صدى الحقيقة

هاني صلاح والسودان .. إلى الأمام

جمال عنقرة
جمال عنقرة
✍️ كتابات حرة
05 Jun 2026 👁 20
شارك الخبر:

مثلما لا توجد محطة أهم للخارجية السودانية من محطة القاهرة، لا توجد محطة أكثر أهمية للخارجية المصرية من الخرطوم، ذلك انه مثلما لا يوجد بلد أهم وأقرب للسودان من مصر، لا يوجد بلد أهم وأقرب لمصر من السودان، وعلاقة مصر بالسودان، لا أقول فقط لا تشبهها علاقة بين اي من البلدين، وكل دول العالم الأخري، بل أقول لا يوجد بلدان في الدنيا علاقتهما مثل علاقة مصر والسودان، فتلك علاقة من صنع الخالق البديع جل شأنه، وعلا سلطانه، فمصر والسودان شعب واحد وبلد واحد في دولتين، فإذا زكمت القاهرة عطست الخرطوم، والعكس صحيح، ولذلك فإن الحكومتين في مصر والسودان تبعثان بفلذات كبديهما سفراء لهما في القاهرة والخرطوم، لذلك نجد أن سجل السفارتين حافل بأسماء عظيمة من السفراء المميزين.

بحكم علاقتي الوثيقة بمصر والمصريين، وكل شؤون العلاقات السودانية المصرية، التي تمتد لنصف قرن من الزمان، منذ أن نزلت مصر في سبعينيات القرن الماضي لدراسة الجامعة، صارت لي معرفة وصلات وثيقة جدا مع السفراء الذين عملوا في البلدين خلال هذه الفترة، من السفير الكردفاني الكبير في مصر، والسرير احمد عزت عبد اللطيف في السودان، وبرغم أن اكثر الذين عملوا في تلك الفترة كانوا مميزين جدا، الا أن أكثرهم تميزا كانا السفير العمدة الدكتور حسن جاد الحق في السودان، والسفير الوزير احمد عبد الحليم في مصر لهما الرحمة والمغفرة، ولعل سبب تميزهما أنهما عملا في فترتين عصيبتين في علاقات البلدين، السفير حسن جاد الحق جاء بعد أن انقلبت علاقات حكومة السودان مع مصر رأسا علي عقب، فبعد أن كان الرئيس حسني مبارك يقول ان حكام الإنقاذ أولادهم، وقدمهم للعالم، صار يسعي لسحب البساط من تحت أقدامهم، وحكومة الإنقاذ بعد أن احتمت بمصر، صارت تحمي النيران ضدها، ولم تكتف بحشد المعارضين للحكومة مصر، بل تورط بعض رجالها في دعم محاولة لاغتيال رئيس مصر في إثيوبيا، وتلك هي الفترة التي عمل فيها السفير العمدة الدكتور حسن جاد الحق، وأذكر عندما انتهت فترة خدمته في السودان وعاد إلى مصر، قال لي انه يكفيه شرفا أنه رغم كل ما حدث وفقه الله في أن يبقي علي باب العلاقة بين الحكومتين السودانية والمصريه “موارب” وبعد تلك الفترة ذهب الوزير احمد عبد الحليم سفيرا للسودان في مصر، ويكفي عم احمد انه لما توفاه الله وهو لا يزال سفيرا في مصر، كان قد عاد بالعلاقات السودانية المصرية إلى ما يقارب عهدها الذهبي، عهد الراحلين المقيمين الرئيس السوداني جعفر محمد نميري، والرئيس المصري محمد أنور السادات.

لم يكن أحد يتوقع أن يأتي سفير في القاهرة أو الخرطوم وينجز ما انجزه السفيران العظيمان احمد عبد الحليم، وحسن جاد الحق، واذكر بعد وفاة السفير احمد عبد الحليم رشحت انباء عن ترشيح صديقه وابن دفعته السيد مهدي مصطفي الهادي سفيرا في مصر، ويكفي مهدي خبرة ومعرفة بمصر انه عمل لسنوات مساعدا للأمين العام للجامعة العربية، ولما سألت مهدي عن صحة الخبر، قال لي “انا مجنون امشي بعد احمد، والله ثلاثة سفراء ما يسدوا فرقة احمد” ولقد اجتهد السودان، وقدم خيرة كوادره سفراء في مصر، أذكر منهم الانيق عبد المنعم مبروك، والبلدوزر عبد المحمود عبد الحليم، والمدهش عبد الرحمن سر الختم، والعمدة محمد الياس، والسفير الرزين محمد عبدالله والوزير كمال حسن علي، وأبلوا جميعا بلاء حسنا، لكنهم لم يبلغوا ما بلغه احمد عبد الحليم، الذي كان الرئيس المصري حسني مبارك يناديه “عم احمد”

ومثلما فعل السودان، فعلت مصر، فبعثت بأفضل كوادرها الدبلوماسية سفراء في السودان، أذكر منهم السفير عبد الغفار الديب والسفير محمد الشاذلي، والسفير أسامة شلتوت، والسفير حسام عيسي، وجميعهم أبلوا بلاء حسنا مثل نظرائهم السودانيين الذين أشرت لهم، ومثلما لم يبلغ السودانيون ما بلغه السفير احمد عبد الحليم، لم يبلغ المصريون ما بلغه حسن جاد الحق.

وتشاء أقدار الله أن يصادف السفير الاخير هاني صلاح، تحديا أكبر من التحديات التي واجهت السفير حسن جاد الحق، فالسفير حسن جاد الحق كان تحديه أن يحافظ علي باب العلاقة الدبلوماسية بين القاهرة والخرطوم “موارب” في ظل صراع النظامين الحاكمين في القاهرة والخرطوم، ولكن السفير هاني صلاح واجه تحديا فاق بقاء السودان في الوجود، وأصبح يهدد مصر أيضا، ولم يكن للسودان في الحرب الملعونة بعد الله تعالي، سوي مصر والمصريين، ويكفي مصر انها لم تكتف بفتح اراضيها للسودانيين، فهاجر لها الملايين، ولكنها فتحت قبل ارضها قلوب شعبها وحكومتها، وكل مؤسساتها العامة والخاصة، وكان مفتاح ذلك كله السفير هاني صلاح، الذي رابط في السودان، اكثر مما رابط السودانيون، وظل يعمل عشرين ساعة في اليوم دون كلل ولا ملل، حتى وفقه الله في أن يتجاوز في بصماته كل الذين سبقوه من السفير سيف اليزل، بمن فيهم السفير العمدة العظيم الدكتور حسن جاد الحق.

ولم نحزن لانتهاء فترة عمل السفير هاني صلاح في السودان، وعودته إلى مصر، ذلك انه عائد إلى موقع اخر لا يقل أهمية من موقعه الحالي، أن لم يزد عليه، فالراجح أن يتبادل المواقع مع السفير ياسر سرور الذي تم ترشيحه خلفا له، فتتواصل السيمفونية الثنائية العذبة، وتلك واحدة من عبقريات مصر في إدارة ملف السودان، فالسفير المرشح للسودان يتم اعداده وتهيأته بالعمل في ملف السودان في الخارجية المصرية، مثلما حدث للسفير ياسر سرور وكل السفراء الذين سبقوه، والسفراء الذين تنتهي فترة خدمتهم في السودان يعودون مساعدين لوزير الخارجية لشؤون السودان، ومثلما كانت صلاتي وعلاقتي وتواصلي حميم مع السفير هاني صلاح، قبل أن يأتي إلى السودان، وطوال فترة عمله في السودان، كانت لي أيضا صلات واتصالات بالسفير ياسر سرور، مد جسورها السفير هاني صلاح، والسفير سرور من العيار الثقيل، وتزود بمعارف جمعة عن السودان خلال فترة عمله مساعدا للوزير، وسوف يسنده السفير هاني بما تراكم لديه من خبرات ومعارف، واتوقع ان تشهد الفترة المقبلة في عهد السفيرين صلاح وسرور نهضة لم يسبق لها مثيل بإذن الله تعالي،

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.