صدى الحقيقة

عثمان أمان في كوبر بعد 22 يوليو: من "كل السلطة في يد الجبهة" إلى "كل الجبهة في يد السلطة"

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم
✍️ كتابات حرة
21 Jul 2026 • 👁 87
شارك الخبر:

(مسرح الأحداث عن 19 يوليو ونكستها هو إما محاكمات الشجرة أو مذبحة بيت الضيافة أو إعدامات رموز الحركة اليسارية في سجن كوبر. فلا حديث عن مئات اليساريين الذين أودعوا حوش السرايا بسجن كوبر في الخرطوم بحري. ولم تلفت إليهم حتى كتابات محمد سعيد القدال وصدقي كبلو وخليل الياس وزميل محامي سأتذكر اسمه عن ذكرياتهم في كوبر أو سجن شالا. كانت السرايا جامعة من حيث الحشد البشري فيها والزمالة عن كثب، ومن حيث ازدهار الثقافة في جنباتها.

ومن بين عرفت من سكانها وسعدت بهم الزميل عثمان أمان. وكتبت عنه هذه الكلمة والتي ستأتي عن ظرفه الذي سلينا به اعتقالنا. وأردت بمثل هذه الكتابة أن يكون كوبر مسرحاً ل19 يوليو لأنه ميدان الحركة بينما كانت المسارح الأخرى ميادين قادتها).

نشأنا على الطرب لمآثر رجال الحركة الوطنية وعلى فكاهاتهم معاً. وقد أرَّخنا لها ما وسعنا وفات علينا أن نؤرخ لنوادرهم. وقد فجعنا الموت العاجل في أوسم الناس طرباً لفكاهاتهم، وأسلسهم روايةً لها، وأكثرهم ولعاً بها: المرحوم عثمان حسن أحمد (الكد) أمطر الله قبره الشآبيب السخية على إحسانه وبره.

وفي باب فكاهات جيل الحركة الوطنية استغرقنا الضحك لنادرة "ميرغني حمزة وأخوه البلة". وسأرويها على قدمها عملاً بنصح السيدة ليندا دق، أستاذة الفلكلور بجامعة إنديانا الأمريكية، التي قالت إن الفكاهة قديمة ولكن ما يُضحك فيها أن جمهور المستمعين لها أو المصتنتين يتجدد. فهم مثل النهر لا تعبره إلى الشاطئ الآخر مرتين، كما قال معتنق قديم لحكمة الجدل.

قيل كان هناك من يحتفظ بقائمة لثقلاء جيل طلائع الخريجين، وقد وضع عليها اسم "ميرغني حمزة وأخوه البلة" بوصفهما من أثقل خلق الله. ولم يعجب هذا القرار جماعة من الفضلاء نظراً لمنزلة ميرغني حمزة عندهم وعند غيرهم. والمرحوم ميرغني من طلائع حركة الأشقاء التي تزعمها المرحوم إسماعيل الأزهري، أول رئيس وزراء للسودان المستقل وهو أول وزير وطني للأشغال العامة. توسطت هذه الجماعة لصاحب القائمة لينزع عنها اسم الرجل. وتمنع صاحب القائمة، وتذرع، وروى من ثقالات ميرغني ما يؤيد قراره، ثم لان بإزاء الإلحاح، وقبل بسحب اسم ميرغني حمزة، ولكنه اشترط عليهم أن يُبقي على عبارة

"وأخوه البلة" على القائمة.

وقد وقفنا أيضاً على أشعارهم الحلمنتيشية مثل قول المرحوم عبد الحليم علي طه في هجاء رجال الطوائف الصوفية من "المخلصين" للاستعمار. و "المخلصين" كانت العبارة التي يوصف بها كل مصانع للاستعمار كما قال العالم الجهبذ: عبد الله الطيب. قال عبد الحليم

عنهم:

أبَّان لِباساً بُوجه (فضفاض)

المابعومو عكس المُوجه

وطرقت أذننا حلمنتيشيات من غاب عني اسمه ساعة الكتابة والذي كتب قصيدة مهجنة التزم فيها بلزوم ما لا يلزم: قافية قاصرة على الكلمات الإنجليزية مثل:

أعلم يا صديقي أنك بارع في الإديوكيشن (education) (وتخونني الذاكرة عن رصد ما تلاها).

وكان المرحوم عثمان حسن أحمد الكد ولعاً بطرائف الزعيم المرحوم الطيب محمد خير.

ولم يخل جيلنا من ظرفاء. ولم تكن عقائدنا الجديدة منقبضة أو متجهمة. فلم يكن بوسع شيوعي أو يساري أو ديمقراطي وهلمجرا في مديرية الخرطوم أن يكون بمنأى عن عدوى طرائف عثمان أمان. وكان اسمه " أمان " أول المداخل إلى فكاهاته. فقد اكتسب الاسم من حرصه الحريص ألا يجلس في اجتماع حزبي شيوعي سرِّي لا يتفق أفراده على " أمان الاجتماع"، أي السبب الذي سيدلون به لقوى الأمن يبررون به وجودهم في المكان والزمان إذا "ضُرب" الاجتماع، أي كشفه الأمن، وطوقه، واعتقل من به.

كنت اسمع بعثمان أمان سمعاً حتى التقيت به في "السراية" وهي البناء الفسيح الوسيع في سجن كوبر المركزي بمدينة الخرطوم بحري الذي اتسع لمئات المعتقلين بعد فشل انقلاب 19 يوليو 1971 وكان ما يزال يقول: هل من مزيد. وساد الانقلاب لأيام ثلاثة عصيبة، ثم باد، ودفع الحزب الشيوعي السوداني وحلفاؤه ممن اتُّهموا بتدبيره ثمناً عجيباً: نقصاً في الأنفس وكساداً في النفوذ الاجتماعي والسياسي بين الناس. ولم يغب قصر الحلم – حلم الدولة الوطنية الديمقراطية – عن فطنة هذه الجماعة المعتقلة الحصيفة. فقد راج بينهم آنذاك أنهم ما كانوا يدرون أنهم حين هتفوا خلال الأيام الثلاثة "كل السلطة في يد الجبهة، ويعنون بها "الجبهة الوطنية الديمقراطية"، أنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى من كون "كل الجبهة في يد السلطة".

كان مقامي في المعتقل في عنبر (2) حيث التقيت بعثمان أمان. وعثمان مائل إلى القصر والدقة. وبياض لونه ونعومة شعره مما يشي بأصول مصرية أو تركية قريبة. وله وجه وصوت سخيلان، كما كان يقول المرحوم الموسيقار إسماعيل عبد المعين، يتناصران عليك لأخذك أخذاً لعالم هزله الهازل. وقد تخرج من المدرسة الوسطى، وعمل فريزاً للألوان بمطبعة المساحة. وهو حجة في الألوان، وعلم الجدل الماركسي الذي كان يُدرِّسه لفروع الحزب والمستجدين من المرشحين، وله نظرية في اللغة والأصوات.. وكل هذا بلا ادعاء ولكنه فتح من الله ونصر قريب.

كان أول حديثي معه حين وجدته " يرعى بغنم ابليس" عند حائط السراية الذي يلي عنابر المعاملة الخاصة، وكان يحتل واحداً منها الدكتور حسن الترابي نزيلاً على نظام النميري. ويقول أهلنا الرباطاب لمن يُشاهد يرعى بغنم إبليس إنه "يقايس" أي يذرع الخيال بحثاً عن حل. ولما رأيت عثمان أمان "يقايس" قلت له:

- سارح وين؟

- إرسال خارجي أتفكر في لؤم أرملتي.

وكانت زوجته لم تزره بعد لتزوده بـ "السعوط". وهي نفس الزوجة التي احتجت يوماً أنه كثير الخروج، كثير الاجتماعات، ويعرض نفسه لخطر الاعتقال. وقال إنه حدثها عن أهمية عمله، وتمسكه بعقيدته الشيوعية، وهلمجرا. فقالت له متنازلة:

- طيب ما تعملها في بيتك هنا مع وليداتك.

وهذه العبارة مما كانت تقوله الزوجات والأمهات حين يلمسن في أزواجهن أو أولادهن شغفاً بالسكر والخمر، وسهراً بالخارج، مع الشلة، وتفريطاً في حق الأهل.

ونواصل الحديث عن عثمان أمان حين نظم ندوة بالمعتقل يرد بها على الفنان الموسيقار محمد وردي ونذكر عنه مواقف أخرى بعضها مع الدكتور فاروق كدودة الذي هو أيضاً باب فريد في الوسامة والظرف

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.