رغم كثافة التقارير والمعلومات المتداولة عن اقتراب سقوط مدينة الأبيض، وما أثارته من جدل بين من يراها مؤشرات ميدانية حقيقية ومن يضعها في إطار الحرب النفسية، فإن المعطيات المتاحة لا تسند هذا الاستنتاج بصورة قاطعة. صحيح أن المليشيا وسّعت نطاق تحركاتها ونفوذها في أجزاء من شمال كردفان، مما أوجد ضغطاً عسكرياً ونفسياً متزايداً على عاصمة الولاية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة على حسم المعركة داخل المدينة. فالأبيض تمثل مركزاً عسكرياً ولوجستياً بالغ الأهمية، وسقوطها يتطلب ظروفاً ميدانية أكبر بكثير من مجرد السيطرة على بعض المحليات أو المناطق الطرفية.
والواقع أن ما يجري حالياً يبدو أقرب إلى صراع بين التهديد العسكري والحرب النفسية، حيث يسعى كل طرف إلى التأثير على معنويات خصمه وعلى اتجاهات الرأي العام. لذلك فإن الحديث عن وجود خطر يواجه الأبيض أمر واقعي، أما الحديث عن سقوط وشيك وحتمي فلا يزال أقرب إلى التقديرات الإعلامية منه إلى الحقائق العسكرية المؤكدة. وفي مثل هذه الحروب، كثيراً ما تكون الشائعة جزءاً من المعركة، ولذلك تبقى الوقائع على الأرض هي المعيار الأكثر دقة للحكم على اتجاهات الميدان.