في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك المصالح وتتداخل الحقائق، يبقى الإعلام ذلك الكيان الحيوي الذي يشكل وجدان الأمم ويوجه بصائر الشعوب، وتتوقف عنده حد القول والفعل في معادلة الحكم والرعية. والإعلام في حقيقته ليس مجرد أدوات ونقل أخبار، بل هو رسالة ومسؤولية وأمانة، وهو سلطة قائمة بذاتها درج الفقهاء السياسيون على تسميتها بالسلطة الرابعة، لما لها من دور في ضبط أداء السلطات الأخرى وكشف حقائقها ومحاسبتها. وإن من أخطر ما قد تمر به أي دولة أن يكون إعلامها ضعيفاً تابعاً، أو منافقاً مذبذباً، أو جباناً يتهرب من قول الحق، وهنا يأتي المثل الذي نحتاجه اليوم: (اعلام قوي ويؤسس للمواجهات خير من اعلام ضلالي كسار تلج).
إن الإعلام القوي المؤسس للمواجهات هو ذلك الإعلام الذي يضع نفسه في موقع الرقابة النزيهة على أداء الحكومة، فيكون مقوماً لأدائها ودافعاً نحو التصحيح والإصلاح. فالحكومة -أي حكومة- ليست معصومة من الخطأ، وليست محصنة ضد الزلل، والإعلام حين يقوم بدوره النقدي البناء يكون عوناً لها على تجاوز هفواتها، وتقويم اعوجاج مسارها، والكشف عن مواطن الخلل في سياساتها وبرامجها. إن الحكومة التي تخشى الإعلام النقدي هي حكومة تريد أن تكون في منأى عن المساءلة، وهذا بحد ذاته مؤشر خطير على أن هناك ما تخفيه أو ما تخشى البوح به. وفي المقابل، فإن الحكومة التي ترحب بالإعلام الناقد وتعتبره شريكاً في البناء والمراجعة، هي حكومة راشدة تدرك أن النقد يصنع التطور، وأن المراجعة المستمرة هي سبيل النجاح.
إن الإعلام الذي يكون تابعاً للحكومة بمعنى أنه مجرد بوق ينقل ما تريد، ويضخم ما تسعى لتسويقه، ويكتم ما تخشى إظهاره، إنما يفسد صورة الحكومة ذاتها في عقل الشعب الذي يدرك -ولو بفطرته- أن هناك تلاعباً بالحقائق وتزييفاً للوعي. حين يشعر المواطن أن الإعلام الرسمي لا يصدقه، وأنه يخفي عنه جزءاً من الحقيقة، أو يعرضها بشكل منقوص أو مشوه، فإن الثقة تهتز بين الشعب وحكومته، بل بين الشعب وإعلامه الوطني، وهنا تبدأ مرحلة الاغتراب السياسي التي يجني ويلاتها الجميع، فلا حكومة تصدق، ولا إعلام يوثق به.
وإذا لم يكن في الإعلام أقلام جريئة تنطق بالحق ولا تخاف في الحق لومة لائم، فإن مهمة الإعلام تفقد معناها تماماً. فالإعلام بلا أقلام شجاعة هو كالجسد بلا روح، وكالسفينة بلا دفة، وكالمصباح بلا زيت. وإن الكاتب الجريء هو الذي يصنع الفرق، وهو الذي يحول الإعلام من مجرد وسيلة ترفيه أو إشهار إلى أداة تغيير ورقابة ومحاسبة. في كل دول العالم المتقدمة، يعتبر الإعلام السلطة الرابعة التي تراقب السلطات الثلاث وتكشف تجاوزاتها، وهذا الدور لا يمكن أن يقوم به إلا من يمتلك شجاعة الحقيقة، ومن لا يخاف من تهديد ولا يرهبه وعيد. والخوف والجبن والتهرب من قول الحقائق ليس فقط نقصاً في الشجاعة الشخصية، بل هو خيانة للأمانة المهنية، وهو صناعة لحماية قوية للمفسدين، وللمقصرين، ولمن لا يقدمون إنجازات تذكر تخدم الوطن والشعب. كل كاتب يخاف أن يقول كلمة الحق، أو يتردد في كشف فساد، أو يتلكأ في نقد تقصير، إنما يساهم -بوعي أو بغير وعي- في استمرار الفساد وتكريس الترهل الإداري وتغذية ثقافة الإخفاق.
وهنا مربط الفرس، أن تضيع أمانة الكلمة لتتحول مجرد ( كسارة تلج ) أي مادة دعائية باردة تذوب مع أول حقيقة، أو أول موقف جاد، أو أول أزمة، ولا تترك أثراً إلا في تزييف وعي الناس وإلهائهم بالقشور عن الجواهر، وبالزيف عن الحقيقة. أن تكون وسيلة تزيين لإنجازات وهمية، وتغطية على فشل ذريع، وإشغال للرأي العام بالقضايا الثانوية عن القضايا الجوهرية، هذا هو الإعلام الضلالي الذي يحول المجتمع إلى قطيع يتبع، لا إلى أمة واعية تنتقد وتصحح وتشارك في صنع قرارها ومستقبلها.
من المفترض أن يكون الإعلام هو السلطة الرقابية الأولى على الدولة، وأن تكون أقلامه سياطاً على كل مفسد، ومشرطاً على كل فاسد، ومنبراً لكل حقيقة، مهما كانت مريرة أو صادمة. أن يكون الإعلام رقيباً صادقاً على أداء الحكومة والوزراء والمسؤولين، لا ستاراً تختبئ وراءه الأخطاء، ولا غطاء تواري تحته الجرائم والهفوات. وأن يتم نقد كل ما يقود للفساد في الدولة، وكل ما يصنع من الشعب مجرد قطيع تابع، فعلى الإعلام أن يرفض ذلك ولا يتردد، خاصة أن كُتَّاب الإعلام من النخبة الأولى يتحملون العبء الأكبر في نشر الحقائق، ومواجهة الخوف، وتحدي الترهيب، ومجابهة كل من يحاول إسكاتهم أو تكميم أفواههم.
إن على الكاتب أن يدرك أن حريته ليست هبة من أحد، وأنها مسؤولية يتحملها أمام ربه وتاريخه وضميره قبل أن يتحملها أمام القراء. ومن يخاف من قول كلمة الحق فليبتعد عن الكتابة في الإعلام الرسمي، وليندس في وسط الإعلام الكاذب المنتشر عبر الوسائط الإلكترونية، فهذا الإعلام قد يكون مرتعاً للترهات والشائعات، لكنه أيضاً يمنح مساحات أوسع من الحرية لمن لا يريدون الالتزام بضوابط المهنة وأخلاقياتها.
أما الإعلام الرسمي فهو للكتاب الأقوياء، للذين يصنعون الحرية، ويصححون مسارات الحكومات، ويوجهون الأجيال نحو الوعي والنضج، والذين يكتبون الحق ولا يخافون إلا رب العالمين.
إن الإعلام القوي المؤسس للمواجهات هو الذي يخلق حالة من التوازن في المجتمع، بحيث تعلم الحكومة أن هناك رقابة حقيقية، ويعلم الشعب أن هناك من ينطق باسمه ويكشف ما يخفى عنه. وهذه المواجهة لا تعني العداء أو التخريب، بل تعني الصراع الشريف من أجل المصلحة العامة، ومن أجل دولة القانون والمؤسسات، ومن أجل أن يكون المواطن هو محور العملية السياسية كلها، لا مجرد رقم في إحصائية، أو تابع في مسيرة، أو منصت في خطاب.
في النهاية، إن قوة الإعلام هي قوة للأمة، وضعفه هو بداية انهيارها، وإن استمرار الإعلام في أداء دوره الرقابي بشجاعة وصدق هو الضمان الوحيد لاستمرار ديمقراطيتنا الحقيقية، وتطور مجتمعاتنا، ورقي خطابنا السياسي، ومحاربة الفساد بكل أشكاله، وبناء وطن يحترم عقول أبنائه ويصنع منهم شركاء حقيقيين في القرار والمستقبل. وكلنا أمل أن نرى إعلاماً سودانيا قوياً، لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يتردد في مواجهة الفاسدين، ولا يخاف من التصحيح والتقويم، لأنه يعلم أن الكلمة التي تزرع الخوف في قلوب الظالمين هي أقوى من أي سلاح ، وأن الإعلام الشجاع هو الخير كله.
*آخر المداد*
وعلى كل كاتب ان لم يجد ان ما يكتبه قد احدث تعديل في حياة الناس وعلى المسؤولين في الدولة الي ما هو افضل !!! عليه ان يترك الكتابة فهو غير مؤهل لها وان كان يتابعه عشر مليون من الجمهور فهم مجرد قطيع لا قيمة فكرية لهم ( الا هل بلغت ،،، اللهم فاشهد ) ،، فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد )
الخميس 18 يونيو 2026