حين تُذكر إثيوبيا في الذاكرة العربية والإسلامية، غالباً ما تحضر صورة «بلاد النجاشي»؛ الملك المسيحي الذي ارتبط اسمه في الرواية الإسلامية بأول هجرة للمسلمين خارج الجزيرة العربية. لكن هذه الصورة، على أهميتها، تختزل جانباً واحداً فقط من علاقة إثيوبيا بالإسلام.
فإثيوبيا ليست مجرد أرض عبرها المسلمون الأوائل طلباً للأمان، بل تحولت عبر قرون طويلة إلى واحدة من أهم البيئات الإسلامية في القرن الأفريقي، وظهرت فيها مدن وممالك وسلطنات إسلامية، ونشأت فيها مراكز للعلم والتجارة والدعوة، ولا تزال فيها اليوم مجتمعات مسلمة كبيرة ومناطق ذات أغلبية إسلامية واضحة.
ورغم أن المسلمين يكاد عددهم يشكل نصف السكان، فإن حضور الإسلام في إثيوبيا أكبر بكثير من مجرد نسبة عددية؛ فهو حاضر في الجغرافيا والتاريخ والعمارة واللغة والتجارة والذاكرة الشعبية.
هنا بدأت الحكاية
ترتبط أقدم علاقة للإسلام بإثيوبيا بما يعرف في التراث الإسلامي بـ«الهجرة الأولى»، حين اتجه عدد من المسلمين من مكة إلى الحبشة، طلباً للحماية من الاضطهاد.
وتضع الدراسات التاريخية هذه الهجرة تقليدياً في نحو عام 615م، أي قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بسنوات. وتروي المصادر الإسلامية أن النبي محمد ﷺ وجّه أصحابه إلى الحبشة، حيث يوجد ملك «لا يُظلم عنده أحد».
والثابت أن الصلة بين الإسلام والحبشة تعود إلى البدايات الأولى للتاريخ الإسلامي، وأن الدراسات الأثرية تؤكد وجود مجتمعات إسلامية في أجزاء من إثيوبيا منذ عصور قديمة.
وهكذا، فإن إثيوبيا كانت حاضرة في الذاكرة الإسلامية منذ الوهلة الأولى للإسلام، ليس بوصفها أرضاً بعيدة فحسب، وإنما باعتبارها المكان الذي ارتبط في الوعي الإسلامي بقصة الأمان والحماية.
النجاشي.. ذاكرة إسلامية لا تزال حاضرة

في منطقة نغاش شمالي إثيوبيا، يقف مجمع النجاشي، الذي ارتبط تقليدياً بقصة الهجرة الأولى وبالملك النجاشي.
ويضم الموقع مسجداً وضريحاً وقبوراً تنسب إلى عدد من أصحاب النبي ﷺ الذين قدموا إلى الحبشة. وظل المكان أحد أهم مواقع الذاكرة الإسلامية في إثيوبيا.
ولم يكن الاهتمام بالموقع مجرد اهتمام ديني رمزي؛ فقد تعرض المسجد لأضرار خلال الحرب في إقليم تيغراي، قبل أن تبدأ أعمال ترميمه من جديد، وأعلنت وكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا» في يوليو 2025 اكتمال أعمال ترميم ضريح النجاشي ومسجده بعد إصلاح الأضرار التي لحقت بهما خلال الحرب.
وهكذا بقيت قصة النجاشي حاضرة في المكان نفسه، بعد نحو أربعة عشر قرناً من ارتباط اسمه بأولى صفحات العلاقة بين الإسلام والحبشة.
الإسلام لم يبقَ عند أبواب أكسوم
بعد قرون من الاتصال الأول، بدأ الإسلام ينتشر بصورة أوسع في أجزاء مختلفة من إثيوبيا والقرن الأفريقي، مدفوعاً بعوامل متعددة؛ أبرزها التجارة والهجرة والتواصل عبر البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب الدعوة والتفاعل بين السكان المحليين والتجار المسلمين.
وكانت موانئ البحر الأحمر وخليج عدن، وعلى رأسها زيلع، بوابات رئيسية لحركة البشر والسلع والأفكار نحو الداخل.
ومع توسع شبكات التجارة، ظهرت مراكز إسلامية داخل الأراضي الإثيوبية، ثم نشأت كيانات سياسية إسلامية تركت أثراً عميقاً في تاريخ البلاد.
وتشير الدراسات الأثرية الحديثة إلى أن موقع حرلاء (Harlaa)، بالقرب من هرر، كان مركزاً تجارياً مهماً وموطناً لمجتمع مسلم في العصور الوسطى. وكشفت الحفريات عن مسجد ومقابر ونقوش عربية، فيما تشير تواريخ الكربون المشع إلى وجود المجتمع المسلم في الموقع منذ القرن الثاني عشر على الأقل، مع مؤشرات على علاقات تجارية امتدت إلى مصر والجزيرة العربية والهند ومناطق أخرى.
وهنا تصبح الآثار شاهداً أكثر صمتاً، لكنه أكثر صلابة، على أن الإسلام لم يكن مجرد تأثير عابر في إثيوبيا، بل كان جزءاً من الحياة الحضرية والتجارية والاجتماعية منذ قرون.
ممالك إسلامية في قلب إثيوبيا
قبل قيام الدولة الإثيوبية الحديثة بحدودها الحالية، كانت المنطقة التي تعرف اليوم بإثيوبيا مسرحاً لعدد من الكيانات السياسية الإسلامية.
ومن أبرزها سلطنة إِفَت، وسلطنة شَوا، وسلطنة بَلي، وهَدِيّة، ودَوارو، وفَتَجار، وأرَبَبني، وشَرْكة، ثم عَدَل.
وقد نشأت هذه الكيانات على امتداد طرق التجارة التي ربطت الداخل الإثيوبي بموانئ البحر الأحمر وخليج عدن، وتحولت بعض المدن إلى مراكز للتجارة والعلم الإسلامي. وتشير كتب التاريخ الإثيوبية نفسها إلى سلسلة من السلطنات الإسلامية التي نشأت على طرق التجارة، وإلى الدور المركزي الذي لعبه طريق زيلع في انتقال الإسلام والتجارة إلى الداخل.
لم يكن الإسلام، إذن، دين جماعات هامشية تعيش على أطراف إثيوبيا؛ فقد عرف التاريخ الإثيوبي حكاماً مسلمين ودولاً إسلامية وجيوشاً وأسواقاً ومراكز علمية، وتداخل تاريخ تلك الكيانات مع تاريخ الممالك المسيحية في المرتفعات الإثيوبية في فترات من التعاون والتجارة، وفي فترات أخرى من الصراع والحرب.
هرر.. مدينة الإسلام التي صمدت أمام الزمن

إذا كانت هناك مدينة واحدة تختصر الوجه الإسلامي لإثيوبيا، فهي هرر.
تقع المدينة في شرق البلاد، وتحمل داخل أسوارها القديمة واحداً من أكثر المشاهد الإسلامية إثارة في أفريقيا.
فبحسب منظمة اليونسكو، تضم مدينة هرر التاريخية المسورة 82 مسجداً و102 مزار، بينها ثلاثة مساجد يعود تاريخها إلى القرن العاشر. وقد أدرجت اليونسكو هرر جوغول على قائمة التراث العالمي عام 2006، معتبرة المدينة شاهداً استثنائياً على تداخل التقاليد الأفريقية والإسلامية.
ولم تكن هرر مدينة مساجد فقط؛ فقد كانت عاصمة لمملكة هرر، ثم أصبحت إمارة مستقلة، وتحولت خلال القرون من السادس عشر إلى التاسع عشر إلى مركز مهم للتجارة والتعليم الإسلامي في القرن الأفريقي.
داخل المدينة القديمة، تبدو الأزقة والأسواق والمنازل والمساجد وكأنها طبقات متراكمة من تاريخ إسلامي أفريقي خاص؛ إسلام لم يأتِ بنسخة جاهزة من الخارج، بل امتزج بالثقافة المحلية، وأنتج نمطاً معمارياً واجتماعياً مميزاً.
ولهذا تصف اليونسكو هرر بأنها مدينة ذات تراث ثقافي إسلامي وأفريقي استثنائي، وتعدها من المدن المقدسة المهمة في الإسلام بأفريقيا.
حين تتحدث الحجارة
ربما تكون إحدى أهم المفارقات في قصة الإسلام الإثيوبي أن كثيراً من الأدلة على وجوده لا توجد في الكتب فقط، وإنما تحت الأرض.
ففي حرلاء، كشفت الحفريات عن مسجد يعود إلى العصور الوسطى، ومقابر إسلامية، ونقوش عربية تضمنت آيات قرآنية. وتشير نتائج الدراسات الأثرية إلى أن حرلاء كانت مركزاً للتصنيع والتجارة وموقعاً مهماً في عملية أسلمة المنطقة.
وفي هرر، ما زالت عشرات المساجد والمزارات جزءاً من النسيج العمراني للمدينة القديمة.
وفي نغاش، لا تزال قصة النجاشي حاضرة في مسجد وضريح أعيد ترميمه بعد أن كاد الصراع المسلح أن يمحو جزءاً من معالمه.
إنها خريطة مختلفة لإثيوبيا؛ خريطة لا تظهر فيها الكنائس الصخرية في لاليبيلا وأكسوم وحدها، وإنما تظهر معها المساجد والقبور والنقوش العربية والأسواق والسلطنات الإسلامية.
أين يعيش مسلمو إثيوبيا اليوم؟
تُظهر البيانات الرسمية أن المسلمين يشكلون كتلة سكانية كبيرة في إثيوبيا.
وبسبب عدم إجراء تعداد وطني أحدث منشور يمكن الاعتماد عليه، لكن الأرقام الوطنية تخفي تفاوتاً جغرافياً كبيراً.
ففي إقليم الصومال الإثيوبي، أظهر تعداد 2007 أن المسلمين شكلوا نحو 98.4% من السكان، وفي عفار نحو 95.3%، بينما بلغت نسبتهم في هراري نحو 92.5% وفق بيانات التعداد. وفي أوروميا، وهي الإقليم الأكبر سكاناً في البلاد، كان المسلمون يشكلون نحو 47.5% وفق بيانات تعداد 2007، بينما أظهرت بيانات مسح صحي حكومي لاحق نسبة تقارب 45%.
وهذا يعني أن الخريطة الدينية لإثيوبيا أكثر تعقيداً من الصورة المبسطة التي تقسم البلاد إلى «شمال مسيحي» و«جنوب أو شرق مسلم».
هناك مساحات واسعة في شرق البلاد وجنوبها ووسطها يعيش فيها ملايين المسلمين، كما توجد تجمعات مسلمة كبيرة داخل أقاليم ذات تركيبة دينية مختلطة.
أوروميا.. الكتلة التي تغيّر الحسابات

ولا يمكن الحديث عن الوجه المسلم لإثيوبيا من دون التوقف عند الأورومو.
فأوروميا ليست إقليماً مسلماً بالكامل، لكنها تضم واحدة من أكبر التجمعات المسلمة في البلاد. وتشير البيانات الرسمية إلى أن المسلمين يشكلون نسبة كبيرة من سكان الإقليم، إلى جانب الأرثوذكس والبروتستانت وأتباع المعتقدات المحلية.
وهنا يتداخل الإسلام مع الهوية الإثنية واللغة والثقافة والتاريخ؛ فلا يمكن اختزال المسلم الإثيوبي في الصورة النمطية لسكان شرق البلاد أو الصوماليين الإثيوبيين.
الإسلام الإثيوبي متعدد الإثنيات واللغات، ويضم الصوماليين والعفر والأورومو والهرريين ومجموعات أخرى، فضلاً عن مسلمين في مناطق ذات أغلبية مسيحية.
إسلام أفريقي بملامح إثيوبية
ما يجعل التجربة الإسلامية في إثيوبيا مختلفة هو أنها لم تكن مجرد امتداد جغرافي لشبه الجزيرة العربية.
فقد تشكل الإسلام هناك داخل بيئة أفريقية متنوعة، ومرّ عبر التجارة والمدن والطرق والقوافل، واختلط باللغات والثقافات المحلية.
وفي هرر تحديداً، تكشف العمارة عن هذا التداخل بوضوح؛ فالمدينة الإسلامية القديمة تحمل تأثيرات أفريقية وإسلامية معاً، وهو ما تؤكده اليونسكو في وصفها للقيمة العالمية للموقع.
كما أن الدراسات الحديثة في الآثار الإسلامية الإثيوبية تعيد اكتشاف تاريخ ظل لفترة طويلة أقل حضوراً في الدراسات الأثرية مقارنة بتاريخ الممالك المسيحية في المرتفعات.
وقد أظهرت أعمال التنقيب في حرلاء أن التبادل التجاري بين شرق إثيوبيا ومصر والجزيرة العربية والهند لم يكن مجرد حركة بضائع، بل كان أيضاً حركة أفكار وثقافات وأديان.
إثيوبيا التي لا تظهر كثيراً
ربما تكمن المفارقة في أن إثيوبيا عُرفت عالمياً، بوصفها واحدة من أقدم مواطن المسيحية في أفريقيا، لكن هذه الحقيقة حجبت أحياناً حقيقة أخرى لا تقل أهمية: أن الإسلام أيضاً جزء أصيل من تاريخها.
ففي إثيوبيا مساجد تعود جذورها إلى قرون بعيدة، ومقابر ونقوش عربية، ومدن إسلامية تاريخية، وسلطنات حكمت أجزاء واسعة من البلاد، ومراكز علم وتجـارة، ومجتمعات مسلمة ضخمة لا تزال حاضرة حتى اليوم.
وفي هرر وحدها، تقف 82 مسجداً داخل المدينة التاريخية، ثلاثة منها يعود تاريخها إلى القرن العاشر، بحسب اليونسكو. وفي حرلاء تتحدث الحفريات عن مجتمع مسلم عاش هناك منذ العصور الوسطى. وفي نغاش تستمر ذاكرة النجاشي والهجرة الأولى في مسجد وضريح أعيد ترميمهما حديثاً.
ليست «إثيوبيا المسلمة» بالمعنى العددي فقط.. لكنها، إثيوبيا ذات وجه مسلم عميق
من الصحيح تماماً القول إن إثيوبيا واحدة من أهم البلدان الأفريقية التي يمتلك الإسلام فيها جذوراً تاريخية شديدة العمق وحضوراً سكانياً وجغرافياً وثقافياً كبيراً.
إنها بلاد الهجرة الأولى في الذاكرة الإسلامية، وبلاد النجاشي، وبلاد نغاش وحرلاء وهرر، وبلاد إِفَت وعَدَل وبَلي وهَدِيّة، وبلاد ملايين المسلمين الذين يعيشون اليوم في الشرق والجنوب والوسط، إلى جانب ملايين آخرين في المدن والمناطق المختلطة.
ولعل أجمل ما في القصة أن الإسلام في إثيوبيا لم يكن صفحة أضيفت إلى تاريخ البلاد من الخارج؛ لقد أصبح، عبر قرون طويلة، جزءاً من تاريخ إثيوبيا نفسها.
ولهذا فإن النظر إلى إثيوبيا من نافذة الكنائس الصخرية وحدها، أو من نافذة أكسوم وحدها، يترك نصف المشهد تقريباً خارج الصورة.
أما حين تُفتح نافذة أخرى على هرر ونغاش وحرلاء، وعلى طرق زيلع القديمة، وعلى مساجد الشرق وسلطناته ومجتمعاته، فإن إثيوبيا تظهر بصورة أخرى:
بلاد النجاشي نعم.. ولكن أيضاً بلاد الإسلام الذي عبر البحر الأحمر، واستقر في أرضها، وبنى مدنه، وأقام مساجده، وترك على حجارتها نقوشه، وما زال حياً في أهلها حتى اليوم.