في خطوة غير تقليدية، قرر عدد من الشباب الأمريكيين في واشنطن الابتعاد تماماً عن العالم الرقمي لمدة أربعة أسابيع، عبر التخلي عن هواتفهم الذكية واستبدالها بأخرى قديمة، في محاولة لكسر دائرة “الإدمان الرقمي” التي باتت تؤرق فئة واسعة من الشباب.
المجموعة، التي تضم أفراداً تتراوح أعمارهم بين العشرينيات والثلاثينيات، واجهت تحديات يومية خلال هذه التجربة، بدءاً من صعوبة التنقل دون استخدام تطبيقات مثل Google Maps، وصولاً إلى التوقف عن تصفح وسائل التواصل الاجتماعي خلال أوقات الانتظار، والاستغناء عن سماعات الرأس للاستماع إلى أصوات الطبيعة.
يقول جاي ويست، وهو محلل بيانات يبلغ من العمر 29 عاماً، إنه وجد نفسه في مواقف غير معتادة، مثل انتظار الحافلة دون معرفة موعد وصولها، مشيراً إلى أنه اعتاد سابقاً على التحقق المستمر من الإشعارات، قبل أن يكتشف خلال التجربة خلو هاتفه منها. ورغم شعوره بالملل أحياناً، فإنه أكد أن التجربة منحته إحساساً واضحاً بالتحرر.
تجارب أخرى عكست تحولات مشابهة؛ إذ اضطرت ريتشل شولتز (35 عاماً) إلى سؤال المارة عن الاتجاهات، بينما عادت ليزي بنجامين (25 عاماً) لاستخدام الأقراص المدمجة للاستماع إلى الموسيقى بدلاً من تطبيقات مثل Spotify. أما بوبي لوميس (25 عاماً)، فقد اكتشف متعة الاستماع إلى أصوات الطيور أثناء المشي بعد التخلي عن سماعات الرأس.
وبحسب المشاركين، أسهمت التجربة في تقليل متوسط استخدام الهواتف اليومية، حيث انخفض لدى بعضهم من ست ساعات إلى نحو أربع ساعات، وهو معدل قريب من المتوسط العام للبالغين في الولايات المتحدة.
كسر حلقة الإدمان
لطالما حذر علماء من مخاطر الإدمان الرقمي، الذي يرتبط باضطرابات النوم والقلق وضعف التركيز. وفي تطور لافت، قضت محكمة في ولاية كاليفورنيا مؤخراً بمسؤولية منصات تابعة لشركتي ميتا ويوتيوب عن الطبيعة الإدمانية لخدماتها، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار تنظيم وسائل التواصل.
كما أظهر استطلاع أجرته YouGov عام 2024 أن أكثر من ثلثي الشباب الأمريكيين بين 18 و29 عاماً يرغبون في تقليل وقت استخدام الشاشات، ما يعكس تنامي الوعي بتأثيراتها السلبية.
مبادرات وحلول متصاعدة
في ظل هذا الوعي المتزايد، بدأت تظهر مبادرات تهدف إلى الحد من الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، من بينها برامج الانقطاع المؤقت عن العالم الرقمي. ويؤكد كوستادان كوشليف، الباحث في علم النفس بجامعة جورج تاون، أن الابتعاد الكامل عن الأجهزة الرقمية لبضعة أسابيع يمكن أن يحسن الصحة النفسية ويعزز القدرة على التركيز، مشيراً إلى أن هذه الفوائد قد تستمر على المدى الطويل.
ومن بين هذه المبادرات، برنامج “شهر الانقطاع عن العالم الرقمي” الذي ينظمه جوش مورين، ويتضمن جلسات نقاش أسبوعية لدعم المشاركين. ويوفر البرنامج، مقابل رسوم، هواتف تقليدية مزودة بخدمات أساسية مثل المكالمات والرسائل وتطبيقات محدودة، بهدف تقليل الاعتماد على الهواتف الذكية.
نحو حركة اجتماعية جديدة
تجربة الانقطاع لم تتوقف عند حدود الأفراد، بل بدأت تتحول إلى ما يشبه حركة اجتماعية ناشئة. فقد أسست كيندال شرو مجموعة خاصة بها بعد مشاركتها في التجربة، مؤكدة أنها لم تعد بحاجة إلى تطبيقات الملاحة، وأن منصات مثل إنستغرام أصبحت خارج اهتماماتها.
ويرى غراهام بورنيت، أستاذ في جامعة برينستون، أن ما يحدث يمثل بداية “حركة فعلية” تشبه في ملامحها الحركات البيئية التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي.
من جهتها، تشير آشلي شيا إلى أن العالم يمر بلحظة حاسمة في علاقته مع التكنولوجيا، لافتة إلى أن جيل “زد” بات أكثر وعياً بضرورة تقليل استخدام الهواتف، وهو توجه قد يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والتقنيات الرقمية في المستقبل.
تعكس هذه التجربة تحوّلاً تدريجياً في وعي الشباب تجاه مخاطر الإدمان الرقمي، وتفتح الباب أمام إعادة التفكير في العلاقة مع التكنولوجيا، في وقت تتزايد فيه الدعوات لتحقيق توازن صحي بين الحياة الرقمية والواقعية.