صدى الحقيقة

الإعدام في ميدان عام ….. وأمام الإعلام..

جلال الدين محمد ابراهيم
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
10 Jun 2026 👁 27
شارك الخبر:

*ضرورة شرعية لردع كل من أفسد في السودان:-*

منذ ما قبل سقوط نظام الإنقاذ، وما تلا ذلك من انفلات أمني واقتصادي واجتماعي، وبعد اشتعال الحرب الحالية (15 إبريل 2023)، ارتفعت في داخلي صرخة كانت ولا تزال تؤرق ضمير كل مواطن سوداني غيور على وطنه: أين العقوبات الرادعة لكل من تسبب في إفساد وتدمير البنية التحتية، وقتل الشعب، وهتك العرض، ونهب ممتلكات الشعب في الدولة السودانية، أو تآمر على مقدرات الشعب السوداني؟

-لقد شهدنا مستويات غير مسبوقة من الفساد المالي والإداري، وشهدنا كذلك دماء الشهداء الذين سقطوا منذ عملية مذبحة ساحة الاعتصام وحتى ما تم في هذه الحرب الحالية. فقدنا أرواحًا زكية أزهقت بغدر وجريمة، وكتبت حينها مقالات تنادي بتطبيق أسلوب “الإعدام في الميدان العام” و”أمام الإعلام” ليكون عبرة وردعًا لكل من تسوّل له نفسه العبث بمستقبل أمة. واليوم، أمام تزايد احتمالات الإفلات من العقاب، وتغول الفساد، ورفع شأن من أفسد فوق الأعناق، أعيد المطالبة وأؤكدها، مستندًا إلى الكتاب والسنة، وإلى المنطق العملي الذي يضمن حماية المجتمع.

*أولاً: الإعدام لمن تسبب في جريمة حرب ضد الشعب السوداني:-*

لقد عانى السودانيون من ويلات الفساد؛ فالمال العام الذي كان من المفترض أن يذهب للتعليم والصحة والخدمات الأساسية، نُهب على مرأى ومسمع من الجميع، بينما عاش الملايين تحت خط الفقر. ليس هذا فقط، بل إن إفساد الدولة يمتد ليشمل تخريب النسيج الاجتماعي، وزرع القبلية والعنصرية والتمسك بالجهوية، وإشعال الحروب بالوكالة في الخرطوم والجزيرة وفي دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. أولئك المفسدون، سواء كانوا سياسيين أو إداريين، لم يكتفوا بسرقة الحاضر، بل سرقوا مستقبل الأجيال. ولذلك، فإن أي عقوبة دون حد الإعدام العلني هي بمثابة تشجيع لهم على الاستمرار، وكأننا نقول لهم: “لا تخافوا، القصاص سيقتصر الامر على غرامات مالية أو سجن ناعم في جناح خاص”.

*ثانيًا: الشرع الحنيف يقرر علانية العقوبة لتكون “ردعًا” و”موعظة” :-*

من هنا، تأتي ضرورة العودة إلى المنهج الرباني في تشريع العقوبات. عندما أمر الله سبحانه وتعالى بإقامة حد الزنا، قال في سورة النور: “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” (سورة النور: 2). هذه الآية الكريمة هي الدليل القاطع على أن الحكمة الإلهية أوجبت حضور جماعة من المؤمنين أثناء تنفيذ العقوبة، وذلك لتحقيق مقاصد عظمى: أولها الإيلام النفسي والبدني الرادع للمجرم نفسه، وثانيها، وهو الأهم، أن يكون المشهد النكر ماثلاً أمام أعين الناس ليكون تذكرة وعبرة وموعظة لكل من يفكر في الإقدام على الجريمة نفسها.

-فإذا كان هذا التشريع الإلهي في حق شخصين ارتكبا فاحشة خاصة، فمن باب أولى أن تطبق هذه العلانية (بل بصفة أشد) على من تسببوا في إفساد دولة بأكملها، وأدخلوا الملايين في الحرب والمرض والحرمان، وأراقوا دماء الأبرياء في الميادين والسجون السرية. إن العبرة التي ذكرها الله في الآية هي “لِيَشْهَدُوا” أي ليروا، ولعل في رؤيتهم تلك ما يردعهم عن المعصية. وإن جريمة إفساد الدولة والشعب أعظم بكثير من جريمة زنا فردية؛ لأن ضررها يتعدى إلى استقرار الأمة، وقتل الأرواح بالجوع والخوف أشد من قتل فرد بالسيف.

*ثالثًا: الإعدام في الميدان العام.. هو تطبيق لمقصد النص الشرعي:-*

ما طالبت به منذ ما قبل سقوط الإنقاذ، وما أكرره اليوم، هو ترجمة عملية لهذا المقصد الشرعي بما يتناسب مع عصرنا. “الميدان العام” في زماننا يمكن أن يكون ساحة مركزية في العاصمة أو الولايات، و”أمام الإعلام” هو تحقيق لشرط “طائفة من المؤمنين” ولكن بشكل أوسع وأشمل. إذ أن التلفزيونات ووسائل التواصل الاجتماعي تجعل الملايين من المشاهدين حاضرين، فيُرى المشهد ويُسمع الصوت، فتنخلع القلوب وترتدع النفوس. هذا هو الرادع الحقيقي.

-لقد جربنا السجون المغلقة والأحكام السرية، فلم تحدث أي رادع. بل زاد الفساد، لأن الفاسد يعلم أن العقوبة ستكون “مهذبة” وخلف الجدران، وربما يحصل على عفو رئاسي رغم ما أقدم عليه من جرائم وسفك دماء لسنوات. أما لو علم أي مسؤول أو تاجر أو قائد عسكري أنه إذا ثبت تورطه في إفساد الدولة (نهب أموال عامة، قتل الشعب أو قتل متظاهرين، تخريب بنية تحتية) فإن مصيره سيكون الإعدام في ميدان عام، وتنقل جثته على الملأ، وتذاع اللحظات الأخيرة له على الهواء مباشرة، فإن ذلك سيكون “زاجرًا” قويًا. وهذا هو الأصل في العقوبة من الناحية الشرعية.

*لا مكان للعقوبة الرحيمة، فهذا عدم عدل*

إن الرحمة بالمجتمع السوداني الذي يئن تحت وطأة الفساد والظلم، تتطلب الشدة على من تسببوا في هذا الدمار. لا مكان للرأفة بمن أفسدوا في الأرض. لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لَحَدٌّ يُقَامُ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا” (رواه النسائي وابن ماجه). ولقد قال تعالى في شأن قطع يد السارق: “فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا” (الشورى: 40). فكيف بمن قتل الشعب بدم بارد، ودمر وسرق ممتلكات الشعب، ودمّر البنية التحتية، وما يعاني السودان حالياً من دمار الكهرباء هو أحد تلك المشاهد؟! وكيف لا نعدم من سرقوا الملايين من الدولارات، وتسببوا في انهيار العملية المحلية، وجوّعوا الملايين من البشر؟

*آخر المداد*

إن مطالبتي اليوم ليست بدافع الانتقام، بل بدافع الحماية والوقاية. إن تنفيذ حكم الإعدام في ميدان عام، وأمام وسائل الإعلام، لكل من ثبت تورطه في إفساد الدولة السودانية أو إراقة دماء الشعب السوداني، هو واجب ديني ووطني وأخلاقي. ليكون ذلك عبرة وردعًا لمن يفكر في الخيانة، وليكون تطبيقًا لقول الله تعالى: “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة: 179). نعم، في الإعدام العلني حياة للمجتمع، وتطهير للوطن، وتأديب لمن لا يخاف الله، وموعظة لمن يتقي الله.

اللهم أنقذ السودان من الفساد، وأرنا في كل مفسد نكالاً وعبرة، وأصلح أحوالنا وأحكامنا، إنك على كل شيء قدير.

ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

الأربعاء 10 يونيو 2026

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.