قبل أيام كتبت مقالًا بعنوان (إلى كبار كسلا... ختوا الكورة واطة)، خشيةً من أن تتحول شرارة صغيرة إلى نار تأكل ما تبقى من تماسك نحن في أمسّ الحاجة إليه، يومها قلت إن الحكمة يجب أن تتقدم على الانفعال، وإن الرجال الكبار لا يكسبون المعارك مع بعضهم، بل يكسبون الوطن.
واليوم، يحق لنا أن نقول إن صوت العقل انتصر، وإن الحكمة انتزعت زمام المبادرة قبل أن يعبث بها دعاة التأزيم ، فالسحابة التي خيمت بين والي ولاية كسلا والناظر ترك بدأت تنقشع، بعدما أدرك الجميع أن الوطن لا يحتمل خصومات جديدة، وأن المرحلة أخطر من أن تُدار بردود الأفعال
التحية لوالي كسلا الذي اختار أن يرتفع فوق ضجيج الخلاف، والتحية للناظر ترك الذي يعرف أن الزعامة الحقيقية ليست في إشعال الحرائق، بل في إخمادها، فالرجال تُختبر معادنهم عند المنعطفات، لا في الأيام الهادئة، وقد تجاوز الطرفان اختبارًا كان يمكن أن يقود إلى ما لا تُحمد عقباه
إن الذين كانوا ينفخون في جمر الخلاف خسروا، والذين كانوا يراهنون على اتساع الفجوة خابت رهاناتهم ، لأن كسلا أكبر من الأشخاص، والشرق أكبر من أي خلاف، والسودان اليوم لا يملك رفاهية أن يفتح جبهة داخلية بينما ما تزال جبهات الوطن مشتعلة
أهل الشرق علمونا أن الشمس تشرق من عندهم، وإذا غربت فإنها تقرض أهل الشرق ذات اليمين وذات الشمال بنورها
هكذا هو الشرق؛ لا يصنع الدفء لنفسه وحده، بل يوزعه على الجميع، لذلك لا يليق بأرضٍ تمنح السودان أول الضوء وآخره أن تُحاصرها ظلال الخصومات
إني من منصتي أنظر .... حيث أرى.....اليوم لم ينتصر الوالي، ولم ينتصر الناظر... بل انتصرت كسلا، وانتصر الشرق، وانتصر السودان. وهذه هي المعركة الوحيدة التي تستحق أن يحتفل بها الجميع. أما الخلافات، فمكانها أن تُدفن تحت أقدام العقلاء، لأن الأوطان لا تُحفظ بالصوت الأعلى، وإنما بالحكمة الأعلى.