بيان بريطانيا والدول العشرين الأخرى، الذي طالب المليشيا بعدم دخول الأبيض أو إسقاطها، لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجاً لحملة متواصلة من التقارير والتسريبات والتحليلات المضللة التي سعت إلى ترسيخ فرضية سقوط الأبيض وكأنها حقيقة ميدانية لا تقبل الجدل.
المشكلة ليست في البيان التحذيري والمطلبي نفسه، وإنما في خلفياته السياسية وسياقه العام؛ فبريطانيا ظلت في أكثر من محطة تقود حراكاً دولياً يتقاطع موضوعياً مع مصالح المليشيا وداعميها، ويتصاعد عادة كلما رجحت كفة القوات المسلحة ميدانياً.
هذا المشهد ليس جديداً؛ فقد سبقت الفاشر موجات مماثلة من التحذيرات والنداءات الدولية التي تحدثت عن سقوط وشيك، لكن الوقائع أثبتت أن البيانات الدولية شيء، وما يجري على الأرض شيء آخر تماماً.
الذين يسوقون لبيان الـ21 باعتباره مؤشراً على قرب سقوط الأبيض يتجاهلون حقيقة أساسية، وهي أن الأبيض تمثل مركز ثقل عسكرياً ولوجستياً واستراتيجياً لا يمكن التعامل معه بمنطق الشائعات أو الأمنيات أو الحملات الإعلامية.
من الناحية العسكرية البحتة، لا يقدم البيان أي معلومة جديدة بشأن تغير ميزان القوى أو حدوث اختراق نوعي يمكن البناء عليه في توقع حسم قريب. ولذلك فإن تحميله أكثر مما يحتمل يدخل في باب صناعة الانطباعات أكثر من كونه قراءة للوقائع.
ما يجري في جوهره هو محاولة لإنتاج حالة نفسية عامة تقوم على افتراض أن سقوط المدينة أمر حتمي، بينما تشير الوقائع والمعطيات الميدانية إلى أن المشهد أكثر تعقيداً بكثير من هذه السردية المبسطة.
في الحروب الحديثة لا تُستخدم البيانات الدولية فقط للتحذير أو التعبير عن القلق، بل تتحول أحياناً إلى أدوات ضغط سياسي وتأثير نفسي وإعادة تشكيل للوعي العام، وهو ما يفسر حجم الاستثمار الإعلامي الذي أعقب صدور البيان.
وعليه، فإن بيان الـ21 يمكن قراءته باعتباره محاولة للتأثير على المشهد السياسي والنفسي أكثر من كونه انعكاساً لتحول استراتيجي حاسم في مسرح العمليات أو تعبيراً عن واقع ميداني جديد.
الأبيض لا يحكم عليها بيان دولي، ولا تقرير إعلامي، ولا حملة تضخيم سياسية. الذي يحكم هو الواقع الميداني، والواقع حتى هذه اللحظة يقول إن الفارق كبير بين التحذير من الخطر وبين وقوعه، وبين صناعة الذعر وبين صناعة الوقائع.