صدى الحقيقة

نزولاً على رغبة القراء

حسين خوجلي
حسين خوجلي
✍️ ولألوان كلمة
07 Sep 2026 👁 43
شارك الخبر:

لما شاهد محررو صحيفة ألوان سيارة الأخ طارق بابكر معفرة بتراب مدينة القضارف الحبيبة، تحسسوا زجاجاتهم الفارغة ترقباً لزيت الولد وعسل الجبل الأصلي، وهي عادةٌ اعتادها كلما زارنا، وهو يردد ألم يقل المصطفى يوماً تهادوا تحابوا؟ وكان يضيف بعباراته اللطيفة هذا زيت سمسم الولد المصهور بجملٍ أصهب وعسل قُطف من الخلية مباشرةً، ويضحكُ مضيفاً: دي يا أستاذ خلية تنظيمية والأخ طارق حفظه الله من الذين اذا زاروك أطلقوا في روحك الإنعاش والرضا والبشريات. وكنت أقول للأصدقاء لو كتب للسودان السعادة لصنعنا خمسين مليون نفس راضية من وسطية واعتدال طارق.

وأهل القضارف دائماً يشتكون من قلة المطر ومن السَلَم وضُعف أسعار المحاصيل ومن أقساط البنك الزراعي. وكان لطارق عبارة شهيرة كلما سألته عن حال المدينة فيرد قائلاً: (يا أستاذ حسين براكا عارف الحالة، بقت العيشة في قضروف سعد ملالة) ويكملها بابتسامته الودودة التي لو أدرك أصالتها لسجلها في الملكية الفكرية.

ومن أحزان هذا الزمن البائس أننا غادرنا دون وداعه، وهو يكابد ابتلاءات السودان.

وصديقٌ آخر احتفظت باسمه سراً لحساسية حالته الصحية وموقعه وسكناه ودوره الوطني الماثل، تقابلنا في بداية الستينات في العمل الطلابي ضد السلطة الحاكمة آنذاك، كان ثائراً وحافظاً وشاعراً لا يخشى في الله والوطن لومة لائم، وكان اسمه الحركي آنذاك ود الأصول أخذتنا دراسة الفلسفة والصحافة وأخذته دراسة الهندسة والعمل بالخارج لإعالة سبع من اخواته بعد وفاة والده ووالدته. عاد إلى السودان قبل سنوات واحتفظ بذات الإيمان الراسخ والوطنية والانتماء، بنى بيتا صغيراً وأنيقاً مع زوجته المهندسة، وكان يحلم بأن يقضي بقية حياته في سودان سعيد إلى أن دهمته هذه النكبة اللعينة. أخرج أسرته الصغيرة إلى قريته البعيدة وبكت الأم والبنات وهم يغادرون عشهم الذي شيدوه من ليل الأسى ومر الذكريات، كما كنا نقول في الليالي السياسية بالجامعة. أبت الأسرة الدامعة المغادرة، ولكنه قال بلغة آمرة وحاسمة: (يا باشمهندسة الأعراض لا الأغراض). وفي أقصى الحديقة حفر قبره وأبقى بجواره مصحفه ومفتاح المسجد ومائدة الأشعريين، بليلة المباشر لا المكاشر بالملح والزيت.

وعندما علمتُ بكشكول المرض الذي يعانيه، راسلته بأن يغادر وله العذر والعتبى وقلت له: بقليلٍ من الجهد يمكن أن تغادر من أرقين أو صالة المغادرة بمطار بورتسودان وداعبته بعبارة ود بابكر وأبيات شاعر الشرق بشي من التحوير والإضافة وهو اجتهادٌ عند عشاق الحرفِ مقبول:

ود الأصول براكا عارف الحالة

الخرطوم بقت بعد الحرب ملالة

ما دام جافتك جافيها مالك ومالها

آدم وحواء خلوا الجنة من قبالها

وقد أدهشني بأبياتٍ تشير بأن شاعرية الباشمهندس الصابر ما زالت متقدة وأن عقيدته في المجاهدة ما زالت عامرة قائلاً:

يا ود الشريف أنا ما بخش (الصالة)

لا مغادر ولا مهاجر ولا رحالة

الخرطوم بقت بعد الحرب (بلالة)

حارساها النسور عزة وشرف وبسالة

حاشية:

هذا المقال أعيد نشره نزولاً على رغبة القراء، لكن الجديد فيه أن الجيش والمساندين من المجاهدين قد حرروا الخرطوم ونظفوها وعقموها، وهرب الغزاة اللصوص المرتزقة والمغتصبون إلى المنافي، أما الذين يسألون عن صحة ود الأصول فهو والحمد لله قد شفته المجاهدة من أمراضه تماماً وعاد صبياً زي (بدر التمام) والآن الآن هو في جبهة جنوب النيل الأزرق يصد ببندقيته وعلمه وقرآنه الأوباش والأحباش، من بلاد سوف تضيف للبشرية عاجلاً أو آجلاً، بيارق سامية من الأمجاد، ويشعل فيها أبناء الشرف الوطني في البعيد شعارات الوجد في حب الناس والتراب والتراث منشدين ما بعد سويعات القيام بأنشودة العارف:

فلعلّي منه ألقى قبساً

أو يرى قلبي على النار هدى

قم تأمل أيها الغافل لم

يخلق الرحمن ذا الحسن سُدى

وتعرض لهواه فلقد

جاء من ناحية الستر ندا

وإذا لامك من ليس له

نظر فاخرب عليه البلدا

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.