يتحدث بعض الناس هذه الأيام عن مخاطر تهدد إمن وسلامة واستقرار البلاد بسبب وجود قوات المشتركة في البلاد عموما، وفي العاصمة الخرطوم علي وجه الخصوص، وهذا الحديث جد خطير، خطير اذا صح، وأكثر خطورة اذا كان كاذبا.
ودعونا قبل الحكم علي ما يقال، نتتبع سيرة ومسيرة حركات الكفاح المسلح التي اختارت الوقوف مع القوات المسلحة، منذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣م، بل قبلها، لنصل معا إلى ما نحن فيه الآن.
كثيرون يعيبون علي حركات الكفاح المسلح، وتحديدا حركتي العدل والمساواة بقيادة دكتور جبريل، وحركة التحرير بقيادة مناوي، يعيبون عليهم التأخر في إعلان الوقوف مع الجيش، وهذا صحيح، ولهذا قصة، وأنا علي ذلك من الشاهدين، فالقائدان جبريل ومناوي، ومعهما الملك عقار والدكتور محمد عيسي عليو، وأضافوني خامسا لهم مساء يوم الجمعة ١٤ أبريل ٢٠٢٣م كانت لنا جهود لتلافي اندلاع الحرب، وكانوا يتحركون بين قيادة الجيش وقيادة الدعم السريع، لتجنيب البلاد وقوع حرب لا تبقي ولا تذر، ولما اشتعلت الحرب صبيحة يوم السبت ١٥ أبريل، لم تتوقف الجهود، فتوجهت مساعينا إلى التعجيل بإيقاف الحرب، وكنت اتولي التواصل مع قيادة الجيش ويتولي القائد مناوي والدكتور عليو التواصل مع قيادة الجيش.
ولما استعرت الحرب كان لقادة حركات الكفاح المسلح، وبصفة اساسية السيد مناوي، الفضل الكبير في إخراج قيادات الدولة من الخرطوم تحت وابل الرصاص، حتى أوصلوهم لدي شيخ المجاهدين، الشيخ التوم هجو، في عقر داره في سنار حيث أحسن استقبالهم، وضيافتهم، وحمايتهم، وهناك برز الدور العظيم للدكتور جبريل، فهو صاحب فكرة نقل العاصمة الإدارية مؤقتا إلى عروس الشرق ثغر السودان الامن، بورتسودان، وتولي تنفيذ ورعاية ذلك بالكامل، وابتدع سياسات مالية قاسية، وصبر عليها، واحتسب كل ما أصابه بسببها، واستطاع بذلك من بعد فضل الله تعالي، من تمويل الحرب وتسيير دولاب العمل في الدولة، ويكفيه نجاحا أنه في ظل تلك الحرب الشاملة، لم يتوقف من سداد الفصل الأول لكل العاملين في الدولة طوال سنوات الحرب العجاف، وفي ظل التوقف شبه الكامل للإنتاج.
أما في مجال ميدان المعارك، فبصرف النظر عن ما إبلته المشتركة في ساحات القتال في دارفور، حيث ظلوا صامدين يقاتلون رجالا ونساء، شيبا وشبابا، دفاها عن قلعة الصمود الفاشر مع القوات المسلحة، وبينما كان الناس يفرون من المدن الآمنة خوفا من أن تصلهم الحرب، كانت المشتركة تستدعي كوادرها من كل بلدان العالم للمشاركة في الدفاع عن الفاشر، ولم تنسحب قوات المشتركة، والقوات المسلحة، والقوات النظامية الأخري، والمجاهدون، لم ينسحبوا من الفاشر، الا بعد أن نفذت ذخيرتهم وتعذر امدادهم بالذخيرة والسلاح، أما علي مستوي المحاور الأخري، فتشهد لهم معارك تحرير مصفاة الجيلي، ومحور سنار، ومتحرك الصياد، وغيرها حتى أصبح المورال “تريند” يقتدي به الشباب، فصاروا يرتدون ثيابهم، ويحفظون الاناشيد والجلالات الخاصة بهم ويرددونها.
التحول الخطير بدأ مع ارهاصات تشكيل حكومة الدكتور كامل إدريس، فبدأت جهات محسوبة علي الحكومة ذات نظر محدود، تسعي لتحجيم حركات الكفاح المسلح، وبدأت حملة اعلامية ضد الحركات بتسريب معلومات مضللة عن أموال تذهب لحركات الكفاح المسلح، وتوحي الاخبار المنشورة أن تلك الأموال تذهب إلى حسابات القادة الخاصة، وفي الحقيقة هذه الأموال كانت تذهب كلها إلى تمويل المعارك الشرسة التي تقودها القوات المشتركة، وهي لا تكفي، ثم طلب من الدكتور كامل إدريس بعد ذلك أن يراجع حصص ومشاركات حركات الكفاح المسلح في الوزارة، وتبع ذلك حملات اعلامية ضد الحركات، كادت أن تعصف بوحدة وتماسك الجبهة الداخلية، وكان من الممكن أن يحدث ذلك لولا حكمة وصبر ووطنية قادة تلك الحركات، وبعض القادة الآخرين.
وما يشاع اليوم من وجود مخيف لقوات المشتركة في الخرطوم، يعتبر إكثر تضليلا مما سبق، والخطورة الحقيقية من العودة العشوائية لبعض قادة وقوات الدعم السريع، باسم السلام، فيعلم الناس جميعا اني مع الحوار مع الجميع، بمن في ذلك الدعم السريع والإمارات وإسرائيل، لكنه يجب أن يكون حوارا واضحا وصريحا، وشفافا، مثل حوار نميري مع الأنانيا، وحوار نميري مع الجبهة الوطنية، وحوار الإنقاذ مع الحركة الشعبية بقيادة دكتور جون قرنق، وحوار السادات مع إسرائيل، وحوار حماس مع إسرائيل، وحوار إيران مع أمريكا وإسرائيل، حوار واضح وصريح، ويقوم علي أسس وضوابط، ولكننا الان في وضع يخيف الجميع، الحكومة تقول لا حوار مع الذين تلطخت اياديهم بدماء الشعب، ووفود تمثل الحكومة تجوب كل عواصم الدنيا تبحث عن حوار مبهم، والحكومة تتحدث عن تطهير الأرض من دنس المليشيا المتمردة، ولا نري تحركات علي الارض في اي جبهة من جبهات القتال المهمة، التي تقود إلى تطهير الأرض من دنس المليشيا المتمردة، وما يخيف الناس حقيقة هو عودة اعداد من المليشا إلى العاصمة مع وجود كثيف لقوات للمليشيا التي لا تزال تقاتل علي مقربة من العاصمة، ويمكن أن تصل قلب الخرطوم في أقل من ساعتين.
والحديث عن تخوف من وجود القوات المشتركة، هو حديث فيه تضليل، وفيه عكس للحقائق، فليست المشتركة وحدها، ولكن كل شركاء معركة الكرامة يتوجسون ويتخوفون من أن تبيعهم الحكومة بثمن بخس، ويزيد من تلك المخاوف، تقريب البعيدين الذين كانوا أعداء، وابعاد القريبين الذين كانوا شركاء في الحارة. وتلك هي المخاوف الحقيقية التي يجب أن نعمل لها ترليون حساب