاقيات، ومتابعة تنفيذها، وتقييم مدى الالتزام بها.

تحديث قواعد التشغيل … ضرورة لا خيار:

غيّر تشغيل سد النهضة كثيراً من المفاهيم التقليدية لإدارة المياه في السودان، ولم تعد قواعد التشغيل القديمة كافية للتعامل مع الواقع الجديد، الذي يتسم بسرعة التغير، والاعتماد المتزايد على التنبؤات، وتبادل البيانات، والتنسيق الإقليمي. ومن ثم، أصبح تحديث قواعد تشغيل السدود والخزانات عملية مستمرة تستوعب المستجدات الهيدرولوجية، والتغيرات المناخية، والاتفاقيات الفنية، والتطورات في النمذجة والاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي … ويقع على عاتق الجهاز الفني قيادة هذا التطوير بالتنسيق مع الجهات المختصة.

اتفاقية الخرطوم 2022 … عندما تتحول الوثيقة إلى أداة لإدارة المخاطر:

شهد التعاون الفني بين السودان وإثيوبيا تطوراً مهماً بتوقيع وثيقة:

Technical Rules and Guidelines for First Filling and Annual Operation of the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD) …

في الخرطوم بتاريخ 26 أكتوبر 2022. وجاءت الوثيقة ثمرة سنوات من الحوار الفني عبر اللجنة الفنية السودانية الإثيوبية المشتركة للموارد المائية (ESTAC)، التي يشرف الجهاز الفني للموارد المائية على أعمالها … وتهدف إلى تعزيز سلامة تشغيل سد النهضة وخزان الروصيرص، وتقليل المخاطر، وتطوير آليات تبادل البيانات. وتضمنت الوثيقة تبادل البيانات اليومية والشهرية، والإخطار بخطط التشغيل وإعادة الملء، وإنشاء لجنة فنية وآلية وزارية للمتابعة، بما يمكّن السودان من الاستعداد المبكر لأي تغير في الواردات المائية. غير أن قيمة هذه الوثيقة لا تكمن في توقيعها، وإنما في حسن تنفيذها، وانتظام تبادل المعلومات، وتحويل البيانات إلى إجراءات تشغيلية تدعم القرار القومي.

نافذة السودان الإقليمية:

لا يقتصر التعاون الفني على إثيوبيا، بل يمتد إلى الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل بين السودان ومصر، المنشأة بموجب اتفاقية عام 1959، وإلى مبادرة حوض النيل، والمكتب الفني الإقليمي للنيل الشرقي (ENTRO)، ونظام التنبؤ بالفيضانات والإنذار المبكر (EN-FFEWS)، ومنتدى التوقعات المناخية (GHACOF). وتوفر هذه الأطر معلومات وبيانات وتوقعات متقدمة تساعد السودان على تحسين إدارة الفيضانات والجفاف، وتعزيز الإنذار المبكر، وبناء القدرات الوطنية. وتكمن المهمة الجوهرية للجهاز الفني في دمج هذه المصادر المختلفة داخل منظومة قومية موحدة، بحيث تتحول البيانات إلى قراءة علمية واحدة تُبنى عليها قرارات تشغيل السدود والخزانات … وبذلك يصبح الجهاز الجسر الحقيقي بين الداخل والخارج، وبين التفاوض والتنفيذ، وبين العلم وصناعة القرار.

رؤية للمستقبل:

تتطلب المرحلة المقبلة تطوير الجهاز الفني ليصبح مركزاً قومياً متكاملاً لدعم القرار، يجمع بين الرصد الهيدرولوجي، والتنبؤات المناخية، والاستشعار عن بُعد، ونظم المعلومات الجغرافية، والنمذجة الرياضية، والذكاء الاصطناعي، ويحوّلها إلى مؤشرات وإنذارات مبكرة وسيناريوهات تشغيلية. كما تستوجب المرحلة تعزيز التنسيق المؤسسي بين الجهاز الفني، والإدارة العامة للخزانات، والإدارة العامة لمياه النيل، والهيئة العامة للأرصاد الجوية، والجامعات ومراكز البحوث، إلى جانب الاستثمار في الكوادر الوطنية والشراكات الإقليمية والدولية.

خاتمة:

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الأمن المائي لا يتحقق ببناء السدود وحدها، وإنما ببناء مؤسسات علمية قوية قادرة على إدارة تلك السدود بكفاءة، وتحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى سياسات، والسياسات إلى قرارات تحقق التنمية وتحمي المصالح القومية. وإذا كانت السدود والخزانات تمثل البنية التحتية للأمن المائي، فإن الجهاز الفني للموارد المائية يمثل البنية المؤسسية لهذا الأمن، والضامن لاستمرارية المعرفة الفنية، وحسن إدارة الموارد المائية في مواجهة المتغيرات الإقليمية والمناخية. إن السودان لا تنقصه الكفاءات ولا الخبرات ولا الاتفاقيات …. بل يحتاج إلى تكامل مؤسسي يُمكّن الجهاز الفني من آداء رسالته كاملة باعتباره المرجعية العلمية والبحثية للدولة في إدارة الموارد المائية والأحواض المشتركة، والقادر على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الوطنية، والتعاون مع إثيوبيا، والتنسيق مع مصر، والوفاء بالتزامات السودان الإقليمية في حوض النيل. وبين سد النهضة الإثيوبي والسد العالي المصري … يبقى الرهان الحقيقي ليس على حجم المياه وحده، وإنما على جودة الإدارة، وقوة المؤسسات، واستقلالية الرأي الفني، وقدرة الدولة على تحويل العلم إلى قرار، والتحديات إلى فرص … بما يصون الأمن المائي ويخدم حاضر السودان ومستقبله.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.