صدى الحقيقة

الي اين يتجه الجنيه السوداني ؟

المقداد عمر صالح
المقداد عمر صالح
✍️ كتابات حرة
08 Oct 2026 • 👁 9
شارك الخبر:

ليس أصعب على المواطن السوداني من أن يستيقظ كل صباح ليكتشف أن ما في جيبه أصبح أقل قيمة مما كان عليه بالأمس.

لم يعد ارتفاع سعر الدولار خبراً اقتصادياً عابراً، ولا مجرد رقم يتداوله التجار في الأسواق، بل أصبح مؤشراً ينعكس مباشرة على سعر الغذاء والدواء والإيجار والمواصلات وكل تفاصيل الحياة اليومية.

ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كم بلغ الدولار؟ وإنما: إلى أين يتجه الجنيه السوداني؟

أزمة أكبر من سعر الصرف

أعتقد أن الخطأ الأكبر في التعامل مع أزمة الجنيه هو النظر إليها باعتبارها مشكلة نقدية فقط.

الجنيه السوداني يدفع اليوم فاتورة أزمة اقتصادية عميقة، تفاقمت بفعل الحرب، وتراجع الإنتاج، واضطراب التجارة، وتقلص الإيرادات، وضعف الصادرات، وخروج قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي الطبيعي.

فالعملة لا يمكن أن تكون أقوى من الاقتصاد الذي تستند إليه.

وعندما ينخفض الإنتاج، وتتراجع الصادرات، وتزداد الحاجة إلى الاستيراد، يصبح الطلب على العملات الأجنبية أكبر من قدرة الاقتصاد على توفيرها.

وهنا يبدأ الجنيه في دفع الثمن.

الدولار أصبح معياراً للثقة

المشكلة الأخطر ليست في ارتفاع الدولار وحده، وإنما في أن المواطن والتاجر والمستثمر بدأوا يتعاملون مع الدولار باعتباره وسيلة لحماية القيمة.

عندما يفقد المواطن الثقة في قدرة العملة المحلية على الاحتفاظ بقيمتها، فإنه يبحث بصورة طبيعية عن بديل.

قد يكون الدولار، أو الذهب، أو العقار، أو حتى شراء السلع وتخزينها.

وهذه السلوكيات تزيد الضغط على الجنيه، وتخلق دائرة يصعب كسرها.

انخفاض قيمة الجنيه يولد الخوف، والخوف يزيد الطلب على الدولار، وزيادة الطلب على الدولار تضغط مجدداً على الجنيه.

وهكذا تتحول الأزمة إلى حلقة مفرغة.

هل السوق الموازي هو المشكلة؟

كثيراً ما نسمع أن الحل يكمن في القضاء على السوق الموازي.

نعم، السوق الموازي يمثل مشكلة حقيقية، ووجود أكثر من سعر للعملة يخلق تشوهات خطيرة في الاقتصاد.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة هو: لماذا نشأ السوق الموازي أصلاً؟

السوق الموازي لا يعيش في فراغ.

إنه يظهر عندما يجد المواطن أو التاجر صعوبة في الحصول على العملة الأجنبية من القنوات الرسمية، أو عندما تكون الأسعار الرسمية بعيدة عن الواقع الاقتصادي.

لذلك فإن معالجة السوق الموازي تبدأ من معالجة أسبابه، وليس فقط من مطاردة المتعاملين فيه.

السودان يملك ما يمكن أن ينقذ الجنيه

المفارقة أن السودان ليس بلداً فقيراً بالموارد.

لدينا الذهب، والثروة الحيوانية، والأراضي الزراعية، والمنتجات الزراعية، والثروات المعدنية، وموقع جغرافي يمكن أن يمنح البلاد ميزة تجارية مهمة.

لكن امتلاك الموارد شيء، وإدارتها وتحويلها إلى قوة اقتصادية شيء آخر.

فالذهب الذي لا يدخل القنوات الرسمية لا يساعد الاحتياطي النقدي.

والمحصول الذي لا يجد طريقه إلى الأسواق الخارجية لا يوفر عملة صعبة.

والثروة الحيوانية التي لا تجد منظومة تصدير مستقرة لا تستطيع دعم الاقتصاد بالشكل المطلوب.

المشكلة ليست دائماً في ما نملك، وإنما في قدرتنا على إدارة ما نملك.

هل يستطيع الجنيه أن يتعافى؟

أعتقد أن الإجابة نعم، ولكن بشرط واحد: أن نتوقف عن البحث عن حلول سريعة لأزمة تحتاج إلى إصلاح عميق.

لن يستعيد الجنيه عافيته بمجرد إعلان سعر جديد للدولار.

ولن يستقر الاقتصاد بقرارات إدارية وحدها.

الاستقرار الحقيقي يبدأ من الإنتاج.

يبدأ من عودة المصانع إلى العمل، واستعادة النشاط الزراعي، وتنشيط الصادرات، وإصلاح القطاع المصرفي، وضبط الإنفاق العام، وتقليص التمويل التضخمي، وإعادة الثقة إلى النظام المالي.

وقبل كل ذلك، يحتاج السودان إلى بيئة سياسية وأمنية تسمح للاقتصاد بالتنفس.

ثلاثة طرق أمام الجنيه

إذا أردنا قراءة المستقبل بواقعية، فإن الجنيه يقف أمام ثلاثة احتمالات.

استمرار التراجع

وهو السيناريو الذي يمكن أن يحدث إذا استمرت الحرب واضطراب الإنتاج والتجارة، واستمر خروج العملات الأجنبية من القنوات الرسمية.

في هذه الحالة سيكون التراجع في قيمة الجنيه أكثر من مجرد رقم في سوق الصرف؛ سيكون تراجعاً إضافياً في القوة الشرائية للمواطن.

استقرار مؤقت

قد تحدث فترات من الهدوء نتيجة تدفقات نقد أجنبي أو تحسن مؤقت في الصادرات أو إجراءات نقدية ومالية.

لكن هذا الاستقرار لن يكون دائماً إذا لم تعالج جذور الأزمة.

التعافي التدريجي

وهذا هو السيناريو الذي نريده جميعاً، لكنه يحتاج إلى عمل حقيقي وطويل النفس.

إعادة الإنتاج، واستعادة الصادرات، وضبط المالية العامة، وإصلاح الجهاز المصرفي، ومحاربة تهريب الموارد، وتحسين بيئة الاستثمار، كلها حلقات في سلسلة واحدة اسمها استعادة الثقة.

الجنيه مرآة السودان

ربما يكون من الظلم أن نسأل الجنيه وحده عن سبب تراجعه.

الجنيه في النهاية ليس سوى مرآة.

إذا كان الاقتصاد قوياً، والإنتاج مرتفعاً، والصادرات تنمو، والثقة موجودة، فإن العملة تجد من يحميها.

أما إذا كان الاقتصاد مضطرباً، والإنتاج ضعيفاً، والاستيراد أكبر من التصدير، والثقة تتراجع، فمن الصعب أن تطلب من العملة أن تقاوم وحدها.

ولهذا فإن معركة الجنيه ليست مع الدولار فقط.

إنها معركة مع الحرب، والإنتاج، والتضخم، والتهريب، والإنفاق، وضعف المؤسسات، وفقدان الثقة.

إلى أين يتجه الجنيه؟

لا أملك رقماً سحرياً أقول من خلاله أين سيكون الجنيه غداً، ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يضمن ذلك في اقتصاد يعيش ظروفاً استثنائية.

لكنني أعتقد أن الاتجاه الحقيقي للجنيه سيتحدد خارج شاشات الصرافات.

سيتحدد في الحقول والمصانع والموانئ والأسواق والبنوك.

سيتحدد بقدرتنا على إنتاج ما نستهلك، وتصدير ما ننتج، وحماية مواردنا، وإعادة بناء مؤسساتنا، واستعادة ثقة المواطن في وطنه واقتصاده.

فالجنيه السوداني لا يحتاج فقط إلى من يدافع عن سعره... بل يحتاج إلى اقتصاد يستطيع الدفاع عنه.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية من «إلى أين يتجه الجنيه؟» هو:

إلى أين نريد أن يتجه السودان نفسه؟

فالعملة لا تستطيع أن تصنع اقتصاداً قوياً، لكن الاقتصاد القوي يستطيع أن يصنع عملة تستحق الثقة.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.